08 اكتوبر 2005

 

300 مليار دولار إيرادات الدول الخليجية

 

دول الخليج تواجه تحديات كبرى بزيادة الإنتاج النفطي

علي ال غراش*

 

 

أشارت تقارير اقتصادية أن تصل عائدات النفط بدول الخليج إلى نحو 300 مليار دولار نهاية هذا العام, وأن تتجاوز قيمة الانفاق على المشاريع والاستثمار في الدول الخليجية إلى أكثر من 140 مليار دولار في عام 2006م, وأن ذلك يشمل مشاريعا لتطوير القطاع النفطي الذي من المتوقع أن يستقطب نحو 35 مليارا, وان يبلغ مجموع قيمة صادرات السعودية هذه السنة نحو 111 مليار دولار تقريبا تمثل صادرات النفط ومشتقاته الجزء الأكبر, كما أنه من المتوقع أن تحقق المملكة فائضا تجاريا بواقع 68 مليار دولار تقريبا, وإن القيمة المقدرة أو المتوقعة لصادرات المملكة هذه السنة تزيد على مجموع الإيرادات النفطية التي حققتها جميع دول مجلس التعاون في العام 1999م, أي قبل بدء الفورة النفطية الحالية.

 

وأشار التقرير أن دول الخليج تنعم بفوائض سنوية متتالية ومتنامية وارتفاع سريع في احتياطياتها المالية وبحبوحة مالية. والتي ستشهد توسعا في الإنفاق العام, وزيادة الدخل الفردي والاستهلاك, وتحرك القطاع الاقتصادي الخاص. وقال التقرير إن الاستثمارات الخليجية الخارجية تصل إلى أكثر من 2 تريليون دولار على الأقل قبل نهاية العقد الحالي. وحذر التقرير بأن دول الخليج العربي ستواجه تحديات جديدة تضاف إلى تحديات النمو والإصلاح التقليدية فالأوضاع في سوق النفط العالمية التي كانت وراء الارتفاع الكبير في الأسعار والعائدات النفطية أصبحت أوضاعا ضاغطة على دول الخليج ومجموعة دول الأوبك بشكل عام للإنتاج بأقصى طاقتها وإلا اعتبرت مسؤولة عن ارتفاع إضافي وربما مجنون في أسعار النفط.. سيلحق ضررا بالغا في الاقتصاد العالمي.

 

هل فقدت دول الخليج النفطية قدرتها على التحكم بمواردها النفطية, وعلى اعتماد سياسة إنتاج تأخذ بمصالحها واحتياجاتها في الوقت الراهن, وكذلك احتياجات أجيال المستقبل, وهل هي قادرة على استثمار العوائد المادية الهائلة في بناء مستقبل مشرق يغنيها عن النفط ؟

 

جاء في تقرير لمعهد التمويل الدولي في واشنطن أن التوقعات تشير إلى أن تتعدى مجموع العائدات النفطية لدول مجلس التعاون 300 مليار دولار هذا العام أي أكثر من ضعف مجموع الإيرادات في العام 2000م وأكثر من ثلاثة أضعاف مجموع العام 1999م, وهذه الأرقام ليست مستغربة لأن أسعار النفط قد ارتفعت نحو 44 في المائة منذ بداية أضعاف ما كانت عليه في العام 1999م, وأن إنتاج دول منظمة الأوبك ومعها دول مجلس التعاون الخليجي من النفط الخام بلغ في شهر يوليو الماضي أعلى مستوى له منذ نهاية العام 1997م.

 

وذكر التقرير أن هناك شتان ما بين العام 1997 واليوم, ففيما كانت دول الخليج في حينه تعمل جاهدة للحد من الإنفاق وتحقيق الاستغلال الأمثل لموارد مالية محدودة نسبيا والسيطرة على عجوزات كبيرة في الميزانيات العامة لدى بعضها ها هي اليوم تنعم بفوائض سنوية متتالية ومتنامية وارتفاع سريع في احتياطياتها المالية وبحبوحة مالية بكل معنى الكلمة, وقد يكون هناك توقعات متجددة اليوم بأن الطلب العالمي على النفط بدأ يتأثر بسعره المرتفع وأنه قد بدأ بالتراجع من جديد في المرحلة المقبلة مما قد يحد من منحى ارتفاع الأسعار, لكن تأثير كل ذلك على العوائد النفطية سيبقى محدودا على الأرجح في المدى القصير, فيما تعد التحولات الهيكلية في ميزان العرض والطلب العالمي على النفط بمنحى واضح نحو ارتفاع الأسعار على المدى المتوسط والطويل.

 

وأوضح التقرير الذي نشرته "مجلة الاقتصاد والأعمال" في عددها الأخير أن مجمل العائدات المالية لدول الخليج تمثل أكثر من ضعف مجموع الإيرادات في العام 2000م, وان النمو المتسارع في الإيرادات النفطية يترجم توسعا في الإنفاق العام, وثقة متزايدة في القطاع الخاص, ومزيدا من الارتفاع في مستويات الدخل الفردي, وفي مستويات قياسية من الانفاق الاستثماري والاستهلاكي, وعن آخر التوقعات حول الإيرادات النفطية, وكيف تبدو مستجدات هذه الفورة سواء على صعيد الإنفاق العام أو على صعيد تكوين الاحتياطيات؟ وعن خيارات استثمار هذه الفوائض المتعاظمة؟

 

أشار التقرير إلى إن الارتفاع المستمر في أسعار النفط يفرض إعادة نظر في تقدير الإيرادات التي ستحققها بلدان الخليج، وقال التقرير إن دول الخليج تواجه استحقاقات كبيرة في مجال الإنفاق المحلي في المرحلة المقبلة ومن المفترض أن يتركز الجزء الأكبر من هذا الإنفاق على مشاريع التنمية وخصوصا مشاريع تطور وتوسيع البنية التحتية بينما من المفترض أيضا أن تؤدي خطوات الإصلاح وإعادة الهيكلة الاقتصادية وبرامج الخصخصة إلى تخفيض تكلفة القطاع العام وبالتالي حجم الانفاق الجاري على هذا القطاع نسبة للمجموع , لكن النمو السكاني السريع ومتطلبات الأجيال الجديدة سيفرضان المزيد من الاهتمام بالرعاية الاجتماعية ومتطلبات مواجهة مشكلة البطالة وغير ذلك من احتياجات اجتماعية.

 

وواضح التقرير أن الاحتياطي الرسمي لدى مؤسسة النقد العربي السعودي ارتفع بنحو 26 في المائة في العام 2004 ووصل إلى أعلى مستوى له منذ نحو عقدين من الزمن, وان المستقبل يعد بنمو وارتفاع الأصول الخارجية لدول مجلس التعاون وهو ما قد يجعلها في موقع للتأثير في أسواق المال والنقد العالمية. وأكد بنك سامبا ان الأصول الخارجية للمملكة العربية السعودية آخذة بالتراكم بمعدل 4 مليارات دولار في الشهر هذه السنة.

 

وتقول تقديرات أخيرة لمعهد التمويل الدولي إن دول الخليج ستقوم بشراء 360 مليار دولار من الأصول الخارجية خلال هذه السنة ككل والسنة المقبلة, يشمل السندات والأسهم والعقارات والأصول الأخرى, وهذا الرقم الضخم المتوقع يزيد بنسبة 50 في المائة على مجموع ما تم شراؤه من الأصول الخارجية في السنوات الخمس السابقة.وإن هذا الحجم الضخم من الاستثمارات الخارجية الجديدة المتوقعة هذه السنة والمقبلة, المباشرة أو غير المباشرة, من قبل دول مجلس التعاون سيشكل إضافة كبيرة إلى الأصول العربية الإجمالية في الخارج والتي قدرت في العام 2004 بما بين 2.1 و 1.5 تريليون دولار وعلى افتراض استمرار الفوائض النفطية الكبيرة ما بعد العام 2006م, وهو الأمر المرجح فإن ذلك سيعني نمو هذه الاستثمارات إلى أكثر من 2 تريليون دولار على الأقل قبل نهاية العقد الحالي.

 

وحول السبب في عدم استثمار الدول الخليجية في الدول العربية والتوجه للأسواق الدولية, اجاب التقرير أن العالم العربي لم يزل غير قادر على امتصاص إلا الجزء اليسير من الفوائض النفطية الجديدة المهاجرة وتوافر البيئة النفطية الاستثمارية المناسبة لها, بالإضافة إلى تلكؤ الإصلاح الاقتصادي فيها.

 

وأشار التقرير إلى أن جزءا من الفوائض النفطية الجديدة ستجد طريقها إلى الأسواق المحلية من خلال استثمارات محلية متعددة للحكومات الخليجية مباشرة وغير مباشرة لكن هذه الاستثمارات, التي تختلف عن الإنفاق الكبير المتوقع على المشاريع الإنمائية القطاعية, تبقى محدودة نسبيا مقارنة بالفوائض التي ستذهب إلى الأصول الخارجية, في المقابل فإن الواقع الأساسي للإيرادات النفطية المتنامية على حركة الاستثمار المحلي كان ولم يزل من خلال تأثير هذه الإيرادات غير المباشرة على النشاط الاقتصادي الإجمالي وبالتالي على حجم السيولة المحلية والذي انعكس في الارتفاع الكبير بل التضخم الذي تشهده أسواق الأسهم الخليجية, و العقارات والأصول المحلية الأخرى ويبدو بناء على ما حدث حتى الآن أن هذا التضخم في أسعار الأصول المالية ولثابتة في الدول الخليجية سوف يستمر طالما استمرت الإيرادات النفطية بالنمو والفوائض بالتراكم مع ما يؤدي إليه ذلك و بالضرورة من توسع إضافي سريع في السيولة المحلية.

 

كما ان هناك مؤشرات متزايدة عن نمو الاستثمارات الخليجية في الأسواق المالية لبعض الدول العربية الأخرى ومنها بالتحديد لبنان ومصر والأردن كما في العقارات والأصول الثابتة الأخرى في هذه الدول وغيرها وكذلك دور للمستثمرين الخليجيين في تشجيع عمليات وشراء أو دمج الشركات والاستثمار المباشر المتنامي في المشاريع المختلفة في العالم العربي, لكن هذه الاستثمارات تبقى مقتصرة إلى حد كبير على نشاط القطاع الخاص الخليجي وهي لو قيست بمجملها قد نمت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة ولكنها تبقى نقطة في بحر مقارنة بحجم الرساميل الحكومية والخاصة المتوقع استثمارها في الأصول الخارجية في الأسواق العالمية خلال هذه السنة والسنة المقبلة.

 

وفي النهاية أوضح التقرير ان دول الخليج العربي ستواجه تحديات جديدة ضاغطة تضاف إلى تحديات النمو والإصلاح التقليدية للإنتاج بأقصى طاقتها وإلا اعتبرت مسؤولة عن ارتفاع إضافي وجنون في أسعار النفط سيلحق ضررا بالغا في الاقتصاد العالمي, وقد عبرت حكومات الدول الصناعية في الأسابيع الأخيرة عن مخاوفها المتزايدة من الارتفاع السريع في أسعار النفط الذي بدأ ينعكس بوضوح تراجعا في الانفاق الاستهلاكي والنشاط الاقتصادي وارتفاعا في معدلات التضخم في تلك الدول في ظل عدم وجود طاقة إنتاج إضافية في المدى القصير لتحقيق فائض في الإيرادات يؤدي إلى تراجع محسوس في أسعار النفط, وما يزيد من حدة المشكلة عدم توفير طاقة تكرير كافية في الدول الصناعية

 

أما الخوف الأساسي فهو تعلق بالمديين المتوسط والطويل إذ تقول توقعات أخيرة لجهات عدة وخبراء ومنهم منظمة الأوبك أنه إذا ما استمر النمو السريع في الطلب العالمي على النفط في المرحلة المقبلة, خصوصا في ضوء الطلب الكبير الكامن في الصين والهند فسيكون هناك نقص في الإنتاج العالمي من النفط الخام في المستقبل على الرغم من تنفيذ جميع مشاريع التطوير ورفع طاقة الإنتاج المخططة في الدول النفطية.

 

وهذه الدول تواجه الآن معضلة أساسية وشاقة من حيث إنها أضحت مضطرة لتحويل احتياطياتها البترولية بأقصى سرعة إلى موارد نقدية لا تستطيع اقتصادياتها استيعابها بالوتيرة الكامنة فتضطر بالتالي إلى تحويلها إلى استثمارات في الخارج, وهي استثمارات لا تخلو من المخاطر ولا يمكن الركون لمستقبلها بثقة كاملة في نهاية الأمر.

ان دول الخليج النفطية في وضع صعب اذ إنها تجد في ارتفاع الاسعار بهذا المستوى الهائل فرصة لا تعوض في زيادة دخلها والنمو وتطبيق الاصلاحات, ومن جهة اخرى تتعرض هذه الدول الى ضغوط عالمية قوية بان تنتج ما يسد النقص الموجود في العالم باكبر معدل بغض النظر الى سلبيات الانتاج.

 

اذن على قيادة هذه الدول ان تتعامل مع تلك الضغوط بعقلية وحكمة وان تنظر الى مصلحتها في عالم المصالح, وان تفكر بعقلية اقتصادية قادرة على استيعاب هذه الطفرة بشكل صحيح وسليم وبرؤية مستقبلية عميقة في استثمار العوائد الكبيرة في مجالات اقتصادية ناجحة ومضمونة بحيث تتضاعف..وتكون خير معين في اليوم الاسود, وان تساهم في بناء بنية تحتية صحيحة ومشاريع عملاقة قادرة على معالجة المشكلات الموجودة ومنها البطالة.. وان لا تقع في سلبيات الطفرة السابقة بعدم استغلالها والاستفادة منها بالشكل المطلوب , بالاضافة الى التفكير بالمحافظة على حقوق الاجيال القادمة. بالاضافة الى امداد العالم بالطاقة بدون ضرر او ضرار!. هل دول الخليج قادرة على ذلك؟

 

*من الدمام

للتعليق على هذا الموضوع