25 مايو 2006

 

 

 

 

بعد نصف قرن من شح المياه بدون حل

العطش يهدد أهالي الأحساء.. أكبر واحة طبيعية

 

علي آل غراش: الهفوف(الشرق الاوسط)

تكمن شهرة الأحساء بأنها اكبر واشهر واحة طبيعية في العالم، تحمل في باطن أراضيها أهم ما يحتاجه البشر: النفط والماء، ففيها يقع اكبر حقل للنفط في العالم (غوار) وحقول حرض وشيبة.. كما أنها كانت تحتضن مخزونا مائيا هائلا ساهم في أن تكون اشهر واحة خضراء. اشتقت الاسم من الحسي وهو الماء الذي يظهر بمجرد إزالة الحصى، والأحساء اسم يرادف وفرة الماء والعيون الجارية والخضرة والخير الوفير، ومن شدة وفرة المياه فيها كان يقال «يا ناقل الماء إلى هجر، لا لك جزاء ولا شكر»، (وهجر الاسم القديم للأحساء)، وكانت المياه الجارية في الجداول تخترق النخيل والقرى ومنها الشرقية الغنية بالمياه بعد ذلك تصب في منطقة تسمى بالبحر الأصفر إشارة إلى الكميات الهائلة الفائضة من المياه، وهذه المنطقة تقع في شرق واحة الأحساء.

 

كارثة إنسانية

* منذ عشرات السنين ومياه الأحساء في تناقص مستمر بشكل غير طبيعي أدى إلى توقف جميع العيون الفوارة وجفاف الأرض وتراجع الغطاء الأخضر وسقوط عدد كبير من النخيل. وهجر اغلب المزارعين البساتين. وتحولت مساحات كبيرة من النخيل والمزارع المثمرة إلى أراض جرداء أو إلى مساكن واستراحات للتسلية والاستسمار، ولم يسلم المواطنون من نقص المياه إذ إن أهالي الأحساء يعتمدون على مياه الآبار الجوفية في الشرب والاستخدامات المنزلية... إذ أصبحت قضية تؤرق أهلها والمقيمين فيها. ومما يحز في النفس أن ذلك حدث في ظل صمت مميت من قبل الجهات المسؤولة في المنطقة وخارجها، وعدم اهتمام من قبل المواطنين لكارثة نقص المياه التي تزداد سوءا مع مرور الأيام وبالذات في فصل الصيف الطويل والحار حد السموم... يدعمه نقص حاد بكميات الأمطار في المنطقة وعدم وجود ما يعوض ذلك.

القرى الشرقية أكثر مناطق الأحساء ـ التي تشكل ما نسبته 25 بالمائة من حجم السعودية وعدد سكانها يتجاوز المليون ونصف المليون من المواطنين ـ تضررا من شح المياه الأحياء الحديثة والهجر والقرى وبالذات الشرقية التابعة لمدن العمران والجفر والطرف وما حولها والتي كانت تشتهر بالعيون وتعتبر مستودعا لمياه الأحساء..أصبحت الآن كبقية قرى الأحساء تعاني من شح المياه ليس فقط على مستوى الزراعة وإنما على مستوى الشرب والاستخدام المنزلي، إذ إن الأهالي في هذه المناطق يعتمدون في شرب المياه من خلال مياه الآبار الارتوازية الحلوة التي يشربون منها قبل أن تجف وتكون نسيا منسيا.

 

نصف عقد من المعاناة

* عن تلك المعاناة يقول الحاج محمد العبد الله الراشد «عمدة بلدة الرميلة»: لم أتوقع أنه سيمر ـ يوما ما ـ على الأحساء الغنية بالمياه الفوارة والآبار شح بالمياه، وارى بعيني ذلك النقص، وان يتحمل ابن المنطقة المعاناة في البحث عن الماء.. ويكمل الراشد: لقد بدأت بوادر معاناة نقص المياه قبل أكثر من 25 عاماً، وقد ابلغنا الجهات المعنية بوزارة الزراعة والمياه قبل أن تتحول إلى المصلحة بالمشكلة... بعد ذلك بدأنا نتابع مع المصلحة التي قامت بحفر آبار وإنشاء خزانات وشبكة، موضحا بان ما تقوم به المصلحة من محاولات لسد النقص ما هي إلا محاولات خجولة لا تؤدي الغرض الحقيقي، فالآبار التي تم حفرها والخزانات التي تم تشييدها لا تناسب الحاجة وعدد السكان الكبير الذي يزداد ويتضاعف فخزانات المياه الموجودة صغيرة وبمجرد تعطل الماكينة ينقطع الماء. مشيرا إلى أن عدد سكان مدينة العمران نحو 60 ألف نسمة ولا يوجد بها سوى 3 آبار ارتوازية. مؤكدا بان «الاعتماد على الآبار ليس حلا عمليا نتيجة انخفاض مستوى المياه الجوفية وكثرة تعطل المضخات».مياه التحليةويضيف الراشد «من ابسط الحقوق التي يجب أن يحصل عليها كل مواطن في وطنه هي نعمة المياه، خاصة المياه العذبة الصالحة للشرب والاستخدام المنزلي».ويأمل الراشد ان ينعم أبناء الأحساء بالمياه العذبة المحلاة أسوة بأهالي المدن الكبرى في مملكتنا الغالية على الرغم من أنهم يعيشون على بعد مئات الأميال عن مواقع مصادر المياه المحلاة. بينما نحن الذين نعيش بالقرب من الساحل ومن مواقع التحلية ولا يبعد ساحل العقير إلا دقائق لا نجد ماء حلوا نظيفا بل إننا لا نجد ماء مالحا بدون تحلية».(الوايت) معاناة جديدةوحول دور المصلحة في تلبية حاجة المواطنين للمياه يقول السيد طاهر الهاشم «إن المصلحة تحاول أن تقوم بسد النقص عبر توفير المياه بواسطة صهاريج المياه (الوايتات)»، مستدركا «لكن (الوايتات) قليلة جدا لا تناسب عدد السكان والطلبات». مضيفا «على كل من يريد الخدمة أن يسجل اسمه ورقم العداد والهاتف وان ينتظر لمدة ساعات غير معروفة عند باب منزله حتى يأتي دوره.. نتيجة الازدحام من قبل المواطنين الراغبين لخدمة الماء يقابله نقص كبير في عدد السيارات الناقلة للمياه». ويشير الهاشم إلى من يعمل على سيارة توصيل المياه (الوايت) عامل آسيوي يرفض أن يعبئ الخزان بحجة أن لكل مواطن مدة محددة للتعبئة وهي 5 دقائق فقط سوء تعبأ الخزان أم لا خلال المدة المحددة وبدون تفريق لمن لديه عائلة كبيرة أو صغيرة. موضحا بان عملية التعبئة تكون عبر أنبوب هوز 2 انش والخزان يقع على مسافة طويلة حيث إن (الوايت) لا يمكنه الدخول في الأزقة الضيقة.. ويواصل الهاشم حديثه: ان المصلحة تطالب صاحب المنزل بتوفير الأنابيب وهي عبارة عن رولة هوز طويلة لتعبئة الماء حسب المسافة من الشارع الرئيسي إلى الخزان!

 

شكاوى للوزارة

* يقول يوسف محمد موظف من أهالي الجفر: لقد عانينا كثيرا من شح المياه ولم نجد حلا عمليا من قبل الجهات الخاصة بالأحساء، المصلحة ووزارة الزراعة والمياه مما أدى إلى اجتماع البلد والسفر إلى الرياض وطرح القضية على كبار المسؤولين هناك الذين تفاعلوا مع الشكوى، إذ أمروا المسؤولين في الجهات الخاصة بالأحساء بتوفير سيارات أكثر والبحث عن حل عملي للمشكلة. كما ذهب وفد مماثل من مدينة العمران ومن عدة قرى إلى الرياض وطرح معاناتهم. ومما يثير في الموضوع ويدعو للاستغراب ان الجهات المسؤولة في الأحساء لا تتعامل مع مشكلة المياه والمشاكل الأخرى بالمنطقة بجدية إلا بعد إيصال الشكوى للمسؤولين في الرياض.

 

مصائب قوم فوائد

* ونتيجة النقص الحاد في صهاريج المياه التابعة للمصلحة ووزارة الزراعة وصعوبة الحصول على الماء في الوقت المناسب يضطر اغلب الأهالي إلى شراء المياه من الشركات الأهلية (الوايت) الواحد الصغير يكلف نحو 60 ريالا يكفي ليوم واحد فقط أي ان تكلفة المياه بالشهر تصل نحو 1800 ريال، وفي فترة المناسبات يزيد السعر حسب الطلب. وهذا المبلغ كبير جدا على اغلب الأهالي من أصحاب الدخل المحدود. والمعاناة مضاعفة لدى العوائل الفقيرة والمزارعين البسطاء وعلى عوائل الموظفين والعاملين خارج المنطقة... ويتساءل علي الشايب: كيف يستطيع المواطن الفقير الذي يبحث عن ما يسد قوته اليومي من توفير هذا المبلغ في ظل صعوبة الحياة المعيشية؟

الماء والحياة

* ولان الحاجة أم الاختراع ونتيجة لارتفاع الطلب على المياه في قرى الأحساء الشرقية وعدم قدرة الجهات الخاصة الحكومية على تلبية الطلبات انتعشت في المنطقة تجارة مصانع المياه المحلاة وكذلك تجارة إيصال المياه، إذ وجد عدد من الشباب العاطلين عن العمل أو من يبحثون عن عمل فيه إيرادا أفضل وفرصة لاستغلال ذلك عبر شراء صهاريج نقل المياه العذبة وإيصالها للعوائل المتورطة المستعدة ان تدفع أي مبلغ للحصول على الماء فالماء يساوي الحياة.

 

السحب الجائر

* وحول الأسباب الرئيسية لشح المياه في الأحساء يقول المهندس مهدي ياسين الرمضان «عضو سابق بمجلس المنطقة الشرقية وعضو اللجنة الوطنية الزراعية للغرف السعودية وباحث في شؤون الزراعة والمياه»: إن سبب نقص المياه في الأحساء يعود إلى استنزاف المياه بكميات هائلة من مخزون التكوينات، بالذات في تكوين طبقة النيوجين نتيجة زيادة الطلب على المياه والسحب الجائر بالإضافة إلى ما قامت به شركة أرامكو من حقن الحقول المحيطة بالأحساء لرفع منسوب الزيت، وكذلك توسع العمران والكثافة السكانية في المنطقة، وانتشار الاستراحات وبرك السباحة في المزارع والمنازل. وهذا ما أدى بالتالي إلى توقف العيون الفوارة الطبيعية. ويضيف الرمضان: وزاد من حجم المشكلة عدم معادلة مياه الأمطار للكميات المسحوبة من المخزون التكويني.

مشروع ويسة

* وفي محاولة للقضاء على نقص المياه بالمنطقة قامت مصلحة المياه بالأحساء بمد الأنابيب لمشروع خطوط نقل المياه من جبل أبو غنيمة إلى جبل الشعبة، يستغرق تنفيذ المشروع 36 شهرا بقيمة تتجاوز 23 مليون ريال وذلك بهدف إيصال المياه إلى قرى الأحساء الشمالية والشرقية ويبلغ طوله في اتجاه الشرق 20 كم. كما سيتم انشاء محطتي الضخ في جبل أبو غنيمة وجبل الشعبة والخزان الرابع بقيمة 30 مليون ريال ومشروع خطوط المياه الناقلة الرئيسية من جبل الشعبة إلى القرى الشمالية.وقامت كذلك بمشروع توصيل المياه المحلاة للأحساء الذي يغطي ثلث احتياج أهالي الأحساء بواقع 70 ألف متر مكعب يوميا ويعوض الباقي بجلب المياه من حقول ويسة (يقع على بعد 50 كيلومترا غرب الهفوف) حيث تخلط مع المياه المحلاة في خزان جبل أبو غنيمة وتوزع على المنازل عبر الشبكات والصهاريج، ولدى المصلحة عدة مشاريع على مراحل للقضاء على شح المياه خلال السنوات القادمة.

 

من يملك الحل؟

* يرى الأهالي أن فكرة الاعتماد على الوايتات ليست حلا عمليا للازمة المتفاقمة مع زيادة عدد السكان والامتداد العمراني من جميع الجهات، وعدم نجاح جميع المحاولات المطروحة لغاية الآن.. وان الحل الأفضل يكمن في توصيل المياه العذبة المحلاة أو المخلوطة الصالحة للشرب والاستخدام المنزلي عبر الشبكة الرئيسية للمصلحة التي تخدم مدينة الهفوف والمبرز، أو انشاء شبكة جديدة، وإيقاف عمليات حفر الآبار داخل وحول المنطقة.أما المهندس مهدي الرمضان فيرى أن الحل لمشكلة المياه بالأحساء يكون عبر إحياء تكوين طبقة النيوجين وإعادة التوازن بين السحب وكميات الأمطار، انشاء المزيد من محطات التحلية وتجديد ما هو قائم لرفع مستوى كفاءتها الإنتاجية لتغطية الطلب المتزايد وإيصالها إلى أهالي المنطقة للشرب والاستخدام المنزلي، وانشاء المزيد من محطات المعالجة الثلاثية في داخل الأحساء والاستفادة من مياه الصرف الصحي المعالج ثلاثياً من خارج الأحساء ابقيق، الدمام، الخبر في المجال الزراعي في الأحساء.

ويأمل محمد الصالح النجيدي «مدرس متقاعد» الإسراع في إيجاد حل جذري ناجع لمشكلة شح المياه في الأحساء وبالذات في القرى التي تشهد توسعا عمرانيا وتطورا كبيرا، وذلك عبر انشاء محطة تحلية في العقير شاطئ الأحساء أو إيصال المياه المحلاة من تحلية الخبر بكميات كبيرة تسد النقص، مضيفا بان الحل ليس صعبا أو مستحيلا خاصة اننا نعيش في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز عهد البناء والتطور.. وفي ظل طفرة مالية هائلة وميزانية خدمات كبيرة، وحتما أبناء الأحساء لهم مكانة غالية لدى قيادة الوطن.

ali_slman2@yahoo.com

 

 

للتعليق على الموضوع