1 مارس 2006

 

 

 

 

الديمقراطية بسلبياتها خير من الدكتاتورية

علي ال غراش

 

 العيش في ظل نظام ديمقراطي بوجود سلبيات حياة، والعيش مع نظام ديكتاتوري بوجود ايجابيات ظلام وهلاك.

 

منذ قرون طويلة والعالم العربي يعيش تحت رحمة أنظمة ديكتاتورية مستبدة. تتعامل مع شعوبها كقطيع من العبيد التي لا تستحق أن تشارك بالرأي في تحديد مصيرها ومصير بلادها...، كما أن هذه الأنظمة لم تسع خلال فترة حكمها بإرساء أي نوع من ثقافة الديمقراطية والتعددية في مجتمعاتها بل أنها أجهضت جميع المحاولات الإصلاحية للتغيير نحو الديمقراطية باستخدام جميع الأساليب الترهيبية والترغيبية، وتجيير الدين لخدمة مصالحها.

ولكن بعد حادثة 11 سبتمبر الشهيرة، وما أعقبها من أحداث كسقوط نظام طالبان في قندهار ونظام صدام في العراق، والعالم العربي يعيش نشوة بداية مرحلة جديدة من التغيير والإصلاح و تأسيس أنظمة دستورية ديمقراطية. نتيجة تعرض الأنظمة الحاكمة لضغوط هائلة من شعوبها وتهديدات من الغرب بضرورة الإصلاح السياسي والتعليمي والتوجه إلى ممارسة الديمقراطية.

 

إجهاض الديمقراطية

ولكن الغريب وللأسف الشديد أن هناك من يحارب التغيير والتطور، ويريد قتل نشوة الفرحة بالديمقراطية وهي في مهادها إذ سعت بعض أنظمة المنطقة وعبر مؤوسساتها وأجهزتها ورجالها بشتى الأساليب لتشويه سمعة الديمقراطية والتعديدية لدى الشارع العربي العاطفي البسيط عبر بث أفكار مغلفة بشعارات دينية وقومية ووطنية، ومن خلال التشكيك في الديمقراطية بأنها ليست من الدين، وتخالف العادات والتقاليد الموروثة، وأنها وسيلة غربية للسيطرة والهيمنة على المنطقة وشعوبها، وعبر رصد وتضخيم كل ما هو سلبي في الديمقراطية، وتارة تلجا إلى استنقاص الشعوب العربية عبر الترويج إلى أن شعوب المنطقة ليست أهلا لممارسة الديمقراطية، وتارة تستخدم أسلوب التخويف بان الديمقراطية ستؤدي إلى وصول حكومات أكثر دكتاتورية وتشدد.

كما سعت بعض حكومات المنطقة إلى ركب الموجة وأيدت الإصلاح والتعددية والديمقراطية ولكن ليس الديمقراطية التي يتعامل بها العالم وإنما ديمقراطية خاصة تفصلها حسب ما تراه مناسبا لسلطتها، وتطبقها عبر سياسة خطوة خطوة التي تتفق مع العادات والتقاليد والدين والأنظمة الموجودة كما تقول!.

 

ولم تقف الأمور إلى هذا الحد بل ذهب البعض بعيدا عبر الادعاء بان الديمقراطية تدعو للفتنة في البلاد، وتشكل خطرا على الأمة، وتساهم في زعزعة الثقافة الإسلامية والعربية بين العباد، مدعية ان الحكومات الموجودة في العالم العربي ولو كانت دكتاتورية هي الأفضل، مهددة بان الخروج على الحاكم ولو كان ظالما خروجا على الدين، مشوهة سمعة كل من ينادي ويطالب بالديمقراطية بأنه علماني ليبرالي عدو للوطن والأمة!.

 

لماذا الأنظمة العربية لا تريد تكريس حكم الشعب وسيادة الدساتير والقوانين عبر الديمقراطية الشفافة؟

 

وهل حقا الشعوب العربية لا تستحق أن تنعم بممارسة الديمقراطية مثل بقية شعوب العالم، وان الديمقراطية مطلب خارجي وليس داخلي؟

 

من الطبيعي أن لكل عملية ما جديدة لها سلبيات ومنها ممارسة العملية الديمقراطية نتيجة نقص الخبرة وضعف الثقافة لتلك العملية، ولكن لا ينبغي عدم ممارستها لأنها تحتوي على بعض السلبيات فالسلبيات ممكن تداركها من خلال قنوات المؤسسات الديمقراطية، كما ينبغي عدم التقليل من الصور الايجابية الرائعة للديمقراطية الحقيقية الشفافة من انتخاب الحكومة وسن القوانين، وأهمها القوانين التي تحمي حقوق المواطنين.

كما أن الديمقراطية مرحلة متقدمة في الحكم بين أبناء البشر بعدما عانى العالم من ويلات الأنظمة الدكتاتورية سيادة الحكم الواحد التي تحكم البلاد والعباد.

 

العراق الامل

العراق الجديد هو البلد الوحيد في المنطقة الذي خدمته الظروف ليكون مختبرا حقيقيا لتجربة الديمقراطية والتعديدية وصناديق الانتخابات في المنطقة.

قلوب وآمال شعوب المنطقة المتعطشة لممارسة الديمقراطية مرهونة بنجاح العملية الديمقراطية في العراق، متمنين للشعب العراقي التقلب على جميع الظروف القاهرة، وان تتحلى جميع تيارات الشعب العراقي بالصبر على هذه التجربة الوليدة وتدارك السلبيات سريعا فالمستقبل مشرق.

 فيما بعض أنظمة المنطقة تنظر لهذا لتجربة الديمقراطية الجديدة بعين من الشك والريبة والخوف من نجاحها وبالتالي مطالبة شعوبها بالديمقراطية والشفافية من خلال المشاركة في وضع الدساتير والتصويت عليها. ولهذا فالحكومات تعمل بجميع السبل لإجهاض هذا الوليد الديمقراطي الجديد والغريب في منطقة تحكمها أنظمة تعيش في مستنقع الاستبداد والدكتاتورية والنظام الواحد.

 

دور الإعلام

ولقد حاول الإعلام العربي خلال الفترة السابقة من تضخيم كل ما هو سلبي في الساحة العراقية وجعل من الحبة قبة كما يقال، وتسليط الضوء على كل التجاوزات والأخطاء التي تحدث في مؤسسات الحكومات المتلاحقة التي استلمت السلطة بشكل مؤقت، والتركيز على السلبيات التي وقعت خلال ممارسة العملية الانتخابية، والتقليل من نتائجها وإيجابياتها وما هو جميل فيها، في محاولة للنيل منها وتشويهها. مع أنها تعتبر من انجح العمليات في المنطقة والأفضل من حيث عدد المشاركين إذ وصلت نسبة التصويت نحو 72 % وهي من أفضل النسب في العالم.

 

ومما لاشك فيه أن هناك أخطاء فادحة قد ارتكبتها الحكومات العراقية بعد نظام صدام وكذلك في العملية الانتخابية، إلا أن وقوع بعض الأخطاء والاصطدام والاختلاف والطعون وغير ذلك في التجربة الأولى أمر طبيعي في المنافسات، في ظل عدم وجود تجربة سابقة، وضعف الوعي الانتخابي.

بالإضافة إلى أن العراقيين شعب عاش حتى النخاع في مستنقع الدكتاتورية والاستبداد والعنف وسيطرة النظام الواحد والتهميش، ولم يسمح له بممارسة حقه في التعبير عن آرائه وأفكاره في ظل رئيس يرى بأنه سيد واله من يقيم في جمهوريته.

فليس أمر بسيط بعد عقود الدكتاتورية والخوف أن يمارس العراقيون حقهم الطبيعي في عملية التصويت للانتخابات بشكل شفاف وظل تعددية، وهذا ما لم يحظ به شعوب المنطقة التي لم تمارسها لغاية اليوم.

 

 ومن الخطأ الفادح أن يصف البعض الأنظمة الدكتاتورية مثل نظام صدام بأنه أفضل من الديمقراطية بحجة الأمن والآمان!، وهذا ناتج عن ضعف وقلة وعي وإدراك بحقيقية قيمة الديمقراطية.إذ إن اصل الديمقراطية حماية حقوق الفرد والمجتمع مثل حرية التعبير والمعتقد والمساواة والعدالة.

والديمقراطية:  شكل من إشكال الحكم القائم على الحرية السياسية والدينية والفكرية والتعبير وحماية حقوق الفرد، وهي كلمة مشتقة من الكلمة اليونانية Demos التي تعني الشعب الذي يملك السلطة السيادية على المجلس التشريعي والحكومة وصناعة القرارات، وهي تختلف من بلد إلى بلد حسب الثقافة إلى أنها تتفق على مبادئ محددة في الحكم كالحرية وحكم الأغلبية المقرون بحقوق الفرد والأقليات، وتداول السلطة عبر صناديق الانتخاب.

 

 العيش في ظل نظام ديمقراطي بوجود سلبيات حياة، والعيش مع نظام ديكتاتوري بوجود ايجابيات ظلام وهلاك.

ali_slman2@yahoo.com

 

للتعليق على هذا الموضوع