17 فبراير 2005

 

دفاع متحفظ عن المعارضة السورية!!..

أكرم البنّي

  

من الطبيعي أن تتعرض المعارضة السورية لنقد صريح وجريء وإن بدا حاداً ومغالياً وأن يكشف عما تعانيه من مثالب وأمراض بعضها قديم قدم نشأتها وبعضها حديث حداثة علنيتها، لكن الغريب وغير المبرر أن توضع ومهما تكن الدوافع والاعتبارات في وجه مقارن مع النظام وتفضيله عليها!!.

  

المؤسف أن درجت مؤخراً على لسان عدد من المثقفين السوريين فكرة غير محمودة تم التعبير عنها بصيغ وأشكال مختلفة "بإن المعارضة السورية أسوأ من النظام" أو "أشد فتكاً منه" والأنكى أن يتم ركوب هذه الموجة ويتكرر طرح هذا الرأي على عماها في كثير من الحوارات استقواءاً بمواقف هؤلاء المثقفين، وبعضهم يحظى بمكانة واحترام مميزين في الأوساط الشعبية والثقافية.

  

ربما يصعب إيجاد سبب موضوعي مباشر لهذه الحملة على المعارضة السورية وإجازة هذه النوع من المقارنة بينها وبين السلطة، لكن من السهل تبين الدوافع الذاتية أو الشخصية التي تأتي غالباً كرد فعل من أحد المثقفين على بعض ضرر تعرض له، أو لأنه لم يجد في المعارضة الراهنة ما يتطابق مع الصورة التي رسمها في ذهنه، وعندما تحضر الدوافع الذاتية تغلب نزعة المبالغة في طرائق السجال والنقد ويجرى عادة دفع الأمور الى نهايتها القصوى فتضخم الظواهر الصغيرة ويسارع الى تعميمها ويغدو الطريق المفضل لدفع "الضرر" هو إيقاع ضرر مقابل والإساءة بصورة عامة الى تاريخ المعارضة السورية ومكانتها في المجتمع وحتى اعتبارها العدو رقم واحد الذي يجب أن توجه كل أنواع النيران إليه!!.

 

مثل هذا الرأي وبغض النظر عن النيات يفضي، إن شاء أصحابه أم أبوا، الى تبرئة النظام من دوره الرئيس فيما وصلنا إليه، ويضع أكثر من علامة استفهام عن دوافع هؤلاء المثقفين في وضع الجاني مكان الضحية وتجاهل ارتكابات السلطة وما اقترفته بحق المجتمع السوري طيلة عقود!!.

 

أليس من الظلم والإجحاف وضع السلطة والمعارضة في سلة واحدة أو معايرتهما بمقياس واحد وهما ماهيتان مختلفتان من حيث الموقع والوظيفة والتاريخ الملموس حتى وان عرفتا صفات مشتركة في بعض طرائق التفكير والسلوك والممارسة؟! وهل يجوز اعتبار ما قامت به السلطة قمعاً وسجناً وتنكيلاً، ضد من خالفها الرأي أقل فتكاً مما سلكه طرف معارض وقد أساء إلى الآخر بأسلوب الاتهامات الرخيص؟! ثم أين العدل والإنصاف حين يساوى "أو يُفَضَّل" بين القمع العاري والذي يدمر كل ما يعترض طريقه وتقف ورائه مصالح وامتيازات فئوية يحاول أصحابها الدفاع عنها وتنميتها دون اعتبار لأحد، وبين أسلوب خاطىء وأحياناً مؤذٍ يسم سلوك بعض المعارضين في إدارة خلافاتهم مع خصومهم، لكنه يترك الباب مفتوحاً للرد والطعن والدفاع وينأى في كثير من الأحيان عن حسابات المصالح والامتيازات بل غالباً ما يندرج في أهاب تفاوت الاجتهادات واختلاف الرؤى والمواقف السياسية ؟!.

 

الحقيقة ليس ثمة التباس يحتمل في تحديد الطرف الرئيس المسؤول عن مصير مجتمع يحكمه نظام شمولي، وإنما تقتضي الأمانة الإشارة بالبنان الى السلطة السورية كجهة وحيدة معنية أساساً بما صارت إليه أوضاعنا اليوم. فالسيطرة على السياسة واحتكار الثروات ونهب المال العام وإشاعة الفساد والانتهاك المستمر لحقوق الانسان وخنق قوى المجتمع الحية أو تدجينها كل ذلك من عمل النظام لا من أفعال المعارضة. بل هذه الأخيرة هي أيضاً ضحية من ضحايا النظام نفسه، وتالياً لا يصح تقويمها دون التطرق أولاً إلى ماهية الحكم وطبيعة المناخ الذي فرض، طيلة عقود، على الحياة السياسية. فالطابع الشمولي للسلطة، وسيطرتها على مختلف تفاصيل الحياة، ورفضها القاطع لوجود أي مستوى من الاعتراض على سياساتها تحت طائلة الاعتقال والسجن المديد، عَكَسَ نفسه بقوة على واقع ما يمكن تسميته فصائل المعارضة السورية وترك أثاراً بارزة على بنيتها وتكوينها وطابع نضالاتها وأيضاً حجم التضحيات التي قدمتها وهي تدافع عن مواقفها وحقها في الوجود وترفض محاولات الابتلاع والتدجين والاحتواء. ويكفي بعض طلائعها مفخرة أنها نجحت، رغم المعاناة المريرة وحملات القمع والإقصاء والسجون، في الحفاظ على كياناتها وحضورها المقاوم ولو كان خافتاً وضعيفاً.

 

إشهار هذه الحقيقة لا يعني أبداً أن المعارضة السورية بخير وعافية أو لا تعاني من أمراض مزمنة وخطيرة. كما لا يعفيها من بعض المسؤولية ربما لأنها لما تتحرر بعد من تصوراتها الإيديولوجية العتيقة ولا تزال تتبنى لغة شبيهة بلغة السلطة وشعاراتها. أو ربما لأنها لم تحاول كما ينبغي للحد من توغل القمع السلطوي ومحاربة الشعور العام باليأس، أو تنجح في إنشاء نموذج ديمقراطي للاستبداد يثير الأمل في النفوس.

 

فالمعارضة السورية لا تزال في غالبيتها معارضة عقائدية القلب واللسان لم تَرتَقِ الى مصاف معارضة نمطية يتبلور في أحشائها نمط الحياة الديمقراطية في مواجهة العقل الإيديولوجي السائد. فكيف وقد نمت وترعرعت في مناخ الاستبداد ما أجاز القول أن نظام احتكار السلطة والرأي أنتج مع الزمن معارضة مشابهة له من حيث الطبيعة والصورة. وليس بأمر عجيب أن تجد عدداً من المعارضين يستلهمون المنظومة المفهومية السلطوية ذاتها ويتبنون أساليبها في إدارة الصراع وفي الإقصاء والإلغاء، ناهيكم عن أن سنوات الاستبداد الطويلة والنمو المشوه في سراديب النشاط السري ترك بدوره أثاراً سلبية عميقة على صحة أحوالها وورثها حزمة من الأمراض أربكت دورها وحدت من فاعليتها، لتغدو عاجزة عن المبادرة تحكمها الحسابات الذاتية والمصالح الحزبية الضيقة، ويلجأ بعضها الى استخدام وسائل بيروقراطية أو سلطوية لنصرة أفكاره ومواقفه الخاصة تتنافى مع الروح الديمقراطية والتعددية واحترام حقوق الانسان التي يدعو إليها.

بالمقابل لعب المناخ نفسه وغياب الديمقراطية والحريات دوراً آخراً في انحسار الفكر النقدي وتراجع دور المثقف الحر. ونجحت السلطة في إلحاق هزيمة بدور المعرفة في الحياة العامة وخنق الثقافة وتطويعها لتصبح مجرد صدى أو أداة تبرير وتسويغ للواقع القائم، بما في ذلك تحويل الحقل الثقافي الى حقل عديم الفاعلية موبوء بعقلية التنافس المرضي وبمختلف الحساسيات والحزازات الشخصية. وأكمل هذه المهمة ضعف مقاومة المثقفين أو تقصيرهم في نصرة الديمقراطية أو اختزالها في وعي بعضهم إلى حدود ما يعطيه السلطان وتأويل ما هو قائم من هوامش ضيقة على أنها الديموقراطية المطلوبة.

 

فغالبية المثقفين وللأسف أحجموا لفترات طويلة ولأسباب متنوعة عن ممارسة نقد حازم ضد الاستبداد وانعدام الحريات وانتهاكات حقوق الانسان، ولم يظهروا قدراً كافياً من التضحية والشجاعة للاعتزاز بالحياة الديمقراطية وبحرية التفكير والإبداع والتمسك بمعاييرها أمام ما تعرضوا له من ضغوط سياسية واقتصادية. ومن حسن الحظ أن معظمهم يعترف بهذا الجزء من المسؤولية ويقف موقفاً نقدياً من تردده أو إحجامه عن تخصيص جهد متميز من نشاطه الإبداعي لنشر ثقافة الديمقراطية وتثبيتها في مواجهة مظاهر التسلط والقمع.

 

لقد أصبح التغيير الديمقراطي في سورية مسلمة يتفق على مشروعيتها وراهنيتها الكثيرون لكن شرط تقدمها يحتاج إلى مستوى متميز من الوعي والمسؤولية في الحقلين السياسي والثقافي. أولاً إلى معارضة قادرة على انتزاع ثقة المجتمع عبر المسارعة الى التحرر من كوابح الماضي وإنشاء وعي جديد يأخذ الديمقراطية كغاية في ذاتها لا مجرد وسيلة لتحقيق هدف أو نصر سياسي عابر. وثانياً الى دور خاص للنخبة المثقفة في تعميم الموضوعية والعقلانية النقدية وتنمية روح المنافسة الصحية التي تحترم الآخر وتنأى بطرائق السجال عن التجهيل والمبالغة والإقصاء. فربما من الصعب أن تنتصر مناخات الحرية والتعددية واحترام الرأي الآخر إذا لم تنتصر ثقافة الديمقراطية وتهزم ثقافة الاستبداد.

                       

دمشق / 16 / 2 / 2004 /

 

للتعليق على هذا الموضوع