8 يونيو 2006

 

 

 

 

 

 

أكبر غانجي لـ 'النهار': النضال السبيل الوحيد الى الديموقراطية

 

موسكو من نايلة تويني:

كأن عذاب الزنزانة ست سنوات وما تخلله من أذى جسدي ونفسي أضرّ بالسجانين ولم يضرّ به. تنظر إليه خارجاً للمرة الأولى من بلاده بعد السجن فتشعر بأنه، على رغم ضعفه وهزاله، أنهك السلطة التي قمعته أكثر مما أنهكته، وترى في عينيه، إلى الألم، إرادة صلبة واقتناعاً راسخاً بأن التنازل والتراجع والسكوت والانهيار هي مفردات لا مكان لها في قاموس حياته القاسية.

الصحافي الايراني المعارض أكبر غانجي، أحد ابناء الثورة الايرانية الذين كادت الثورة تأكلهم، حمل بالأمس "القلم الذهبي" جائزة من الاتحاد العالمي للصحف ليضيفه إلى ما يملكه من قدرة يوظفها في معركته من أجل حرية الرأي والتعبير والديموقراطية في بلاده، لا بل في العالم أجمع كما أعلن.

"لا أعرف سبيلاً آخر لمواجهة الفقر والبؤس والقمع، غير المواجهة بالكلمة والرأي الحر"، قال غانجي لـ"النهار" بعيد تسلمه الجائزة في موسكو أول من أمس.

"علينا أن نقف وننتصر للحرية، سيحصل قمع كثير وسيحدث قتل كثير كما حدث عندكم وكما حدث لجبران تويني، ولكن ليس لدينا أي خيار آخر، لا أعرف طريقة أخرى، علينا ان نكافح من أجل الديموقراطية".

وأهدى غانجي الجائزة الى " جميع المنشقين الايرانيين والمناضلين من اجل الحرية وتحديداً في هذه الفئة الى الذين ناضلوا من أجل الحرية وحقوق الانسان والذين عوقبوا على ذلك بالقتل خلال ما عرف بالجرائم المتسلسلة"، مشيراً الى عمليات قتل المفكرين والصحافيين المعارضين الايرانيين في أواخر التسعينات.

وشدد على وجوب السعي الى الوصول الى عالم يكون فيه كل انسان حراً في متابعة أهدافه وفكرته للسعادة، وتعزيز التضامن في وجه العنف والذين يروجونه. واستشهد بكلام السيد المسيح عن "محبة القريب" ليقول علينا ان نوسع مفهوم "القريب"، وألا يبقى هذا القريب "الاخ في الدين، بل أن يكون أي انسان في أي مكان في العالم فنحفظ كرامته بغض النظر عن لباسه ولونه وعرقه وايمانه، وتالياً فان أي عمل عنفي ضد أي شخص في العالم، هو عمل ضد كل واحد منا. واعتبر أن الدفاع عن حقوق كل البشر يؤسس للتضامن الذي نحتاج اليه من أجل ردع القوى العنفية ومنعها حتى من التعدي على حقوق أي مواطن في هذا العالم، حتى لو كان أكثر انسان مجهول في العالم.

وقد تسلم الصحافي الايراني الجائزة من رئيس المنتدى العالمي للمحررين جورج بروك، الذي قال ان "غانجي، على رغم كونه خارج السجن، ليس حراً بعد"، مشيراً الى أن "النقاش السياسي الحر بات في ايران اليوم أصعب مما كان يوم حكم عليه". وأضاف أن " التيار الاصلاحي يضعف وان المتشددين سيطروا على البرلمان وان الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد يطهر الاصلاحيين من الحكومة، وان النظام القضائي الايراني أقفل أكثر من 100 مطبوعة مؤيدة للديموقراطية في السنوات الخمسة الأخيرة بما فيها الصحيفة التي كان غانجي يكتب فيها. و من غير المتوقع أن تخاطر أي صحيفة بنشر كتابات غانجي اليوم". وقد ظل منظمو المؤتمر غير متأكدين من موافقة السلطات الايرانية على سفر غانجي حتى اللحظة الأخيرة قبيل مغادرته بلاده.

بعد تسلمه الجائزة والقائه كلمته، سألته أين ستكتب وكلماتك ممنوعة؟ أجاب ان كتبه ومقالاته ومحاضراته محظورة في إيران، لكنه يواصل الكتابة عبر الانترنت التي باتت تشكل منفذه الوحيد إلى العالم والى وسائل الإعلام والصحف الأجنبية التي تنشر مقالاته.

ولم يثبط السجن الانفرادي والتعذيب عزيمته منذ دخله عام 2000 على خلفية القائه محاضرة في المانيا اعتبرت خرقاً للقانون الايراني لجهة "اهانة المقامات والشخصيات الدينية وتهديد الأمن القومي وترويج أفكار معادية للنظام الاسلامي".

ويذكر أنه الف كتاباً عنوانه "زنزانة الاشباح"، اتهم فيه الرئيس الايراني السابق حجة الاسلام علي اكبر رفسنجاني وعدداً آخر من الزعماء المحافظين بالتورط في عمليات اغتيال خمسة مفكرين وكتاب ايرانيين عام 1998. ويعتقد على نطاق واسع ان الكتاب مساهمة كبيرة في هزيمة المحافظين في الانتخابات النيابية الايرانية في شباط 2000.

ماذا تعلّم من سنوات السجن؟ دروساً كثيرة، أجاب أهمها التسامح والصبر حيال الآخرين، مشدداً على انه لا يزال لديه الكثير ليتعلمه! وقال: "ان شعاري في النضال ضد القمع والعنف هو أن اسامح ولا أنسى، فالمسامحة فضيلة تتجاوز الغضب المشروع والحقد... المسامحة تعني التخلي عن الحقد والثأر، المسامحة تترك الحقد للحاقدين والرغبة في الأذى لأصحاب الشر والثأر للثأريين... لكن المسامحة لا تعني أن ننسى أي جريمة وقعت أو أي ظلم حدث، علينا أن نتذكر دائماً الظروف التي أدت الى قيام الفاشية والتوتاليتارية والانماط الأخرى من الديكتاتورية التي شكلت مصدر الظلم".

ويلفت غانجي، الذي طالما انتقد النظام الديني - السياسي الايراني، الى أن هذا النظام غير قادر على أن يكون ديموقراطياً بسبب طبيعته، فلا يمكن أن يكون لدينا قائد لا نستطيع انتقاده لانه يعتبر معصوماً، على حد قوله.

ما العائق أمام الديموقراطية في ايران والشرق الاوسط؟ اجاب ان العائق الاساسي هو الثقافة السائدة في المنطقة واساءة تفسير الدين، فالذين يملكون تفسيراً ديموقراطياً للدين الاسلامي لا يزالون أقلية في منطقتنا، ولا يسمح لهم بالتعبير عن آرائهم بحرية. ويؤدي هذا الأمر في رأيه إلى انتشار الفقر والتخلف والأنظمة الديكتاتورية.

ماذا عن ايران النووية؟ يجيب أنه اذا لم تتراجع ايران فسنتجه الى وضع بالغ الخطورة والتعقيد، ولكن لا يمكن أن يحصل في ايران مثلما حصل في افغانستان والعراق، مؤكداً انه شخصياً ضد امتلاك بلاده السلاح النووي وضد انتشار هذه الأسلحة في كل العالم.

هذا في النووي، أما في الموضوع "الثوري"، فهل تعود إيران إلى تصدير الثورة مع أحمدي نجاد؟ يرد بان هذا شعار قديم وسياسة قديمة، لكن هذا لا يعني انهم يستطيعون تحقيقه أو تطبيقه.

ولم يشأ ان يمر حديثه من غير أن يبعث عبر "النهار" برسالة الى الصحافيين اللبنانيين والعرب، فدعا الى مواجهة الظلم والقمع والنضال من أجل الحرية، اذ لا سبيل الى حرية الرأي والديموقراطية غير النضال.

وقد عاد غانجي الى بلاده حاملاً قلماً ذهبياً وتقديراً من صحافيي العالم وأحراره، وهو يدرك كل الإدراك أن هذا القلم وهذا التكريم لن يعفياه ربما من سجن جديد أو حتى من خطر على حياته، لكنّه يصر على إكمال رسالته في بلده ويؤمن بأن التغيير لا يحصل من الخارج، "علينا النضال من داخل الوطن أياً كانت الأخطار، ألم يعد جبران تويني ؟" تحدث غانجي عنه كثيراً.

 

 

للتعليق على الموضوع