2 أبريل 2006 

 

 

 

 

 

الى اين يمضي بنا هذا العالم؟

احمد الحبيشي *

 

 تميّز العقد الأخير من القرن العشرين المنصرم بتحولا ّت عاصفة ومتسارعة اسهمت في تغيير بنية العالم وإعادة صياغة العمليات الجارية في مختلف حقول العلم والفكر والسياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية، وما يترتب على ذلك من ضرورة إعادة تعريف العديد من المفاهيم المتعلقة بقيم الحق والعدالة والحرية والسلطة والثروة والمعرفة والأمن والسيادة.

 

 في سياق هذه التحولات غير المسبوقة برزت العولمة كمنظومة جديدة من الإشكاليات والتناقضات والعمليات المعقدة، لتطرح امام العقل عدداً من الأسئلة والتحديات التي تتطلب أجوبة غير مسبوقة، لا تستطيع الآيديولوجيا توفيرها، ولم يعد بمقدور صيغ التفكير المطلقة والقوالب الجاهزة معالجة معضلاتها.

 

   والثابت أن صورة العالم اضحت بالغة التعقيد.. فالعولمة تشكل اليوم منظومة عالمية من التناقضات والعمليات المركبة، حيث تتداخل الأسواق المالية ويتسع الإنتقال الفوري للمعلومات والمعرفة عبر تكنولوجيا الإتصال التي تضغط على الزمان والمكان، فيما يتكامل نظام عالمي للإنتاج والتسويق والاستهلاك بقيادة شركات عملاقة متعددة الجنسيات وعابرة الحدود والقارات، فيما يتم تسويق اجندة سياسية كونية تعيد تعريف الجغرافيا السياسية والاقتصاد السياسي إستنادا ً الى الفلسفة الليبرالية الجديدة في المسائل المتعلقة بوظائف الدولة والثقافة والأسواق.

 

   يزيد من تعقيد صورة العالم الذي يتجه بخطى متسارعة ٍ نحو ذرى العولمة، انه يعاني من بيئة طبيعية غير متوازنة تهدد قدرة كوكبنا الأرضي على توفير حياة آمنة للبشرية، فيما تواجه جغرافيا هذا الكوكب تحديات وضغوط العمليات السياسية والإقتصادية الرامية الى إعادة تنظيم الحيز والمساحة، وإلغاء الحدود والموانع التي تحول دون حرية مرور رؤوس الأموال ومنتجات الثورة الصناعية الثالثة.

 

   ولا ريب في ان العقل لا يخلو من ضغوط التحولات التي تحدث في بنية العالم وصورته تحت تأثير العولمة، إذ يبدو مهموماً بحراك الخيال العلمي الذي يسعى لاستشراف آفاق غير محسوبة لمجتمع إنساني عالمي يتجاوز الدولة والهوية.

 

   في سياق كهذا يتراجع دور ومكانة الثقافة الشمولية، ويزداد مأزق مخرجاتها المصابة بالجمود العقائدي والوهن الذهني والتفكير المعلـب، بعد ان تحولت الى لا وعي يُعادي المعرفة، ويُعيد إنتاج مشاريع وأفكار باليةٍ أفلست من أي رصيد او انجاز قابل للإستمرار.

 

    من حقنا والحال كذلك ان نتساءل عن الوجهة التي سيأخذنا اليها هذا العالم المتغير بإيقاع متسارع يفضح عجز الأفكار الجامدة والسياسات الخائبة والمشاريع البالية امام مرآة التحولات الجذرية؟

 

   ومن حق التاريخ علينا أن يسألنا: الى اين يمضي بنا هذا العالم، و متى نقوى على فهم تحولاته والاستجابة لتحدياته؟

 

   يقول ابن خلدون في مقدمته الشهيرة: ((إن احوال العالم والأمم والناس وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر، انما هو الإختلاف على الأيام والأزمنة والإنتقال من حال الى حال. وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأبصار، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول)).

 

   لا يعيب الإنسان، كما لا يعيب الأحزاب والحركات السياسية والمفكرين والمثقفين والسياسيين ممارسة الحرية القصوى في النقد الموضوعي والنقد الذاتي ومراجعة الأفكار والسياسات وتجديد طرائق التفكير والعمل، والبحث عن أجوبة جديدة على الأسئلة غير

المألوفة التي تطرحها متغيرات وتناقضات الحياة، وصولاً الى اختيار وجهة التطور.

 

   ثمة فرق كبير وجوهري بين التغير والتقلب.. فالتغير سيرورة تقدمية وحركة تتجاوز عوامل الإستلاب، وتتقدم بثبات الى آفاق جديدة.. اما التقلب فهو عبارة عن دورة حلزونية في حلقة مفرغة لا تعرف التجاوز والتقدم.

 

    لا قيمة للسياسة حين تكون عاجزة عن المبادرة والإكتشاف.. ولا دور طليعيا ً للعقل حين لا يجترح تعب البحث عن الحقيقة، ولا يدرك ضرورة إعادة اكتشاف واقع ٍ بحاجة الى المزيد من الكشف، وإعادة بناء السياسة والفكر السياسي من أجل فهم أعمق للمتغيرات التي يشهدها الوطن و التاريخ والعالم والحضارة البشرية في هذه الحقبة من مسار تطور عصرنا الراهن.

 

   ما من شك في ان التحول نحو الديمقراطية اضحى واحداً من أبرز هذه المتغيرات التي لا تخلو بالضرورة من التناقضات والإشكاليات المعقدة.. والحال ان ثمة علامات بارزة في مسار الديمقراطية الناشئة في بلادنا وهي الميل نحو مزيد من حرية التفكير وحرية التعبير وعلنية المناقشات، بيد أن الحرية والعلنية غير معصومتين على الدوام من الإنحراف نحو الفوضوية، الأمر الذي يتطلب أسلوباًً واقعياًً في التعامل مع المنابع الفكرية والإجتماعية للميول الفوضوية في المجتمع بصرف النظر عن عدم تجانسها.

 

    من الخطأ الإعتقاد بأن الجانب الأكثر جاذبية في الفوضوية هو نزعتها المتمردة على الأوضاع والوقائع السلبية، بل ان الجانب الأكثر جاذبية فيها هو ثوريتها المتسمة بالجموح الفوضوي تارة ً، ونفاد الصبر ضد كل شيء تارة ًأخرى.

 

    وهنا تبرز اهمية الديمقراطية في التعامل مع الجانب الأول بوصفه إحتياطيا ً مباشراً لآيديولوجيا القفز على الواقع، وما يترتب عليها من إنحرافات إنتهازية، ومع الجانب الثاني بوصفه خطراًً مباشراً على التطور الموضوعي للديمقراطية في طور الانتقال اليها، وتهديداً

بالعودة الى الشمولية والإستبداد.

 

بوسع التحليل النقدي للإنحرافات الإنتهازية أن يقودنا الى إستنتاج هام، وهو ان بروز تلك الإنحرافات ارتبط على الدوام بمصادرة الديمقراطية وتضييق قنواتها وتعطيل أطرها، بقدر ما ارتبط النضال ضد تلك الإنحرافات بممارسة الديمقراطية وإشاعتها في المجتمع.

 

 من نافل القول ان إرساء دعائم المناقشات الحرة والعلنية بين مختلف الأفكار والآراء، يعد من الناحية العملية نقداً مباشراً للأخطاء التي ارتكبت في الماضي أثناء هيمنة الثقافة السياسية الشمولية ونزعات التفكيرالدوغمائي التي ارتبط وجودها بغياب الديمقراطية في المجتمع العربي.

 

 يقيناً ان تنوع الآراء والأفكار والخيارات في مجرى الممارسة السياسية لا يـُضعف وحدة المجتمع العربي، بل إنه يساعد على ان تكون مهمة إعادة بناء السياسة وتطويرها غير محصورة في نخب فوقية تحتكر الممارسة السياسية بصورة مطلقة.

 

وتأسيساً على ما تقدم يمكن القول ان الخطر الحقيقي الذي يهدد وحدة المجتمع هو ذلك الذي ينبع من إفتقاد المعرفة وضياع الحقيقة وعدم القدرة على التعامل مع المتغيرات التي تحدث في الواقع الملموس والبيئة العالمية. ويتسع الخطر على هذه الوحدة حين يتم تجاهل مصاعب التطور، و الفصل بين الرغبات والواقع، والعجز عن فهم صورة العالم، وما ينجم عن ذلك من إشكاليات بفعل تحويل الأفكار والسياسات الى نصوص جامدة وتصورات نهائية.

 

في هذا السياق يدفع الفكر ثمناً باهظاً تحت وطأة الارهاب، وتصاب الحياة الفكرية والثقافية بمسوخ من الإنحرافات والتشوهات التي تبدأ في أضعف حالاتها بالتلقين النصي النقلي الذي يسلب الفكر حيويته ويصيبه بالجمود العقائدي القاتل، ثم تنتهي في أبشع صورها الى الفوضى والتراجع.

 

 ahmedalhobishi@hotmail.com

 

* كاتب يمني

 

للتعليق على هذا الموضوع