17 ديسمبر 2005

 

 

 

المصالحات الوطنية سياسة نرفضها

أحمد عبد المنعم*

 

المصالحة الوطنية تلك البدعة السياسية التي أصبحت، سلعة رائجة، في الشرق الأوسط، هي بدعة للأسف لم تنشأ في بلادنا، رغم إننا معشر الشرق أوسطيين أصحاب الكثير من البدع.

نحن أصحاب البيعة الأبدية و المواسم السنوية لتجديد البيعة، نحن أصحاب الفداء بالروح و الدم و البلد أيضا، ليبقى الحاكم جالسا القرفصاء على مقعده، ألم يهتف البعض منا ببقاء بعض الحكام بعد كل كارثة، من مصر عبد الناصر، إلى عراق صدام، إلى ليبيا القذافي. فنحن أصحاب التصفيق للحكام و الدعاء لهم بالبقاء بعد كل ركلة نأخذها على مؤخرتنا.

نحن أصحاب البدع و خاصة البدع الفصيحة، مثل الهزيمة النكراء التي أصبحت نكسة هينة، مادام الحاكم بخير و لو هلكت أمة الشرق جمعاء و سحلت كرامتها على يديه.

و لكن للأسف فقد سبقتنا الأرجنتين فإبتدعت المصالحة الوطنية، و لكن أعد القراء الكرام، قراء الشرق الكرام، أن أتقصى و أتقصى، لأثبت أن من إبتدع المصالحة الوطنية في الأرجنتين شرق أوسطي مثلنا، خاصة أن إخواننا الشرق أوسطيين هناك يشكلون الجالية الثالثة في الحجم، بعد ذوي الأصول الأسبانية و الإيطالية.

إخواني تأكدوا أنني سأبحث حتى أستطيع إثبات إن واحد منا هو مبتدعها هناك، فلا يضيع من بني الشرق فخر كهذا الفخر أبدا. نحن من بدعنا النكسة والفداء بالروح و الدم و القواد الأشاوس، لا يجب أن يفوتنا إبتداع المصالحة الوطنية، والعفو عما سلف مادام في حق الشعب و لم يمس الحاكم و أهلة الأقربين و معارفة المفضلين.

 

المصالحة الوطنية بدأت في الأرجنتين، التي قلبت ظهر المجن للعسكريين بعد هزيمتهم النكراء بفوكلاند في بدايات الثمانينات، على يد إمرأة حديدية الإرادة. للأسف فإن الشرقيين هناك لم يعلموا الشعب الأرجنتيني بأن الهزيمة تجب للحاكم كل ما سلف من ذنوب في حق الشعب، و ترفعه عاليا لمرتبة القداسة.

 

فوجد العسكريون الأرجنتيون أن عليهم التنحي، حيث لم يجدوا من يهتف لهم لا تتنحوا و نحن و أرضنا لكم فداء. و لكن التنحي لم يكن سهلا لما إقترفوه من قبل في حق الشعب الأرجنتيني، فكم من قائد عمالي أعدم بالرصاص، و كم من طالب حر التفكير ألقي في المحيط الأطلنطي حيا، ليختفي للابد فلا يبحث أحد عن مقابر جماعية، و كم من شابة مناضلة أغتصبت وهتك عرضها، لقد وجد عسكريي الأرجنتين إن ما إقترفوه في حق الشعب لا كفارة له و لا غفران، خاصة في شعب لا يعرف الهتاف للحكام مهما إقترفوا، إلى أن لمعت فكرة في ذهن فرد، أعتقد أنه شرق أوسطي ولا شك، وقد وعدتكم بالبحث، ليقول لنتصالح وعفا الله عما سلف، فكانت المصالحة الوطنية الأرجنتينية، ومن بعدها كرت مسبحة المصالحات، وإنتقلت إلى بلادنا، فالشرق أوسطي هو خير من عفا عما سلف مادام لم يمسه ما سلف. فإن مسه، فمبدأه بل آخذ بثأري وأدخل النار.

 

لنسرد معا تاريخ المصالحات الوطنية الشرق أوسطية، أو بعضا منها، أولها: المصالحة الوطنية اللبنانية وإتفاق الطائف. ففي لبنان ومنذ عام 1975، وحتى إتفاق الطائف، ارتكبت كل الأطراف مذابح بحق طرف أو أطراف أخرى. دفع معظمها افراد عاديين مثلنا جميعا على إختلاف جنسياتنا.

 

فإذا إنتقلنا للسودان، حيث دارت أطول حرب أهلية في القارة الأفريقية،مرتع الحروب الأهلية و القبلية، أرتكبت في تلك الحرب الأهلية مذابح طالت المدنيين العزل من كل الأطراف السودانية المتقاتلة، و تمت على يد كل الأطراف المتحاربة. ثم أنهك الطرفان، و قرروا أن أوان السلم قد جاء فقرروا عقد المصالحة الوطنية ليقتسم الكبار المنافع البترولية في الجنوب .وضع الشعب السوداني بين نارين، إما العفو عما سلف بحقه من جرائم إرتكبها كل من الجيش و المسلحين المتمردين، و إما إستمرار العنف.

 

و يتوقع أن يتم نفس الأمر في دار فور فيطالب البعض بالمصالحة الوطنية، و بالطبع سيقبل الضحايا ليعودوا لديارهم، بدلا من مخيمات اللاجئين بتشاد و مصر، حتى لو كان ثمن المصالحة الوطنية هي العفو عن من أجرموا بحقهم و دمروا قراهم و إغتصبوا بناتهم.

 

و بالأمس القريب من هذا العام، 2005، تقررت المصالحة الوطنية في الجزائر عبر الإستفتاء، و ليعف المتحاربون عن بعضهم البعض. و وضع الشعب السوداني بين نارين، إما العفو عما سلف بحقه من جرائم إرتكبها كل من الجيش والمسلحين المتمردين، وإما إستمرار العنف.

 

و كأن الشرق أوسطيين لم يسمعوا بمبدأ سيادة القانون، و فرض النظام و السلام بقوة الدولة. ثم محاسبة المخطئين، من كل الأطراف، وتطهير الذات ولو بالنار وذلك بفتح كل الملفات القذرة التي تحوي كل ما أرتكب بحق الشعوب والمدنيين العزل البسطاء، و لو كان مرتكبيها جنرالات في الجيش، أو متنفذين في السلطة. والأدهى أن الحكومات التي تقبل بإسلوب المصالحات الوطنية تعرف بأنها عند عقد تلك المصالحات، إنما تعترف ضمنيا بأنها هزمت في حربها على المتمردين. ولكنها تقبل تلك الإهانة حتى يفلت أتباعها الذين إرتكبوا ما إرتكبوا، مثلهم في ذلك مثل المتمردين، من رقبة القانون والعدالة.

 

المصالحة الوطنية هي نوع من إنهاء اللعبة بين الأقوياء عندما يدركون أنه لا غالب أو مغلوب بينهم، بالطبع هناك المغلوبون على أمرهم، من المدنيين، ضحايا العنف، سواء من مسهم العنف مباشرة، أو مسهم بطريق غير مباشر حين مس أحد ذويهم، الأب أو الأم أو الزوج أو الزوجة أو الأخ أو الأخت أو الإبن أو الإبنة.

 

ليكون ما قام به المجتمع الدولي حيال مرتكبي المذابح خلال حروب يوغسلافيا الأهلية و خلال مذابح راوندا بوسط أفريقيا في أواسط التسعينات، قدوة لنا.

 

لأن فكرة العفو عما سلف فكرة مرفوضة، لأن من يعفو دائما هم الأقوياء و يعفون أيضا عن أقوياء، أي العفو المتبادل للأقوياء.

 

قد يقول البعض ان بعض المصالحات تمت بموافقة الشعب بعد إستفتاءه، في إستفتاء مباشر، وردي على هؤلاء، يرتكز على ركيزتين هما:

أولا - نعرف جميعا الإستفتاءات و الإنتخابات التي تجري في أغلب بلداننا و نعرف جميعا كيف تدار، ولا حاجة للإفاضة في تلك النقطة.

 

ثانيا- هل تم تقديم بدائل للشعب في الإستفتاء؟ مثل هل وضع سؤال هل تقبل لعفو عن المتهمين بجرائم ضد الإنسانية دون محاكمة، أم ترغب في تقديمهم للعدالة؟ ثم يوضع إختيارين، أولهما أقبل العفو دون محاكمة، و ثانيهما، رغب في محاكمتهم.

 

فهكذا يكون الإستفتاء صحيحا، و ليس بوضع الشعب أمام خيار واحد، و كأنه لأمر الواقع. و كأنهم يقولون له إختار بين المصالحة الوطنية و العفو عن مرتكبي المذابح و الإغتصاب و الإنتهاكات و الإستيلاء على المال العام، وبين إستمرار الحرب الأهلية و العنف. بالطبع سيختار الشعب مغلوبا على أمره السلام المصحوب بالعفو عن من أساء أليه و قتل أهله وإغتصب نساءه.

ولينجو الأقوياء بجرائمهم، و ليجلسوا على موائد المفاوضات ليرسموا خرائط النفوذ و يقسموا الغنيمة، ويوزعون الأنصبة، ثم يخرجون على الشعب أيديهم في أيدي بعض، متغنين بالسلام و الوئام، وأما الضعفاء فليس لهم إلا عض الأنامل و العبرات التي تسري عندما يتذكرون ذويهم الذين فقدوهم، والألام التي تعتصر النساء منهن عندما يتذكرن لحظات إغتصابهن.

ويكفي الضعفاء أن الأقوياء أبقوا على حياتهم حتى تلك اللحظة.

لا للمصالحات الوطنية، التي تعد مهربا للأقوياء من جرائمهم، و نعم لسيادة القانون، و القصاص من مرتكبي الجرائم من كل الأطراف، فلا حصانة لأحد، و ليس هناك أحد أفضل أو أعلى من أحد. و الجميع سواء أمام العدالة.

gimconet21@hotmail.com

 

*رئيس تحرير جريدة الشرق الصادرة برومانيا

 

أنتهز الفرصة لأرسل لسيادتكم، رئيس تحرير شفاف الشرق، ولأسرة النهار صوت الحرية الصياح في لبنان والبيت الذي فيه نشأ جبران وسمير، ولكل صحفيي لبنان الحر و لكل أحرار لبنان بأحر التعازي لإستشهاد بطل القلم، جبران تويني ومن قبل الفقيد الشهيد سمير قصير.

 

للتعليق على هذا الموضوع