Middle East Transparent

6 يوليو 2004

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

 

 

محاكمة أبي جهل!!

دكتور أحمد راسم النفيس

 

سقط أبو جهل الأصلي قتيلا يوم بدر ولم تتح فرصة محاكمته على ما ارتكب من جرائم في حق الدين والإنسانية إلا أنه وعلى كل حال سقط في ميدان المعركة ولم يحاول الاختباء في حفرة هربا من المسلمين الأوائل.

 

يذكر المؤرخون أن القلة القليلة من القرشيين الأوائل حاولوا إثناء السيد أبي جهل عن عزمه الراسخ على خوض غمار معركة القضاء على الدين الجديد إلا أنه أصر على الذهاب لتأديب المسلمين وإقامة احتفال بانتصاره في أم المعارك القرشية في نفس الموقع الذي أصبح بعد ذلك مقبرة له ورمزا لرحيل أول الطغاة العرب إلى مزبلة التاريخ.

صحيح أن أبا جهل القرن العشرين لم يسقط في معركة مع المسلمين بل راح ضحية حربه مع (الصليبيين) أو مع من يسمونهم بالمحافظين الجدد والسبب في ذلك أنه لم يعد لدينا من يقدر على القيام بمثل هذه المهمة والتصدي لأي أبي جهل من المسلمين الجدد الذين تراجع دورهم بعد أن ذهبوا كلهم إلى مهرجان المربد للاصطفاف خلف أبي جهل الحادي والعشرين وعاد كل شيء إلى أصله وبدلا من أن يصطف المسلمون لمناصرة المظلوم في وجه الظالم إذا بهم يصطفون مع أبي جهل القرن الحادي والعشرين في مواجهة ضحاياه لا لشيء سوى أن الطاغية ولي نعمتهم هو من بني جلدتهم ومن حقه كما قال أحد القرشيين الجدد أن يؤدب شعبه ويقتل منه أي عدد شاء حفاظا على مصلحة الأمة!! تماما كما كان من حق أبي جهل الأول أن يؤدب عبيده حتى لا يخرجوا من طاعته فيطعن سمية بحربة في فرجها ويأخذ بلالا إلى الرمضاء ويدوسه بالحجارة ويطأه بالأقدام حفاظا على النظام العام وعلى مصلحة القبيلة العليا وحتى يتمكن من تأديب القبائل المجاورة وخاصة قبيلة الكويت وحتى يتمكن هو وبقية القرشيين القدامى من العيش بسلام لا يؤرق صفوهم دين ولا إسلام.

 

لا أعتقد أن ثمة وجهأ كبيراً للمقارنة بين أبي جهل الأول وآخر الجهلاء العرب فمقارنة أعداد القتلى ستكون من دون أدنى شك في صالح أول الجهلاء العرب ولكن الثابت أن القرشيين الجدد الذين يمتلكون أحدث تقنيات الغش والخداع ووسائل الاتصال هم أكثر قدرة على خداع الجماهير وتحويل الحق إلى باطل والقاتل السفاح إلى شهيد مظلوم وهم أكثر براعة في استخدام الحجج اللفظية واستدعاء الحجج القانونية الشكلية حيث أصبح بإمكانهم استئجار محامين من ولاية إلينوي الأمريكية والحديث معهم على الهواء مباشرة ليقولوا للناس أن محاكمة أبي جهل القرن الحادي والعشرين باطلة لأن الحكومة العراقية الجديدة غير منتخبة وجواز عتريس من فؤادة باطل مع أن القاعدة الأخلاقية تقول أن الجزاء من جنس العمل (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) وأن أبا جهل القرن الحادي والعشرين أعدم مئات الآلاف من البشر من دون محاكمة بل بشطحة لسان وأن من الممكن إعدامه من دون محاكمة وبضمير مستريح وان المقابر الجماعية خير شاهد على هذا الفحش إذ كيف يمكننا أن نصدق أن محكمة ما يمكنها أن تحاكم المئات من البشر الأبرياء في لحظة واحدة وتصدر عليهم حكما واحدا هو الإعدام يجري تنفيذه بصورة جماعية عبر الجرافات وأن يكون من بين هؤلاء المحكومين أطفال رضع ونساء.

ثم أين هي الحكومات العربية المنتخبة التي يحق لها محاكمة لص واحد أو حتى محاكمة معارضيها محاكمة عادلة وهل كان سفاح العراق منتخبا أيها القرشيون الجدد؟؟.

 

لماذا يعتقد العرب والمسلمون أنهم بمنأى عن قوانين القدرة الإلهية؟؟.

هذا هو السؤال المهم إذ يكرر الرأي العام المخدوع بما فيه بائع البطاطا أن ما جرى يمثل إذلالا متعمدا للعرب والمسلمين.

 

أما إنه إذلال للجميع فهذا صحيح تماما ولكن ألا نستحق نحن العرب هذا الإذلال وأن نيل الكرامة قد أصبحت من الأولويات التي ينبغي السعي لإدراكها بعد أن تبين لنا أننا حصلنا على الاستقلال من دون أن نحصل على الكرامة وأن الكرامة لا يمكن الوصول إليها من خلال إنشاء حزب وتسميته حزب الكرامة ثم السير على خطى أبي جهل ورفاقه فالكرامة الحقيقية هي نقيض أبي جهل ونهجه العنصري الفاشي.

 

يقول الله تبارك وتعالى في سورة الإسراء (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبير* فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا) الإسراء.

 

ومن المعلوم أن بني إسرائيل هم أهل كتاب قال لهم ربنا سبحانه (وأني فضلتكم على العالمين) وهو تفضيل مشروط بالعمل بما يرضي الله تبارك وتعالى من إقامة العدل ونبذ الظلم إلى آخر ما هو معلوم فلما وقعت منهم المخالفة لأوامر الله والإفساد في الأرض حق عليهم العقاب فبعث الله تبارك وتعالى عليهم (عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار) ولم يكن هؤلاء العباد يهودا ولا مسلمين ولا عربا ولا من بني جلدتهم وهكذا يكون الإذلال وإلا فلا فمن قائل أنه بختنصر ومن قائل أنه سنحاريب ولا يهمنا من يكون هؤلاء المهم أنهم وكما قال ابن كثير في تفسيره (أنهم أي بني إسرائيل لما طغوا وبغوا سلط الله عليهم عدوهم فاستباح بيضتهم وسلك خلال بيوتهم وأذلهم وقهرهم جزاء وفاقا وما ربك بظلام للعبيد فإنهم كانوا قد تمردوا وقتلوا خلقا من الأنبياء والعلماء) لا فارق بينهم وبين أبو جهل العصر صدام التكريتي.

 

ثم خاطب الله تبارك وتعالى المسلمين بعد أن قص عليهم أحسن القصص علهم يعتبرون بما صنعه أسلافهم الغابرون من بني إسرائيل وما جرى عليهم من عقاب وتنكيل وإذلال بقوله (إن أحسنتم أحسنتمْ لأنفسكم وإن أسأتم لها) لا فارق بينكم وبين الأولين لأن قانون العدالة الإلهية واحد لا يتبدل ليس فيه تفضيل لقوم على قوم ولا للعرب على اليهود أو للمسلمين على غيرهم إنه قانون السماء القائل (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد) ودعك من تلك الرطانة والطنطنة الخائبة والدفاعات الأكثر خيبة التي احترفها محامو المخدرات عن بطلان إذن التفتيش وشرعية المحاكمة فاعتبروا يا أولي الأبصار بما نزل بنا وبكم بعد أن بعث الله على أولئك المفسدين أناسا (جاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا) ولو كانوا مثلهم من الظالمين (لأن الظالم سيفي أقتص به ثم أقتص منه) كما جاء في الحديث القدسي فقد أمعنتم في الظلم والبغي والدفاع عن البغاة الظالمين ممن ملأوا العراق مقابر جماعية وأبقوا ذلك الشعب يتضور جوعا وأنفقوا ثروة هذا البلد رشاوى للخائبين المصرين على إبقاء الأمة سائرة على نفس الطريق طريق الظلم والبغي من دون مراجعة للنفس (أو لا يرون انهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون) وصدق الله العلي العظيم (وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا) الإسراء

 

نقلا عن جريدة نهضة مصر القاهرية بتاريخ 6-7-2004.

Arasem99@yahoo.com

 

مواضيع  سابقة:

الإرهابيون ليسو حمقى ولا مرضى ..