30 يونيو 2005

 

كلاّاااا 50 قصة وقصة

احمد عمر

38

ديمقراطية الفرسان

 

 

 خالف الحاكم نصيحة مستشاريه وتفرّج على التلفزيون، فارتفع ضغطه، وتعكّر مزاجه، عندما سمع أحد المعارضين الهاربين إلى الخارج يتهكم عليه، وعلى حكمه الاستبدادي،في فضائية تلفزيونية وعلى فوزه المستمر بالعرش بنسبة دائمة:مائتين بالمائة. تحداه المعارض أن يفوز بديمقراطية الفرسان، لا ديمقراطية (صندوق الدنيا)، فقال الحاكم  في نفسه: يا له من معارض حقود، جاحد.

أليست فروسية أن احكم شعبا كاملا، بيد من حديد، وأسدّ أرحام النساء بالقطران وامنعها من إنجاب فارس غيري؟

أليست فروسية أن أكون النجم الدائم الأوحد في الإذاعة والتلفزيون؟

 أليست فروسية أن استعبد الرعية واجعلها تمشي على العجين دون لخبطة؟

 أليست فروسية أن اجعل من نفسي ربا يعبد وفرعونا له يسجد؟

  وهكذا دفعته تلك الفرجة المشؤومة إلى الاستجابة لروح التحدي، فقرر إدخال ديمقراطية الفرسان في الحلبة السياسية، استجابة لروح العصر ورغبة الشعب والتغيرات في العالم. وفي حملته الانتخابية، والتي استمرت طوال مدة حكمه الماضية الطويلة والحالية! أكدّ انه سيفوز بالكرسي، واقسم على نزاهة السباق الديمقراطي الجديد.

 وفي موسم الانتخابات تقدم ثمانون فارسا، لمبارزة الحاكم في حومة الميدان، وكان القانون قد صُمِمَ لإبقاء الحاكم  للمنافسة الأخيرة، وبعد تقسيم المنافسين الثمانين،إلى ثمان مجموعات، فاز في كل مجموعة فارس واحد، فوصل إلى التصفيات ثمانية منهم، ثم تبارزوا بقانون خروج المغلوب والهدف الذهبي ، فبقي اثنان، الخاسر منهما سيخرج(1)، والرابح سيقارع الحاكم القديم، وجرت مباراة العرش، وبوّق بوق المباراة:

 فتقابل الفارسان كأنهما ظلاّن؟ والغريب(2) أن ضربات الفارس المعارض، أثارت الريبة والدهشة؟ كان يرفع يده إلى اليمين  ثم يضرب إلى اليسار، ومن الأعلى إلى الأسفل، ضربات خالية من المرونة والحيوية والبأس، ضربات آلية. بين كل ضربة وأخرى، ثمة تأخير زمني. و بعد صولات وجولات، انتصر البطل الكرار والفارس المغوار، الحاكم القديم، المستبد سابقا، الديمقراطي حاليا، نصرا ساحقا، وخرج مخضبا بدم خصمه، بعد إن لعب به لعبا، وجندله بضربة سيف دخلت في عاتقه، فخرجت من علائقه، مع كمية دم كبيرة لا تخرج إلا من حوت؟!

تباهت الدولة بديمقراطيتها أمام الدول الأخرى، واستمر الحاكم القديم في الكرسي ( بمنتهى الديمقراطية) إلى أن طعن في السن واشرف على الموت، لكنّ رغبته في الكرسي بقيت شابة لا تموت، وأعلن بصوت متهدج للرعية، انه سيدخل المنافسة القادمة، ثم دعا الآلهة أن تمده بالقوة والشكيمة للفوز بالحكم لمدة أخرى.  وأمر المعابد بالدعاء له ففعلت، وهكذا وقعت الآلهة في حرج، فهي رغم ديمقراطيتها تفضل إجابة عبادها وزهادها على صناديق الانتخابات!

وبالديمقراطية نفسها، فاز دمية بالتصفيات الاولية، وكان كل شيء معدا لإتمام اللعبة كما في السنوات السابقة لكن خطأ ما حدث، وجلّ من لا يخطئ، ففاز الدمية، في النهائي، وجندل الحاكم القديم وصرعه على رؤوس الأشهاد في الحلبة!!

فيا لعبث الأقدار!!

أيتها الآلهة هل كنت نائمة عندما جندلته الدمية(3)؟

ألا تخجلين مما يحصل؟

كيف حدثت المعجزة؟

لا ليس لأن الدمية( نعم دمية) استشاط غضبا من هذه التمثيلية؟

ولا لأن الحاكم شاخ وعجز عن غلب الدمية المطاطية؟

بل لأن المشرفين على السباق الانتخابي، اركبوا دميتهم فرسا بدلا من حصان؟ فهاج حصان الحاكم واغتلم  ونعظ ما ان رأى الفرس. وبدلا من أن يواجه الحاكم العجوز غريمه وجها لوجه، كما يليق بفارس، وجد نفسه يلحق بغريمه من الخلف وهي خيانة لا تقبلها الأعراف الفروسية والدساتير الديمقراطية، و يطعنه في الظهر، فسقط الحاكم  من هول طعنته الطائشة بدلا من الخصم المعرض ، فضحكت الجماهير ضحكا وصل هديره إلى القرن الحالي، ثم شبّ الحصان على الفرس، واعتلاها، ونتيجة للرهز والدحم والسفاد، وقع الفارس المطاطي المنتصر، ايضا، ولحق بالمهزوم، فتناثرت أشلاؤه وأقنعته الحديدية، واختلطت بأشلاء الحاكم المهزوم تحت سنابك الحيوانين الهائجين المتسافدين.

لصق ذلك المشهد الديمقراطي العاطفي بذاكرة ذلك الجيل لصوقا، فقد كان مشهدا خالدا، إذ سفحت سواقي من دماء فرسان البلاد، وأموال رعيتها، في سباق العرش، لكن، والحق يقال، أنّ ديمقراطية الفرسان الاودام، أفادت، لمرة واحدة، وحيدة، لا شريك لها، كائنين من الاحياء ، هما الحصان والفرس اللذين حظيا بلقاء عاطفي بفضل ديمقراطية الحاكم العجيبة.

فضول وزوائد ضرورية:

1-   إلى القبر.

2-   والطبيعي.

3-   لا يدري الراوي لم اختيرت دمية لمقارعة الحاكم لا كومبارس مخصي مشهود له بالولاء وبسيف خشبي،مثلا، ربما كان يخشى من غدره، فالدمى لا تغدر؟ 

4-   كسبت الخيول االبهائم اللقاءات العاطفية؟                                                 

 

 4/1/2002

 

 

 

للتعليق على هذا الموضوع