01 اكتوبر 2005

 

 

 

 

 الدين ووسائل الإعلام

دكتور أحمد محمد صالح

 

ربما لأول مرة في التاريخ، يشاهد العالم ترتيبات ومراسم وفاة بابا الفاتيكان، و كان الملفت للنظر كلمة البابا الجديد التى نشرتها الصحف، وهو يشكر وسائل الإعلام والإعلاميين على الدور الذي يقومون به، وخص بالشكر اولئك الذين تولوا تغطية  التطورات التي شهدها الفاتيكان، وسط ظروف وصفها بالصعبة أحياناً. وشدد على انه يشارك سلفه البابا يوحنا بولس الثاني في نظرته الى علاقة الكنيسة بالإعلام وضرورة مواكبتها التطور الاجتماعي بمختلف وجوهه، مذكرا بما شهده العالم والكنيسة ووسائل الاتصال الاجتماعي من تطور هائل منذ انعقاد المجمع الفاتيكاني الثاني في الستينات من القرن الماضي. و اكد انه يتفهم معاناة وسائل الإعلام وهمّها في ايصال الكلمة والحقيقة الى معظم انحاء العالم، وبارك الإعلاميين متمنيا ان يبقوا الى جانبه خلال حبريته التي سيستهلها رسمياً  اليوم.  وتزاحمت الأسئلة فى عقلى حول العلاقة بين الميديا والدين فى عصر العولمة والإنترنت، خاصة وان البابا الراحل جون بول الثاني دافع عن أجهزة الإعلام الجديدة، وتحديدا الحاسوب والإنترنت، وقال: أن الكنائس ومجموعات الإيمان التي ترفض أن تتكييف مع عصر الإتصالات الإلكترونية لن تبقى على قيد الحياة.  وشغلنى المنظور الاجتماعى لتلك العلاقة، وأستعنت بعدة دراسات قيمة منشورة فى السنوات القليلة الماضية فى المجلات العلمية مثل مجلة "الميديا والدين" Journal of Media and Religion والمجلة الفصلية Journalism & Mass Communication Quarterly Journal of the Academy of Religion،Journal of Contemporary Religion وخرجت منها بمعرفة افتتاحية حول العلاقة بين الدين ووسائل الإعلام نقدمها فى عجالة. وبداية على طول المقال لا نقصد دينا بعينة، والكلام هنا عن الدين كظاهرة اجتماعية، وليس الدين نفسه.

 

صعوبة دراسة العلاقة بين الدين ووسائل الإعلام

منذ التسعينات كانت هناك ثلاثة قضايا تشغل النقاش فى العلوم الاجتماعية، والدراسات الثقافية : أزمة الدولة القومية ما بعد الاستعمار، والعولمة وزيادة انتشار وسائل الإعلام الإليكترونية، والصعود المتزايد للحركات الدينية. وعلى نحو ملحوظ أهتم علماء فى حقول متنوعة كعلم الاجتماع، وعلم السياسة، وعلم الأنثربولوجى، والتاريخ، والدراسات الإعلامية، وحاولوا معرفة وتفسير مخططات تطور النظام العالمى الجديد، كما وضح فى كتاب "فجر عصر المعلومات " لمانويل كاستيلزManuel Castells ، وهو عالم اجتماع مشهور فى جامعة بيريكللى من اصل أسباني، اهتم فى السنوات الأخيرة بالتأثيرات الاجتماعية لثورة المعلومات. حتى منتصف التسعينات كان هناك القليل جدا من الدراسات التى تناولت علاقة الدين بوسائل الإعلام الجماهيرى، خصوصا فيما يتعلق بمجتمعات ما بعد الإستعمار. وزاد الاهتمام بدراسة تلك العلاقة مع الارتفاع العالمى للحركات الدينية مثل جماعات الإسلام السياسى، وحركة القومية الهندوسية، كمحاولة لفهم تأثيرات تلك الجماعات على المجتمع العالمى. وحاولت الدراسات التى تجيب عن سؤال : ماهو مكانة الدين فى عصر الميديا أو وسائل الإعلام الجماهيرى ؟ وردت عليها دراسات أخرى بمحاولة الإجابة عن سؤال معاكس وهو: ما هو الدين الذى أنبثق وصعد فى عصر وسائل الإعلام ؟!  وحاولت دراسات أخرى التحرك بعيدا عن الطرق التقليدية فى التفكير بالعلاقة بين الدين ووسائل الإعلام، وتساءلت حول استعمال الدين لوسائل الإعلام مثل المسجد أو الكنيسة الإليكترونية، أو عمليات التبشير والدعوة من على بعد، وحول استعمال  وسائل الإعلام للدين مثل الصحافة والفضائيات الدينية. وبينت الدراسات ان بحث هذة الظواهر مسألة ليست بسيطة، فمجرد إرسال رسالة او ذرائع فى حالة التبشير والدعوة من على بعد تبين أنها حقيقة ثقافية فارقه واكثر عمقا بما كان يعتقد، فهناك الاختلافات الثقافية بين الدعاة والمبشرين والوعاظ الذين يظهرون عبر الفضائيات مثلا، فمنهم من يعطى نماذج للدين الذى تكيف مع التليفزيون، ومنهم من يعطى نماذج للتليفزيون الذى تكييف مع الدين ؟! ولكى نفهم مثلا طريقة الصحافة فى التعامل مع الدين نحتاج لفهم الكثير من الأسئلة الثقافية مثل موقع الدين فى الخطاب العام، دور وسائل الإعلام كضامن وكافل لهذا الخطاب العام، سواء بالتدعيم او التشكيل او المجابهة. ولحل وإجابة تلك الأسئلة والقضايا أجادل بضرورة النظر بعناية أكثر حول الموقع الفعلى الذى يستقبل تلك الرسائل، ويجب ان نعرف ماذا يفعل الناس فى الواقع بالرموز والأفكار والقيم التى جاءت إليهم من خلال وسائل الإعلام الدينية والعلمانية ؟ علاوة على مجموعة أخرى من الأسئلة تتعلق بالممارسات الفعلية للاستهلاك الإعلامى، والكيفية التى تتشكل بها حياتنا، وتضع شروطها الميديا من كتب ومطبوعات دورية وهواتف وتليفزيون وإنترنت إلى الأقراص المدمجة التفاعلية للألعاب، وكيف نربط بين أجيال نشأت وتربت فى عصر الصورة، عصر سيطرة وسائل الإعلام المرئية مع المنقول الخطى او المطبوع الذى نقل من خلاله نصوص التراث الاجتماعى والثقافى والدينى؟ أسئلة كبيرة تحتاج إجابة ؟! ولاحظت  بعض الدراسات مشكلة معرفية او انفصال واضح يميز النزاع او الخصومة بين الدين ووسائل الإعلام. وأن الأديان التقليدية ستبقى دائما ظاهرة عصرية، فوسائل الإعلام مثل الصحافة وغيرها هى قريبة ومرتبطة تماما بالعلوم الاجتماعية الحديثة القائمة على فرضيات وشكوك الفسلفة الواقعية والتى لا يرحب بها فى الأديان الإبراهيمية مثل اليهودية والمسيحية والإسلام التى تنهمك وتنشغل تماما بالخوارق والقوى فوق الطبيعة. وبإستفزاز اكثر تقترح دراسة أخرى ان وسائل الإعلام تخلق وتسعى إلى إرضاء وإشباع الشهية العصرية النهبة للإعياد والمهرجانات الدينية، رغم ان تلك الشهية العصرية فى تناقض تام مع المنظور الدينى التقليدى.

 

أوجه التلاقى بين الدين ووسائل الإعلام 

 فى الحقيقة رغم الخصومة الظاهرية بين الدين ووسائل الإعلام قدمت الدراسات الكثير من الدلائل على ان الدين ووسائل الإعلام يحتلان نفس المكانة والمساحة فى الحياة المعاصرة. وهما يتلاقيان. وبالطبع لا يتلاقيان كليا! بينهما الكثير من النقاط العامة المشتركة التى لها معنى. ودعونا ننظر إلى الخطوط العامة لهذا التقارب. ولكن فى أول الأمر نلفت نظر القارىء أننا نستعمل هنا المفهوم الواسع لكلا من الدين ووسائل الإعلام. ودعونا نبدأ مع العالم الواسع لوسائل الإعلام، فكما نعرف جميعا أنها تتميز بالتنوع الشديد ، وفى نفس الوقت ملكيتها مركزة فى أفراد ومؤسسات معينة، مع زيادة مفرطة فى المصادر و الخدمات الإعلامية، وأصبحت الهيمنة اليومية للصحافة والإذاعة تشاركيه مع إعلام الكيبل والقنوات الفضائية، والفيديو المنزلى، والعاب القرص المدمج التفاعلية، و المجلات المتخصصة، والكتب، وبالطبع الإنترنت والويب. وعندما تصل هذة التشكيلة من وسائل الإعلام لمنزل الأسرة، يلعب أفراد الأسرة دور حارس البوابة لحماية الوسيلة المفضلة لديهم، و بالتالى سيتكيف السوق التجارى الإعلامى مع تلك الاتجاهات المفضلة. أن وسائل الإعلام اليوم أشبه بالأسواق، وتحديدا بالأسواق الرخيصة للبضائع المستعملة أكثر من كونها شارع رئيسى أو مخزن كبير !؟ حتى قيود وموانع الوصول لتلك الوسائل تغيرت أيضا، لدرجة أصبحت البيوت اليوم يدخلها تنوع واسع جدا ومتعدد من الرموز والخدمات الإعلامية المختلفة، ومجموعة كبيرة من تلك الرموز والخدمات لها شكل ومعنى دينى مباشر وظاهر وأحيانا مستتر. هذا عن السمات العامة لوسائل الإعلام اليوم، فماذا عن الدين؟!

 

والآن نحاول رصد الاتجاهات المميزة لظاهرة الدين فى الوقت المعاصر، وكما أظهرت الدراسات ان تلك الاتجاهات تتركز فى انتشار الحركات الأصولية الدينية فى كل الأديان، ظهور الديانات التوفيقية نتيجة الهجرة والعولمة، وهى عبارة عن الدين الأصلى الذى يحمله المهاجر معه، لوطنه الجديدة، حيث يتكيف ويتوافق مع الظروف الثقافية والاجتماعية والسياسية لوطنه الجديد، وهى ظاهرة تسمى بالأديان الجديدة أو ما اطلق عليها عالم الاجتماع البارز Wade Clark Roof مصطلح "الدين الانتقالى". وأتسم أيضا الدين المعاصر بتقلص وضعف السلطة والشرعية للمؤسسات الدينية وتعرضها للنقد  المتزايد، علاوة على ظاهرة زيادة التقييم والحكم الذاتى الفردى فى أمور الإيمان. وترى تلك الدراسات ان هذة الاتجاهات من الممارسات التى يتسم بها الدين المعاصر تدرك وتفهم الدين كسوق كبير من الرموز والقيم، بل ان الدين نفسه اصبح أكثر واكثر نوعا من السلع، ولنا ان ننظر حولنا سيول من الكتب وشرائط الكاسيت، والاسطوانات المدمجة وبرامج الكمبيوتر، والأناشيد، وبرامج الفيديو التى تسوق الدين، غير العاب الأطفال والملابس، مستلزمات الحجاب والحج والعمرة، مستلزمات الموالد والمهرجانات والاحتفالات والأعياد الدينية، والسلع المنزلية بطاقات بريدية، أيقونات، كلها محملة برموز دينية للتسويق. والنقطة الأهم ان الكيانات الدينية فى الحياة المعاصرة قد تحركت بعيدا عن الأطر والأجواء المحمية من قبل التقاليد والمؤسسات الدينية، ودخلت سوقا مفتوحة من الرموز الدينية. وهذا يعنى ببساطة ان الدين  أصبح موجودا فى المجال الإعلامى اكثر من اى وقت مضى، فالحروب فى البوسنة وأفغانستان والعراق، وانتشار الأصولية وما يصاحبها من إرهاب، وهجمات 11 سبتمبر، الفضائح الجنسية فى المؤسسات الدينية...كلها ظواهر إعلامية علاوة على أنها ظواهر دينية؟! وإذا كان الدين يمثل مجموع الخصائص الثقافية بالكامل للجمهور، ومع ظهور وسائل الإعلام كسياق ثقافى فريد، فأن ذلك يعنى ان التدين المفرط الخاص اصبح تدين مفرط عام، وتوجهات السوق وتوجهات الأفراد الباحثين عن الدين تصبح ديانة عامة من خلال وفى وسائل الإعلام. هل هذا يعنى ان الحدود بين الدين ووسائل الإعلام قد تحطمت؟! هل فى استطاعة المؤسسات الدينية إنتاج رسائل للتأثير على عالم العلمانية بدون وسائل الإعلام العلمانية؟! هل اصبح فى عصر الإعلام وثورة الاتصالات والمعلومات العلماني مقدس، والمقدس علمانى؟!  هل هذا يعنى ان الدين فى هذا العصر أصبح يتمثل بنوعا جديدا من المؤسسات مركزة فى الأسرة، والمجتمعات المحلية المتخلية فى وسائل الإعلام مثل الكيانات الدينية الإفتراضيه على الإنترنت أكثر من اعتماده على المؤسسات التلقيدية مثل الكنيسة او المسجد ؟! كمثال الصحافة الدينية فى عصور سابقة كانت عندما تغطى إعلاميا أحداث المؤسسات الدينية، كأنها غطت أحداث الدين  ويعتبر ذلك ميزة وسبقا إعلاميا لها، لكن اليوم عندما تقوم بنفس العمل فهى تلعب دورا فى الفهم الدينى، لأنها تجد نفسها الان تعمل ضمن مدى واسع جدا من المصادر والوسائل الإعلامية، وكان الدين يظهر فى وسائل الإعلام العلمانية فى بعض الأوقات المحددة وفى بعض الأماكن، اليوم فى سوق التدين، الدين يظهر فى كل الأوقات، وفى كل الأماكن. واليوم المؤسسات الدينية مطالبة ان يكون لها علاقات عامة مع أجهزة الإعلام، ومطالبة ان تكون موجودة فى وسائل الإعلام.

 

رجال الدين ووسائل الإعلام  

اهتمت أيضا الدراسات الاجتماعية باستخدام رجال الدين لوسائل الإعلام لأغراض جمع المعلومات السياسية، وتحديدا، فحص واختبار الأشكال المعينة من وسائل الإعلام العلمانية والدينية لمثل هذه الأغراض، وتقيم المدى الذى يختلف فيه رجال الدين فيما يخص أنماط استعمالهم لوسائل الإعلام المختلفة،وكيف ان هذه الأنماط المختلفة مرتبطة بالاختلافات السياسية والاجتماعية واللاهوتية بين رجال الدين ؟ وما إذا كانت هذه الأنماط المختلفة فى استخدام رجال الدين لوسائل الإعلام مرتبطة بمختلف الأغراض السياسية ؟ وتبين أن الإنترنت استحوذت على اهتمام كبير من رجال الدين. وحتى الآن تعتبر الإنترنت أكثر وسائل الإعلام  الغير منضبطة والغير منظمة، وهى جزء من البيئة الثقافية البديلة التى تسمح للحركات الدينية الجديدة بالظهور والنمو، وبالتالى ظهور نجوم جديدة من رجال الدين، حيث نشطت كل أنواع الأديان الوثنية الجديدة على الإنترنت مثل ديانات مصر الفرعونية التى اصبح لها مواقع وجماعات حوار على الإنترنت، وبعض الدراسات أكدت العلاقة الوثيقة بين تلك الأديان الوثنية والإنترنت، وأن ثمة علاقة اختيارية بينهما. ودراسات أخرى تعتبر الإنترنت متوافقة تماما مع الأديان وتحديدا الأديان التى تعرض نظرة عالمية ووحدانية، وتتسامح مع معتقدات الآخرين، ولها موقف واقعى نحو السلطة، ومصارحة وشفافية تنظيمية، وتؤكد على التجربة الفردية للإيمان. وأتضح ان معظم الدراسات التى تناولت العلاقة بين الدين والإعلام ركزت على مستويات وسائل الإعلام،وتساءلت حول الكيفية التى  تتناول بها وسائل الإعلام العلمانية الدين، أو كيف يستجيب المتدينون لمختلف أنماط وسائل الإعلام، وهذه الدراسات كشفت، ان وسائل الإعلام تؤثر مباشرة على الطريقة التى ينظر بها الناس إلى مختلف القضايا، والمشاكل، والحلول الممكنة، وكيف تشكل الإصدارات  الإعلامية وتصيغ تلك القضايا  المختلفة وحدود الممكن فيها ، لكن بالرغم من كمية التأثير الكبيرة ظاهريا للإعلام، من الواضح أنه ليس كل فرد يعتقد فى نفس النتائج، وان الناس قد تتعلم من وسائل الإعلام خاصة فيما يتعلق بالقضايا التى تعلن على الناس على أنها هامة جدا، وان تأثيرها يمتد قليلا غالبا إلى أوضاع الناس التى تتبنى مثل هذة القضايا. هذا التأثير التفاضلى يمكن تتبعه جزئيا من مصادر المعلومات المختلفة التى يستعملها الناس كثيرا لتشكيل معتقداتهم وأوضاعهم، ومن بين هذه المصادر الاتصال الشخصى بين الأشخاص، فالناس تستعلم عن السياسة من خلال المحادثات العارضة، فأنت تخبرنى ما قد سمعته وما تفكر فيه، وما قد سمعه اصدقاءك وما يفكرون، واستوعب هذه المعلومات الجديدة فى قاعدة بياناتى العقلية وافحصها وأراجع موقفى فى تلك القضية. وفى عالم الشبكات الاجتماعية الرسمية وغير الرسمية، تتشكل نظرتنا ورؤيتنا من خلال التبادل مع الأصدقاء والجيران. وهكذا الشبكات الاجتماعية مثل العائلة والأصدقاء، وجماعة المسجد او الكنيسة ومعارف العمل لا يجب ان نستخف بها كعنصر ومصدر هام للمعلومات والنفوذ والتأثير. و تعتبر عضوية جماعة المسجد أو الكنيسة أو المعبد من أكثر الشبكات الاجتماعية انتشارا، والأكثر مشاركة من قبل الأفراد، ويتجمع الكثير منهم فى مواعيد منتظمة لسماع ماذا يقول رجال الدين، وقد يتجاوبوا جدا مع رسائل رجال الدين كمستمعين وينقلونها إلى آخرين. ويدرك رجال الدين جيدا تأثيرهم الكامن على جمهورهم. وفى دراسات حديثة أقرت ان رجال الدين يستطيعون ان يبذلوا الكثير من التأثير والنفوذ السياسى، إذا هم رغبوا فى ذلك. لذلك  قد يلعب رجال الدين من خلال الشبكات الاجتماعية تحديدا دورا مفتاحا وأساسيا فى تشكيل معلومات جمهورهم السياسية، وبينت دراسات اجتماعية فى الستينات والسبعينات ان رجال الدين يكونون الجماعة السياسية المؤثرة والهامة فى المجتمع، ويمتلكون نفوذا وتأثيرا كبيرا خاصة داخل جماعاتهم الدينية. فكل أسبوع على الأقل يتجمع الألوف لسماع رجال الدين فى المساجد والكنائس والمعابد، كل ذلك يتم اختياريا لسماع ماذا يقول الشيوخ ؟ وماذا يقول القساوسة والحاخامات  من على منابرهم؟! ويحدث ان جمهور رجال الدين يلاحظون ويستمعون للرسائل المعينة المختارة بعناية عن الأشياء والموضوعات التى ينبغى أن يركزوا الانتباه إليها ويهتموا بها، ويجب ان يفعلونها، وغالبا لا يمكن تجنب هذا التلقين. ويصبح الأمر واقعيا وحقيقيا عندما يطرق رجال الدين قضايا معنونة وهامة إلى حشود مستمعيهم ومجتمعهم، ويكونوا اشد تأثيرا ونفوذا فى تشكيل رؤى حشودهم عندما يقدموا الدلائل الشرعية التوراتية المستندة على نصوص مقدسة لموقفهم من تلك القضايا، طالما تلك المواقف لا تعزل هذا الحشد عن الثقافة المهيمنة. ولو ان رجال الدين فى العديد من الحالات يكون هدفهم الوعظ والتبشير بهدف الهداية والتحويل، الا انهم بإمكانهم التأثير سياسيا على جمهورهم بتعزيز تفضيلاتهم فى النظر للقضايا السياسية. ورجال الدين لديهم العديد من الخصائص النوعية التى يمكنهم استخدامها فى التأثير السياسى. اولا هم أكثر انشغالا فى التفكير فى الأيدولوجيات أكثر من جمهورهم، وكنتيجة لذلك رجال الدين قادرون على تأطير وصياغة القضايا ضمن أنظمة فكر أوسع من اختياراتهم. ورجال الدين كزعماء روحيون على الأرجح أكثر وعيا وإدراكا للأبعاد الأخلاقية لمشاكل مجتمعهم والعالم حولهم بالمقارنة بجمهورهم. وهذه الحساسية الأخلاقية تستطيع تباعا ان تؤدى إلى نشاط سياسى دينى سواء خلال العمل المباشر او تلقينا يعطى لجمهور مستمعيهم، وهذا النشاط يسمح للرجال الدين بالتأثير على مجتمعهم وجمهورهم الذى يقدرهم ويعجب بهم.وباعتبار رجال الدين يملكون مواقع مؤثرة فعلا فى المجتمع، أراد علماء الاجتماع التحقق من القواعد التى يشتق منها رجال الدين مواقفهم السياسية واتجاهاتهم نحو القضايا المركزية التى تهم المجتمع. وأكدت دراساتهم تشكيلة من العوامل التى تؤثر على مواقفهم واتجاهاتهم منها عوامل لاهوتية خاصة بكل دين، عوامل سياقية خاصة بطبيعة ومضمون القضايا المستهدفة، عوامل شخصية مختلفة، ولوحظ على تلك الدراسات ضعف الاهتمام بدور وسائل الإعلام فى تشكيل توجهات رجال الدين السياسية. ومن المحتمل لا يختلف رجال الدين كثيرا عن المواطنين الآخرين بهذا الخصوص حيث يحصلون على معلوماتهم السياسية من مصادر متعددة وما يتضمنه ذلك من تشكيلة من أجهزة الإعلام، وعلاوة على أن من واجبات رجال الدين ان يكونوا مطلعين سياسيا بسبب مواقعهم فى المجتمع، كنتيجة لذلك من الأرجح أن يكون رجال الدين اكثر تعرضا لما تقدمه وسائل الإعلام بالمقارنة مع اتباعهم، وتباعا لذلك يختارون المعلومات المعينة التى يحملونها إلى تجمعاتهم، فهم قد يعملون كنوعا من المرشح والفلتر فى أستلام وتفسير المعلومات السياسية إلى أعضائهم، وبذلك يترجمون النظرية الكلاسيكية فى تدفق المعلومات السياسية على خطوتين، فضلا عن ذلك، أن جمهور رجال الدين يعطون مصداقية أكثر للمعلومات والقضايا التى يكون رجال الدين مصدرها، بالمقارنة بالقضايا والمعلومات التى يسمعونها او يقرأونها من وسائل الإعلام. وهكذا رجال الدين قد لا يلعبون دورا حيويا فقط فى الأجنده السياسية لجمهورهم، بأختيار قضايا معينة ووصفها بالأهمية، ولكنهم يساعدون فى تشكيل وجهة نظر ورؤية جمهورهم تجاه تلك القضايا. وتبين الدراسات ايضا ان رجال الدين يتعرضون ويستعملون أنماط مختلفة من وسائل الإعلام، وبعضهم يعتمد بشدة على أجهزة الإعلام الدينية كمصدر للمعلومات السياسية، والبعض الآخر يعتمد بشدة على أجهزة الإعلام العلمانية لمثل هذة المعلومات، او يستعملون كلتا الأجهزة الإعلامية الدينية والعلمانية كمصادر للمعلومات السياسية، بينما يقرر آخرون أنهم ينجذبون قليلا للمعلومات السياسية، سواء كان مصدرها أجهزة أعلام دينية أو علمانية، لكن بصفة عامة مالت أجهزة الإعلام العلمانية إلى ان تكون مستخدمة على نطاق واسع من قبل رجال الدين أكثر من أجهزة الإعلام الدينية للأغراض السياسية. و أرتبط تعرض رجال الدين لوسائل الإعلام باعمارهم، وحجم مجتعاتهم التى يعيشون فيها، ومستواهم اللاهوتى، وتوجهاتهم الأيديولوجية، والحزبية، وسلوكهم السياسى.

 

الدين فى عصر الإعلام

أن الدين ووسائل الإعلام يرتبطان اليوم بطرق قوية وعميقة. وإذا كان الدين يبدو اليوم كموضوع مهم بشكل حيوي، فأن وسائل الإعلام التى يتم فى سياقها الخطاب الدينى تمثل المصدر المركزى للمعلومات حول الأديان، رغم أنها غير مهيئة جيدا للعب هذا الدور. وفى عصر الإعلام والسموات المفتوحة والإنترنت لم يعد يستطيع أى دين السيطرة على قصصه او رموزه !؟ فى الماضى كانت السلطة الدينية تستطيع تقريبا ان تتحكم فى كيف؟ وأين؟ ومتى؟ تظهر الأفكار والرموز والادعاءات والأسرار الدينية على السطح. اليوم البابا نفسه والقيادات الدينية من كافة الأديان لا تستطيع السيطرة على أى انتهاك للرموز الدينية التى تمتلىء بها الإنترنت والفضائيات وبقية وسائل الإعلام، ولا يستطيع أحد ان يسيطر على الأخبار والموضوعات التى تغطيها وسائل الإعلام، ولا على الكيفية التى ستغطى بها الأخبار. فى الماضى كانت السلطة الدينية فى إمكانها حماية تراثها من نصوص ورموز مقدسة، وتفاسير وشرائع من النقد العلمانى، وكانت السلطة الدينية تستطيع ان تضع خط واضح حول الدين تحميه من التفحص العلمانى، ومنذ فترة ذاب هذا الخط من خلال عمليات العولمة، والممارسات الإعلامية الفورية البصرية، كما تعلمت السلطات الدينية فى كافة الأديان، ان الموضوع ليس فقط التحكم والسيطرة على قصصهم ورموزهم الدينية، بل لم يعد فى إمكانهم الاحتفاظ بأسرارهم الخاصة وتحديدا أسرار الإنحرافات والفساد فى المؤسسة الدينية  ! ففى عصر الأخبار العالمية على طول الـ 24 ساعة، أى شىء يحدث هنا سيكون معروفا هناك فورا وبصورته ووقته الحقيقى، والعكس صحيح. وتعتبر وسائل الإعلام بالنسبة للأصوليين التقليديين الإسلاميين والهنودوس والمسيحيين المصدر الرئيسى للمعلومات حول الأديان الأخرى ،وحول خطايا الحداثة والعلمانية، والتى يتمنون مواجهتها او يرغبون فى مواجهتها.

ومثال واضح على ذلك، النقد الإسلامى للثقافة الغربية، وخاصة نقد الأصولية الإسلامية، والتى أعطت ولو جزئيا التبرير اللازم لهجمات 11 سبتمبر، وأفكار هذا النقد تجذرت وتعمقت فى أفكار المسلمين حول الغرب، و اشتقت تلك الافكار أصلا من قيم الثقافة الغربية التى تحملها إليهم وسائل الإعلام من خلال الأفلام والمسلسلات الأمريكية والفيديوكليب والموسيقى  التى تبثها الفضائيات المتوفرة بسهولة فى كافة أنحاء الشرق الأوسط، رغم الاختلاف بين قيم تلك الثقافة فى ارض الواقع عن قيم ثقافة الغرب التى تحملها الميديا وتقدمها للعالم. وتقريبا كل الذى نعرفه حول القيم والروحانيات والمعتقدات الدينية للآخرين نعرفها اليوم من أجهزة الإعلام المختلفة بما فيها الإنترنت. وربما يكون لدينا الوقت والاهتمام للتفحص والحفر بعمق فى عقائد والممارسات الدينية للآخرين، لكن هل فى الإمكان ان نقيم وننصف معتقدات الآخرين الدينية ؟!بدون ان نتأثر بالمعلومات المتعمدة التى حملتها لنا وسائل الإعلام عن المعتقدات الدينية للآخرين ؟! الحقيقة لقد أصبحت وسائل الإعلام فى مركز التجربة الدينية لكل الأديان، وفى نفس الوقت اصبح الدين جزء جوهرى من الثقافة الإعلامية التى تجعلنا نسكتشف طرقا متنوعة للممارسات الروحية والدينية. ويجب الا ننسى فى نفس الوقت ان وسائل الإعلام هى مصدر لبعض الاعتراضات والاحتجاجات التقليدية جدا من الدين، كما حدث مع فيلم ميل جيبسون، الآم المسيح The Passion of the Christ، و الفيلم المصرى بحب السيما، وكما حدث فى الايام الأخيرة من الشهر الماضى مايو 2005 حيث وقعت ثلاثة انفجارات في اثنين منهما هزا دوري للعرض السينمائي في العاصمة الهندية نيودلهي، مما أسفر عن مقتل شخص وإصابة 50 اخرين بعضهم حالتهم خطيرة، ويذكر أن قاعتي العرض اللتين شهدتا الانفجاران كانتا تعرضان فيلما مثيرا للجدل أثار غضب السيخ الذين قالوا إنه يقلل من شأن عقيدتهم و يسيء إليها بدعوى استخدامه عبارة مقدسة لا يستعملونها إلا عند الصلاة أو في الحرب، لأن اسم الفيلم "جو بولي سو نيهال" مأخوذ من أنشودة دينية،وجزء من شعار سيخي هو "جو بولي سو نيهال سات سري أكال  " ويعني : الذي يحمل إسم الرب مبارك" وهي عبارة تتردد في الصلاوات وميادين المعارك.  والسيخ حوالى 20 مليون شخص و يمثلون 2% تقريبا من سكان الهند البالغ عددهم أكثر من مليار نسمة. وخلاصة العجالة التى نقدمها أن الجماعات والمؤسسات الدينية أدركت انه لابد من التركيز الجوهرى على وسائل الإعلام أثناء جهودهم وأنشطتهم الاجتماعية والسياسية. والسؤال ماذا يريدون من وسائل الإعلام، الدراسات تقول انهم يريدون الانتشار و الشهرة، والإعلام،  والإعلان عنهم كدعاة وموجهين للبشر، يريدون أيضا تأكيد شرعيتهم مثل بقية الأجنحة السياسية الأخرى فى المجتمع، ويريدون أيضا من وسائل الإعلام تسهيل وتفعيل عملياتهم فى الهداية والتبشير والأنشطة الاجتماعية والسياسية المتنوعة، وعلى ذلك ليس من الصعوبة فهم العلاقة المضطربة والملتبسة فى أغلب الأحيان بين المؤسسات الدينية ووسائل الإعلام، المؤسسات الدينية تريد من وسائل الإعلام ان تبث رسائل إيجابية عنها دائما، وفى نفس الوقت تريد المؤسسات الدينية ان تكون عامل مؤثر على وسائل الإعلام على طول الخط، معادلة صعبة أن تخاطر المؤسسات الدينية بدخول العالم الإعلامى وهم غير مسيطرون عليه، فالمؤسسات الدينية غالبا تريد من وسائل الإعلام ان تأتى إليها بشرط الالتزام بقواعد وشروط المؤسسة، وان تتكلم بلغة المؤسسة، وتفعل ما ترغبه المؤسسة.

 

 Saleh221@yahoo.com

 

 

للتعليق على هذا الموضوع