19 فبراير 2006

 

 

 

الحوار الوطني وامتصاص النقمة الشعبية

احمد العلي*

 

   يلاحظ المراقبون أن الحكومة السعودية عندما تضعها الأقدار في أزمة معينة تخرج ملف "الإصلاح" والتنمية الشاملة من أدراج المطالبات الممتلئة إلى شعبها وتعده بالتطبيق. حدث ذلك في حرب الخليج الثانية وكانت النتيجة إصدار الملك فهد النظام الأساسي للحكم ونظام المحافظات السعودية. لا شك في كون النظام الأساسي للحكم لا يلتقي مع الطموحات المتصاعدة والتي ترغب بتغيير شبه جدري وإصلاح حقيقي يقفز بالبلاد اقتصاديا وسياسيا إلى المستوى الذي تستحقه كدولة تمتلك اكبر احتياطي نفطي في العالم ورعايتها لأهم مدينتين إسلاميتين "مكة المكرمة والمدينة المنورة" وللمكانة التاريخية للجزيرة العربية والتي تضم الدولة السعودية أكثر من 70 بالمائة من مساحتها الإجمالية.

 

بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وبروز تنظيم القاعدة كحركة وتيار مناهض للنظام الملكي تصاعدت حدّة دعوات الإصلاح وبعثت النخبة السياسية التي تشمل معارضين سابقين في المنفى إضافة إلى معتقلين سياسيين ورجال دين بعرائض تدعوا الملك عبد الله الذي كان أنذاك ولي للعهد بتدشين مشروع إصلاحي سريع. ورغم كون الملك فهد مريضا وغير قادر على القيام بمهامه إلا أن الصحف نشرت مشروعه الإصلاحي تحت عنوان "مشروع الملك فهد الإصلاحي" الذي تجاهل تماما الإصلاح السياسي والديني والثقافي واشتمل فقط على الجانب الاقتصادي والإداري. إلا أن ابرر ما ابتكرته العائلة المالكة لمواجهة ضغوط الإصلاح في الداخل هو إنشاء "مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني" تنحصر مهمته في عقد مؤتمر يضم معظم النخب الثقافية والدينية من شرائح الشعب السعودي المختلفة، عقد أكثر من لقاء في عدة مدن سعودية.... يجتمع المدعوون في قاعة إحدى الفنادق الضخمة ويلقوا بحوثهم وأوراق عملهم بعيدا بطبيعة الحال عن كاميرات القنوات الإعلامية والحضور الشعبي المباشر حتى أن القنوات الفضائية السعودية لم يصرح لها ببثها مسجلة رغم أنها ستبث بعد مراقبة وتمحيص دقيقين.. بعد ذلك يتشرف المجتمعون بالسلام على ولي العهد (الملك الآن) ليعود كل إلى محافظته محملا بالهدايا والصور التذكارية!!!  وإذا ما كان لأي احد من هؤلاء "النخبة" أية وجهة نظر أو رأي أو فكرة فان القصور الملكية حاضرة لاستقباله في أوقات العمل الرسمية وبكل رحابة صدر!! 

 

   عندما تذهب إلى احد الإخوة ممن شاركوا في إحدى لقاءات الحوار الوطني أو من المترددين على القصور السعودية تتلمس لديه نبرة التفاؤل بقرب البدء بالإصلاح وان الدولة عازمة عليه وان ثمة إتفاقاً ما بين أقطاب العائلة المالكة على ضرورته. ولا يعلم الأخ العزيز انه والآخرين ممن يطلق عليهم بـ"النخبة" سواء كانت اجتماعية أو دينية أو ثقافية قد استقطبت للوقوع في شراك الوعود والآمال الوهمية التي درجت عليها العائلة المالكة!! نعم تكلموا بما تريدون واعقدوا ندواتكم  في أقبية بيوتكم  ومارسوا سلطتكم على مجتمعاتكم الساذجة  واكتبوا في الصحف واحضروا اللقاءات الوطنية تم تشرفوا بالسلام على الملك ثم عودوا إلى منازلكم والتزموا الصمت فنحن من نمتلك السلطة ونحن من يمتلك مفاتيح كل شي في هذه البلاد أما انتم فليس لكم إلا أن تبحّ حناجركم وتضيع كلماتكم في الفضاء الواسع!!.. إن السلطة بإفساحها المجال للنخبة بان تعبر عن أمالها وتطلعاتها داخل القصور الملكية واللقاءات العابرة بينها وبين الأمراء السعوديين وكذلك عند إجرائها مقابلات إعلامية معدة سلفا ومراقبة بدقة قبل بثها على القنوات الفضائية فإنها بذلك تضمن امتصاص طاقة الغضب المودعة وتوجهها من خلال منافذها المعدة لهذا الغرض وتضمن وقوف "النخبة" إلى جانبها من خلال العلاقات شبه الشخصية مع أمراء الأمراء وكبار مسئولي الدولة. وهكذا فان النخبة الفاعلة والمؤثرة داخل المجتمعات خاصة المجتمعات المعروفة بعدم ولائها للحكم السعودي كالشيعة "تحيد" عن أية مواجهة محتملة من الممكن أن تحدث بين النظام الحاكم والشعب نتيجة لغياب برامج الإصلاح وتراكم أثار الفوضى وانعدام حكم القانون والفساد الاقتصادي. بل إنها من الممكن أن تتحول اى وسيط فاعل بين الطرفين تسعى للمحافظة على مكتسباتها في دائرتي السلطة والشعب في آن واحد.

 

من ناحية أخرى تقوم الحكومة السعودية بمحاولات محمومة لتخفيف حدة الاحتجاجات الشعبية المتواصلة عبر القيام بسلسة من الإجراءات أهمها إطلاق يد بعض الوزراء على رأسهم وزير العمل الدكتور غازي القصيبي لحل مشكلة البطالة أو تخفيضها. وهذا هو سر عدم اعتراض قراراته وسياساته من قبل أمراء العائلة المالكة المتنفذين. وكان من جملة ما أصدره افتتاح مكاتب عمل نسائية في أهم مناطق البلاد واقتصار العمل على مراكز تجارة الملابس النسائية على عنصر العمل النسائي. وصدرت أوامر أيضا بضرورة معاملة المواطنين برفق في الأجهزة الأمنية والمعابر الحدودية، كما كان لانضمام المملكة لمنظمة التجارة وصعود أسعار النفط لمستويات قياسية الأثر البارز في تحسين بعض الخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين وصدور أوامر ملكية بمنح الموظفين الحكومين15% علاوة مالية دائمة وحث القطاع الخاص على مثل ذلك. كما تمت الموافقة على السماح بمشاركة النساء في انتخابات الغرف التجارية، وازدهرت تبعا لذلك "السوق المالية" التي استقطبت شرائح واسعة من أطياف المجتمع السعودي.

 

      على الصعيد الخارجي قامت الحكومة السعودية بحملات إعلامية واسعة تكلفت المليارات لتحسين صورتها في الغرب والولايات المتحدة ونظمت المعارض والمؤتمرات في لندن وواشنطن لاستقطاب النخب الإعلامية والسياسية. كما قامت بتنظيم انتخابات للمجالس البلدية الاستشارية وقد هدفت منها الحكومة إلى مخاطبة الخارج في المقام الأول وإبلاغه رسالة مفادها أن البلاد تسير في ركب التغيير وقد نالت إطراء عدد من الساسة الغربيين. كما فتحت باب الاستثمار الأجنبي لتستقطب شركات ضخمة مرتبطة بمراكز صنع القرار في الغرب. وأظهرت المملكة براعة في استغلال العمليات الإرهابية لتظهر للولايات المتحدة بأنها شريكا حقيقي في الحرب على الإرهاب، الأمر الذي أدّى في نهاية الأمر لضمور الضغوط الغربية المنادية بالإصلاح، وان كان ذلك ذلك لفترة مؤقتة.

 

     لم يبقَ في خانة المعارضة للنظام سوى إسلاميين متشددين منبوذين في لندن لا تلقى أفكارهم أي رواج، ولم يتبقى من جيش القاعدة النشط في السعودية سوى حفنة مطاردة غير مرغوب فيها. ولم يعد الاهتمام بالإصلاح محل اهتمام أطياف الشعب التي انشغلت بتحسين أوضاعها الاقتصادية. أما النخب الفاعلة والمؤثرة على المراكز الشعبية فقد استقطبت من قبل القصور الملكية وقنواتها الإعلامية لتفرغ شحنات غضبها وطموحاتها السياسية مع تقديم دروب الطاعة والولاء للدولة ورمزها الأوحد، "العائلة المالكة". أما البقية القليلة منها والتي تعد على أصابع اليد فقد غادرت البلاد إلى منافي أوربا لتعيش حياتها الخاصة بعيدا عن الاستبداد الرسمي والشعبي ولتسجل حضورها عند طلبها من قبل وسائل الإعلام الغربية. ولكن يبقى السؤال الملح مدرجا على جدول أعمال اللقاءات الوطنية القادمة وان لم يجروء أحدا على طرحه: "هل الملك عبد الله يمتلك مشروعا حقيقيا  للإصلاح والتغيير؟ وما هو؟ وهل يستطيع تمريره ويواجه الأقطاب الرافضة للإصلاح في عائلته،  خاصة تلك التي تمس مصالحها الحيوية  ونفوذها الذي من غير الممكن أن تتنازل عنه دون القيام بانقلاب ابيض يطيح بها ليمهد الطريق نحو الإصلاح والإصلاحيين في مملكة تحكم  بمنطق القرون الوسطى في القرن الحادي والعشرين؟؟!!

ahmadal-ali@hotmail.com

 

 

* السعودية

للتعليق على هذا الموضوع