26 مارس 2005

 

الروليت الكويتية

أحمد البغدادي

 

إنها على وزن لعبة "الروليت" الروسية الشهيرة وهي لمن لا يعرفها يمارسها مجموعة مقامرين عابثين بالحياة، حيث يقومون بوضع رصاصة واحدة في المخزن الدائري للمسدس، ويقوم أحدهم بتحريك المخزن الدائري ولا يعلم أين سيكون موضع الرصاصة، ثم يقوم المقامر بحياته بالضغط على الزناد، وهو وحظه. فإذا كانت الرصاصة في مسار الفوهة اصابته في مقتل، وإن لم تكن كذلك نجا من الموت، وممارس هذه اللعبة العبثية لا يهدف إلى كسب المال، بل للمتعة والعبث بقيمة الحياة وهي لعبة ممنوعة.

 

الحكم القضائي الصادر بحقي اخيراً يشبه هذه اللعبة المميتة، حيث لا أدري أين موقع رصاصة الجنحة القادمة التي يمكن ان تكمن في أي سطر أو كلمة لأي مقالة، ويكفي حين أكتب أن أكون قد ضغطت على الزناد وأنا لا أدري هل ستصيبني الرصاصة (القانون) في مقتل (السجن) أم لا، في كل مرة أمسك فيها القلم، وحيث انني لست من المتدربين على هذا النوع من المقامرة بالحياة، لإيماني بالدستور الذي منحني حق حرية الرأي، فإنني ولا شك سأكون الطرف الخاسر في هذه اللعبة المميتة مع القانون.

 

حين صدر هذا الحكم الشرس تذكرت مبدأ النبالة الذي ساد العصور الوسطى، وذلك حين يقوم النبيل الذي يتعرض لإهانة من أحد الأفراد بالقاء القفاز في وجهه يدعوه للمبارزة، لكن مبدأ النبالة يفرض عليه ان يدع الخصم يختار السلاح الذي يريد، ثم يتقرر أن هدف المبارزة ليس قتل الخصم الذي ربما يكون أقل مهارة، بل مجرد اصابته لإشعاره بالهزيمة فقط، كما يحتم عليه مبدأ النبالة عدم الإجهاز على الخصم بعد إصابته. وللأسف أن هذا النبل والخلق الكريم لم يكون موجوداً في الحكم القضائي الذي تعمد نصه الإجهاز بعد الاصابة، وفي مثل هذه المبارزة أنا الخاسر أيضاً لأنني لا أملك سلاحا مشابها لهذا الحكم.

 

لذلك حين لمحت نظرة الرعب في عيني من أحب في ذلك الصباح المشؤوم الذي نشر فيه خبر الحكم القضائي وعرفت تفاصيله أعلنت هزيمتي في اليوم التالي في مقالتي. فلست متهوراً كما في لعبة الروليت الروسية، كما أنني لا أملك سلاحاً سوى قلمي وقد كسره القانون فلم يبق أمامي سوى الاستسلام، ولن أخجل من إعلانه لعدم توافر القدرة، ولغياب الحرية، التي خدعني الدستور الكويتي بوجودها طيلة الثلاث والعشرين سنة الماضية حيث بدأت الكتابة عام 1981 بعد تخرجي وعودتي بشهادة الدكتوراه.

 

هذا هو الوتد الأخير بكلماته الأخيرة والوداع ليس فقط لحرية الكلمة التي انطلقت مقصلة القانون لقطع رأسها، بل وللكتابة في جريدة "السياسة" التي فتحت لي أبواب الحرية على مصراعيها، ولم نكن نعلم أننا نلج في بحر الظلمات، لذلك هذه هي الكلمات الأخيرة التي ستتوقف بعد هذا اليوم، ولن تعاود مسيرتها حتى لو صدر حكم لصالحي من محكمة التمييز، ان كان هناك مثل ذلك. فالموضوع ليس موضوع حكم قضائي هنا وحكم آخر هناك، بل مناخ مريض مليء بجراثيم وفيروسات الكراهية والاستبداد، إنه توقف نهائي للكتابة في الكويت التي آمنت يوما بها، ولم أتوقع صدور مثل هذا الحكم ضدي، لذلك أتمنى على الأخوة الكتاب الليبراليين أن يأخذوا حذرهم فلا أحد يدري من سيكون الدور عليه مستقبلاً.

 

الكتابة في ظل الخوف أمر مستحيل، والعيش أيضاً، فالكرامة فوق كل شيء، لهذه الاسباب مجتمعة أود أن يعذرني الاصدقاء الأحباء وأن تتسع صدورهم لقبول هذا العذر، ولكن سأعاود الكتابة إذا اصبحت خارج الكويت يوما وتوقفت لعبة الروليت الكويتية ،.. لذلك .. وداعاً.

 

ختاماً، خالص الشكر والتقدير للأخ أحمد الجارالله الذي تحمل معي مشكلات النشر والأخوة العاملين في "السياسة" بوضاري وبوهادي وبو الخير، وكل من ابتسم في وجهي وساندني بكلمة طيبة من القلب.

 

وبالمناسبة، ترافق نشر الحكم القضائي مع نشر تقرير ديوان المحاسبة حول الفساد في البلدية والهيئة العامة للزراعة؟! ولم يتحرك أحد! أين يافطات نواب التيار الديني؟ خايفين من الشيوخ؟!

 

ختاما: لا لوم على عادل القصار في مقالته الأخيرة فلقد كانت كلماتي تصيبه في مقتل وما كان يستطيع الرد بكلمة، لكن الآن أقول له:

خلا لك الجو فبيضي واصفري

ونقري ما شئت أن تنقري

 

ولإخواني الليبراليين قول الشاعر احمد مطر "هذه الصحراء ما عادت أمينة"!

 

(نقلاً عن موقع "كويت تنوير" الصديق)

http://www.kwtanweer.com/articles/readarticle.php?articleID=301

 

مواضيع ذات صلة:

 

بيان ضدّ مصادرة حرّيّة الرّأي والمعتقد وتضامنا مع الجامعيّ الكويتيّ أحمد البغداديّ

أما لهذا التخلّف أن ينتهي؟

 

للتعليق على هذا الموضوع

 

"FARAG G HANNA" <faragh1946@msn.com>

Date: Sat, 26 Mar 2005 10:33:46 -0700

Dear Dr. Baghdady.

No one can blame you for retreat.

Retreat is wisdom in atmosphere of hatred and barbaric and dark environment.

Leave the entire area an brighten up some where else where they appreciate you.

Go teach in Holland as did Dr, Nassr Abu Zaid.

Go to the USA like Dr Ahmad Zwail.

Go to the UK like Dr. Magdi Yaqoub

This area does not deserve you.

It can not absorb your giant words because it too small.

The Hand of God will not let you down even if the hand of man did or does.

Best wishes

Farag Hanna

USA