3 مايو 2005

 

نعم لانتخابات مؤجلة

وفق قانوني الاحزاب والتمثيل النسبي الكامل

عدنان الكاشف*

 

يحتدم النقاش الدائر حاليا في اوساط القوى السياسية المختلفة حول موعد الانتخابات التشريعية وشكل القانون الانتخابي الذي تجري وفقه هذه الانتخابات. وقد اثار اقرار التشريعي قانون الانتخابات المعدل بالقراءة الثانية (تلثين دوائر+ ثلث نسبي) انتقادات واسعة وحفيظة العديد من القوى ومؤسسات المجتمع المدني، واعتبرته مناقضا لما تم الاتفاق عليه خلال جلسات الحوار الوطني في القاهرة الشهر الماضي، (نصف دوائر+ نصف نسبي). وطالبت الرئيس ابو مازن بإستخدام صلاحياته الدستورية الكاملة وعدم مصادقته على قرار التشريعي، وأكدت على اعتماد قانون التمثيل النسبي الكامل الذي اقترحه الرئيس وصادقت عليه اللجنة المركزية لحركة فتح، ورأت ان الاتفاق الذي اعتمد قانون المناصفة جاء كصيغة توافقية.

 

وبغض النظر، وبعيدا عن الدوافع والاسباب الذي دعت الى اقتراح مثل هذا القانون، فإن إعتماده من شأنه ان يحرك وينشط دورة الحياة السياسية من جهة، ويقضي على العشائرية والحمائلية من جهة أخرى، ويكرس الديمقراطية نهجا في الحياة السياسية الفلسطينية، لتصبح التعددية السياسية وتداول السلطة امكانية واقعية وحقيقية وليست حبرا على ورق.

 

وكان كاتب هذه السطور قد اشار سابقا ابان ازمة تشكيل الحكومة الحالية الى ضرورة اعتماد قانون المناصفة كخطوة على طريق قانون التمثيل النسبي، تجنبا لوقوع مثل تلك الازمات وغيرها في المستقبل، لدى أي تغيير أواصلاح جدي حقيقي. لا بد من انتفاضة داخلية، ليس بالمعنى الحقيقي وانما المجازي، لقلب كافة المفاهيم والافكار التي تحد من العملية الديمقراطية الجارية في المجتمع الفلسطيني.

 

من الملاحظ ان الغالبية الساحقة من أعضاء المجلس التشريعي، وقبل مناقشة قانون الانتخابات، كانت تحبذ الشكل القديم للقانون، رغم ان هذه الغالبية محسوبة على حركة فتح. وللاسف الشديد ان هؤلاء الاعضاء لا يعملون لصالح حركتهم بقدر ما يعملون لمصالحهم الانانية الضيقة، ضاربين بعرض الحائط مصلحة الوطن والمجموع العام.

 

وفي هذا السياق يستحضرني نقاش جرى في منزل أحد النواب- أثناء زيارتنا له في مناسبة اجتماعية- بحضور العديد من اعضاء التشريعي، حيث تحدث صاحبنا قائلا: ان الذي يحدد موعد وشكل القانون الانتخابي هو المجلس التشريعي، حتى لو صدر مرسوم رئاسي بخصوص ذلك. واتفق النواب الحاضرون على الرأي الرافض للنسبي، بذريعة عدم صدور واقرار قانون الاحزاب. والسؤال الذي يطرح نفسه، اذا كان اعضاء التشريعي يؤمنون بالديمقراطية حقا، ويقيمون الاحتفالات السنوية على مدار شهر آذار من كل عام لمناسبة يوم الديمقراطية (7/3)، في أرجاء الوطن ويعقدون الندوات وورش العمل وينظمون المحاضرات التي تشيد بالديمقراطية، حاثين على تعميقها في الحياة الداخلية ومطالبين المؤسسات الرسمية والاهلية على اقامة فعاليات خاصة بذلك، فلماذا هذا التلكؤ في اقرار القانون الانتخابي وعدم صياغة مشروع قانون الاحزاب لمناقشته واقراره؟ وهل يدلنا احد على سبب عدم قيامهم بذلك او من وضع العراقيل في طريقهم، او من اين جاء مصدر التأخير؟!.

 

نقولها، بكل اسف شديد، ان المجلس التشريعي أصابه نوع من التكلس والجمود، لدرجة ان الامر المهم بالنسبة لاعضائه أصبح ما يتعلق بمصالحهم الشخصية. وهناك من المؤشرات والاقاويل حول اتجاه النية لاقرار قوانين واتخاذ قرارات تتعلق بإستمرارية صرف الراتب لعضو التشريعي، وما يترتب على ذلك من امتيازات لاحقة لمدى الحياة.

 

وان كنا نحن كشعب فلسطيني نسخر ونستهزئ بما يدور حولنا، من تغيير للدستور وسن قوانين لتوريث السلطة في بعض الدول العربية ، فمن المؤسف حقا ان نقوم بالمثل لتوريث الامتيازات بكل الاغراءات الموجودة.

 

حدثني احد زملائي الصحفيين بحكم تخصصه في متابعة الشؤون البرلمانية متذمرا من سلوكيات وعدم جدية النواب عندما يدور الامر حول قضية تهم الشعب، سواء من حيث طبيعة النقاش او حضور الجلسات. ولكن عندما بحث التشريعي قضية السيارات المخصصة لاعضائه، اقسم ان الغياب كاد يكون 0%، وهذا ما يجعلنا نتساءل عن أي قانون انتخابي يدور الحديث؟!

 

لقد خطى الرئيس ابو مازن خطوات جبارة وجسورة في الاصلاح الحقيقي والتغيير المطلوب، مؤمنا بالتجديد، رغم ادراكه العميق ان طريقه وعرة وشاقة وليست سهلة ومليئة بالاشواك والمطبات، وهذا رفع من رصيدة الشعبي عما كان عليه يوم الانتخابات الرئاسية، رغم عدم ملموسية هذا الاصلاح حتى الان.

 

ان ابو مازن يريد تطبيق القوانين على الجميع، ويريد من الجميع في نفس الوقت احترام القوانين المعمول بها، وعدم خرقها او تجاوزها من قبل أي مسؤول فلسطيني مهما بلغ منصبه الرسمي وطبيعة وظيفته. ويحاول جاهدا تطبيق ذلك في مختلف الاجهزة الامنية وتوحيدها في اطار هيكلية جديدة، تكون خاضعة للقرار والنظام السياسي.

 

واذا كان اقتراح ابو مازن بالدعوة الى اعتماد القانون النسبي، والذي اعتبره البعض هو لمواجهة حركة حماس التي قررت المشاركة في الانتخابات، فإن من حق الرئيس وغيره من القوى طرح ما يرونه مناسبا من قوانين وقرارات، شريطة خضوع ذلك للقوانين، المنسجمة مع روح العملية الديمقراطية.

 

انني اعتقد ان هذا القانون يمكن ان يشكل ردا مباشرا على المحاولات التي تستهدف تجزئة الارض والوطن الفلسطيني، وكأنه يجيب على خطة فك الارتباط احادية الجانب، ناهيك عن ان هذا القانون يساعد في انخراط الجماهير الشعبية في العمل السياسي، الامر الذي يعود بالنفع على مختلف القوى، كونه مصدر ومنبع قوتها.

 

واذا ما تم الاتفاق على ما ذكرنا اعلاه، فان دعوة ابو مازن لاعتماد قانون التمثيل النسبي، يتطلب مسارعة المجلس التشريعي في اقرار قانون الاحزاب بالتوازي مع اقرار مثل هذا القانون، ولو استدعى ذلك عقد لقاءات تشاورية جماعية بين مختلف القوى والمؤسسات لتحديد موعد جديد لاجراء الانتخابات التشريعية المقبلة، على الا تتجاوز شهر ايلول المقبل، وفق القانونين الجديدين. وبهذا نكون قد ارسينا بالفعل اولى لبنات الديمقراطية الحقة في الحياة السياسية الفلسطينية.

 

* صحفي وكاتب من رام الله- فلسطين

rrnd_khalili@yahoo.com

 

 

للتعليق على هذا الموضوع