5 سبتمبر 2005

مطلوب غرفة عمليات سياسية مشتركة

لمواجهة تحديات ما بعد الانسحاب من غزة

عدنان الكاشف

 

لا شك ان الانسحاب من غزة، يشكل محطة مهمة في المسيرة التحررية لكفاح الشعب الفلسطيني، واقامة دولته المستقلة العتيدة. واذا كان لاحد الحق في الاحتفاء بهذا الانجاز الوطني المهم، فهو الشعب الفلسطيني بمختلف قواه الوطنية، وبالالوف المؤلفة من الجماهير الشعبية الكادحة، التي كانت وما زالت وستظل الشعلة والحامية لهدف التحرر الوطني.

الا ان مرحلة الانسحاب من غزة وهي تدشن مرحلة جديدة في حياة الشعب الفلسطيني، وتفتح الافق واسعا لتحقيق المزيد من انجازات الكفاح الوطني لهذا الشعب، قد وضعت جميع مكوناته السياسية قيادة وسلطة وقوى أمام قضايا وتحديات، يعتمد على طرق حلها ومعالجتها مستقبل هذا الكفاح.

وغني عن القول ان التحديات التي تواجه هذا الشعب ليس فقط القضايا التي بقيت عالقة بما يتعلق بمستقبل غزة، وعدم تحويل هذا القطاع الصامد الى سجن كبير يتسع لاكثر من مليون وثلاثماية الف شخص. ولعل هذه التحديات الجديدة اضافة الى القديمة منها تتطلب سياسة واحدة موحدة، تستند الى أخذ زمام المبادرة والانطلاق بها على كافة الصعد والمستويات محليا وعربيا ودوليا واسرائيليا، تضمن في النهاية اقناع وحث جميع القوى المحبة للعدل والسلام في العالم أجمع الى تأييد الحقوق الوطنية لشعبنا بما فيها حقه في اقامة دولته المستقلة.

 

اولا- على الصعيد المحلي:

على هذا الصعيد من الحكمة بمكان عدم الانجرار وراء وسائل الاعلام المختلفة التي تحاول الاثارة عبر الحديث عن السلاح، وابراز الخلاف او التناقض بين السلطة وحماس، وكأن هذا الموضع هو الشغل الشاغل للطرفين، ما يزيد من حالة الاحتقان في الشارع الفلسطيني. وحسنا تفعل حماس والجهاد، ان هما استجابتا لمتطلبات المرحلة الحساسة والدقيقة عبر تفاهمات فلسطينية داخلية، دون ضغط او تدخل خارجي (عربي ودولي اوروبي) عليهما، واعطاء الفرصة لجماهير غزة لالتقاط انفاسها.

وبخصوص الاحتفالات، فان الاحتفالات الفئوية والضيقة لا تخدم مجموع الشعب، وعليه فحبذا لو يجري احتفال واحد موحد يظهر جميع قادة الفصائل الوطنية والاسلامية جنبا الى جنب، الرئيس الى جانب الزهار....الخ تحت راية العلم الفلسطيني، لتنتهي بعدها الاحتفالات وكافة أشكال الظهور المسلح للانطلاق نحو اعادة تنظيم الحياة المجتمعية في غزة. ولعل من المفيد التذكير ان شارون وفي سياق تسويق خطته لليمين الاسرائيلي المعارض، شن هجوما كاسحا على السلطة والمفاوضات والمقاومة على حد سواء، معلنا ان الفلسطينيين "سيندمون" على هذا الانسحاب بدل الاحتفاء به كإنجاز سواء للمقاومة او المفاوضات او حتى التنسيق مع السلطة، وربما هذا التصريح لشارون يكون حافزا آخر لوضع حد للجدل الدائر عن أسباب ودوافع هذا الانسحاب بين الفصائل الفلسطينية، حيث الجميع مستهدفا.

على صعيد آخرتستطيع السلطة وحدها لعب الدور الاساسي والكبير في وضع حد ونهائي والى الابد الى ظاهرة الفلتان الامني، حيث لا يعقل بتاتا ان يكون هناك أي حالة من هذا النوع بعد خروج الاحتلال، وعليها ان تثبت وجود سلطة واحدة.

وقضية أخرى تكتسب أهمية خاصة، تكمن في بدء فتح ملفات الفساد التي أصبحت رائحتها تزكم الانوف، ومحاسبة الرجل الاول عن اية قضية فساد، بغض النظر عن مكانته الرسمية والوظيفية، وتوفير حماية قانونية وحقيقية للقضاة الذين يبتون في مثل هذه القضايا، الامر الذي سوف يضع حدا لاي تعديات جديدةعلى اراض حكومية، ما يجعل الجميع تحت مسؤولية واحدة وقانون واحد، مع مرافقة ذلك بإجراءات اصلاحية حقيقية وتحقيق النزاهة والشفافية في عمل كافة مؤسسات السلطة.

وهناك العديد من القضايا التي يمكن الحديث عنها سواء الانتخابات او غيرها لا يتسع المقام هنا للحديث عنها.

 

ثانيا- على الصعيد العربي:

اذا كانت هناك من ضرورة لوجود تنسيق ما مع الجانب الاسرائيلي من قبل الفلسطينيين، فإن ذلك لا يعطي الحق لاية دولة عربية منفردة او بشكل جماعي الى الهرولة وتطبيع العلاقات مع الدولة العبرية، ما لم يحصل الشعب الفلسطيني على كامل حقوقه، وهذا ما يجب ان يفهمه الجانب الفلسطيني الى كافة زعماء ورؤساء هذه الدول والعمل على ضرورة رسم سياسة عربية تدعم وتساند هذه الحقوق، لان الصراع مع الاحتلال لم ينته بعد، ويمكن انفجار الوضع في اية لحظة، حسب ما يصرح به زعماء الاحتلال وما يترجمونه على الارض من توسيع الاستيطان وخاصة في مدينة القدس المحتلة.

واذا كان هناك رغبة لعقد قمة عربية استثنائية لغايات اخرى، فان الجانب الفلسطيني مطالب بفرض اجندته على هذه القمة ويمنع اقامة علاقات تطبيع من جانب الدول العربية مع اسرائيل، على حساب الحقوق الوطنية لشعبنا.

 

ثالثا على الصعيد الدولي:

كان الهدف الحقيقي من خطة فك الارتباط الشارونية، تحقيق أكبر قدر من المكاسب الشخصية لشارون ولحكومته. ولهذا تم العمل على اثارة ضجيج اعلامي هائل، بالسماح لاكثر من 3000 صحفي واعلامي للمشاركة في تغطية الحدث "الكبيير"، لنقل الصورة المباشرة والحية الى العالم أجمع، في حين كان يتم منع أي صحفي يعتزم تغطية احدى جرائم الاحتلال في غزة نفسها.

فعلى الصعيد الشخصي حقق شارون هدفا لم يكن يحلم به طيلة حياته، فهو يستطيع ان يفاخر بأنه رجل سلام حقيقي، ليس بمقدور احد ان يتهمه بغير ذلك، فالتحضيرات جارية على قدم وساق لاستقباله استقبال الابطال في نيويورك عشية الاجتماعات الدورية للجميعة العامة للامم المتحدة، بل، وربما يرشحه البعض لتسلم جائزة نوبل للسلام.

من جهة أخرى سيبذل شارون اقصى جهوده لتدشين مشاريع تطبيع مع دول عربية واسلامية خلال هذه الاجتماعات، عجز عنه من سبقوه في رئاسة الحكومة الاسرائيلية لتحقيق ذلك.

أما بالنسبة لمكاسب اسرائيل من الانسحاب، فتشير الدلائل ان هناك مداولات تجري في أروقة الامم المتحدة لقبول مشاريع قرارات تحظى بتأييد 30 دولة اوروبية، وفي مقدمتها بريطانيا لتعميم احياء ذكرى المحرقة اليهودية على المستوى العالمي، وتحديد يوما عالميا بذلك.

ولعل ما تبغيه اسرائيل من هذه القمة العالمية هو ما أوضحه السفير الاسرائيلي في الامم المتحدة دان غليرمان، في هجومه على التقرير الذي قدمه مساعد كوفي عنان للشؤون السياسية ابراهيم جمباري، حين قال:"اسرائيل قامت بدورها بشجاعة واقدام.. شعرت ان ذلك يوم خاص.. ويستحق أكثر من مجرد التقرير الروتيني واكثر من الملاحظات المبتذلة".

وسيسعى شارون في هذه الاجتماعات ايضا لالقاء الكرة في الملعب الفسطيني، وتحديد الدور المطلوب من الرئيس ابو مازن، بعد الهجوم على حركتي حماس والجهاد وتحريض السلطة لاتخاذ خطوات فعالة وحاسمة ومجدولة زمينا، شاهرا سيف جاهزية اسرائيل في ذلك تحت ذريعة مكافحة الارهاب.

ولان ابو مازن سيحضر هذه القمة، فلا بأس ان تكون ساحة جديدة لمعركة سياسية مع الاحتلال، وهنا يمكن لابي مازن كسب المعركة اذا ما خاطب العالم بسياسة الارقام والوثائق والصور التي تثبت كل يوم التوسع الاستيطاني واقامة الجدران والعوازل العنصرية الامر الذي يعيد الى الاذهان غيتوات وارسو وبوتستانات جنوب افريقيا والتي تتناقض مع قرارات الشرعية الدولية، بما فيها قرارات الجمعية ذاتها، وحتى يكسب ابو مازن هذه المعركة ومعه جميع الشعب الفلسطيني، عليه ان يجمع تصريحات كافة المسؤولين الاسرائيليين التي تؤكد على انسداد الافق السياسي لاية عملية سياسية بما فيها خارطة الطريق، كما على مختلف القوى الوطنية والاسلامية الاتفاق على موقف وخطاب سياسي موحد، ولا بأس أيضا اذا شارك بالحضور مع الرئيس بعض الشخصيات والقيادات الاسلامية.

من جهة ثانية يصرح رئيس الديبلوماسية الاسرائيلية سيلفان شالوم خلال لقائه منسق الشؤون الخارجية للاتحاد الاوروبي خافيير سولانا ان لا مفاوضات مع استمرار العنف، في اشارة الى عملية بئر السبع الاخيرة، وللرد على هذا التصريح علينا كشف النية الحقيقية للحكومة الاسرائيلية وعلى لسان شالوم نفسه حين قال في مقابلة خاصة مع جريدة الرأي العام الكويتية حين قال:"ان الانسحاب ليس جزءا من خريطة الطريق، بل هو خطوة أحادية الجانب" مستبعدا استئناف المفاوضات حول الوضع النهائي "لان الوقت غير مناسب".

 

رابعا- على الصعيد الاسرائيلي:

ليس من السهل على من قاد وشجع الاستيطان بشكل جنوني ومهووس ومعادة العرب والفلسطينيين، وحوّل المجتمع الاسرائيلي الى مجتمع يميني عنصري متطرف، ان يتخلى عما حلم به يوما ما، ولكن منذ ان اعلن شارون عن خطته التي اسماها فك الارتباط أصر على ان تكون خطته محور أي جهد او تحرك سياسي دولي، ونجح الى حد كبير في رفض وتطويع كافة المبادرات التي طرحت ومن ضمنها خارطة الطريق.

وعندما دار الجدل العنيف في مختلف أروقة المؤسسات الاسرائيلية الرسمية سواء الحكومة او الكنيست او حزب الليكود نفسه الذي يتزعمه شارون، كان رئيس الوزراء الاسرائيلي مدركا الى اين ذاهب بخطته، واستطاع- لانه معروف بالبلدوزر- ازالة كافة الحواجز والمعيقات التي وقفت في طريقه على كافة الصعد الداخلية والاقليمية والمحلية، كما نجح في كسب ود ورضاء الادارة الاميركية عبر اقناعها بضرورة وحيوية الكتل الاستيطانية لأمن وسلامة اسرائيل اليوم ومستقبلا، وتوج ذلك برسالة الضمانات من الرئيس الاميركي جورج بوش.

وهكذا يحقق شارون هدفه بانسحاب جزئي من مستوطنات الضفة، ليستولي على 58% من الاراضي، واقامة الدولة الفلسطينية المتقطعة الاوصال على 42 %، كما أعلن عن ذلك سابقا.

مقابل كل ذلك هناك أصوات وحركات سلام اسرائيلية، علينا الانتباه اليها والاخذ بيدها، ولا يجوز ان نضع الجميع في كفة واحدة، وكما نقبل اقامة نشاطات مختلفة مع هذه الحركات في مقاومة اجراءات الاحتلال، كما يحصل منذ مدة في قرية بلعين في مواجهة الجدار على سبيل المثال، فالواجب علينا يحتم تعزيز وتطوير هذه العلاقة بما يخدم قضية السلام الدائم في المنطقة.

الخلاصة:

حسنا فعل الرئيس ابو مازن عندما أشرك القوى السياسية والاسلامية في اللجنة الوطنية المكلفة بملف الانسحاب، ويمكن البناء على ذلك من خلال مشاركة جميع الفصائل.

ان الحلقة المركزية في هذه المرحلة الحساسة والدقيقة التي يجب الامساك بها هو تعزيز العامل الذاتي وتمتينه عبر اقامة غرفة عمليات سياسية مشتركة، وابداء المرونة فيما بيننا، قبل ابدائها للغير، لان حجم الضغوط التي نتعرض لها جميعا تفوق قدرة تحملنا مجتمعين، فكيف هو الحال اذا عملنا بشكل انفرادي.

ان المطلوب اليوم وقبل أي شيء آخر، هو بذل كل طاقاتنا بإستمرار من أجل المحافظة على الوحدة الوطنية وصيانة الجبهة الداخلية، وعدم التفريط بذلك مهما كبرت التباينات والاختلافات في وجهات النظر، لأن ليس لنا غير هذا الطريق.

 

adkashef@yahoo.com

 

للتعليق على هذا الموضوع