Middle East Transparent

16 نوفمبر 04

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

 

ما أشبه اليوم بالبارحة

عادل حبه

 

وانا اتابع المسلسل الدموي الذي يتعرض له عراقنا الجريح والمستباح وعند مشاهدتي لاشلاء العراقيين تتطاير بفعل همجية البعض الضال من العراقيين والغرباء، اخذتني "الصفنة" والحزن كله يعصف بكل جوارحي. وفي تلك اللحظات امتزجت فيها الكآبة ونقيضها التفاؤل، وادركت ان من يقوم بهذه الافعال الشريرة لا بد وأن يكون قد أفلس بكل المقاييس الاخلاقية والسياسية والدينية. فهذه الشراذم الغارقة في الشر لا تستهدف الا الاطفال والشيوخ وتلامذة المدارس والخيرين من الاجانب كالسيدة الجليلة مارغريت حسن والسيدات الايطاليات، وهي بذلك تسترشد بمدرسة عريقة في الافلاس الاخلاقي والتي ارساها الطاغية المنهار الذي تفنن بالتنكيل بهذا الشعب النبيل وطعنه بشرفه وتاريخه. ويقوم انصاره والسائرون على دربه الآن بكل افانين الافعال الدنيئة ليؤكدوا على كونهم لا يرتبطوا بأية صلة بالشعب العراقي الذي احتقرهم وازدراهم. ان اساليب التدمير والموت التي يتبعها هؤلاء الاشرار لهي اكبر دليل على فشلهم الشنيع. كما إن هذه الاساليب لتؤكد حقيقة واحدة لا غيرها وهي انهم قد فقدوا الامل والى الابد بفتح ابواب التجبر والتسلط على العراقيين من جديد والتي اوصدت بوجهم. انها دليل اكيد على شعورهذه الشراذم بأن الشعب قد مسحهم من ذاكرته ولن يسمح لهم بالقفز على السلطة وخطفها من جديد. هنا انتابتني لحظات من البهجة و الفخر بهذا الشعب الذي لم ينصاع لهم ولم يستكين لارهابهم ونهبهم في السابق وهو يستمر على موقفه ويظل الآن يرفد الاجهزة الامنية الوطنية بشبابه رغم الخسائر الفادحة ونزيف الدم لكي يعيدوا الامن الى ارض الفراتين والبسمة على شفاه اطفالنا. نعم انهم المهزومون بأساليبهم الدنيئة واخلاقياتهم الواطئة والى مزبلة التاريخ، اما شعب ارض السواد وعشتار الخصب وامة العراق بكل اطيافها فهي المنتصرة رغم الدماء النازفة من وضاح عبد الامير وفارس الاعسم والمئات من ابطال رجال الشرطة والحرس الوطني والمهندسين والاطباء والعمال الذين يسعون لمداواة الجرح العراقي الغائر. ان الرحم العراقي لقادر على انجاب الالاف ممن طالت اليهم يد الغدر والظلامية.

 

انها ليست المرة الاولى التي يتعرض لها هذا الشعب لمثل هذه المحنة، ولكنه بقي شامخاً ولم يتزحزح رغم تلك السحب السوداء التي عصفت به. ولعل ما تعرض له هذا الشعب خاصة منذ انقلاب 8 شباط الاسود عام 1963 وحتى 9 نيسان عام 2003 وما يتعرض له حتى الآن بعد ان انهار نظام الشعوذة والتدمير والقتل كانت من المحن الاكثر ايلاماً والاكثر تدميراً من النواحي الاجتماعية والثقافية والنفسية والاقتصادية. ان هذه الشراذم تكرر الآن نفس الاساليب التي مارستها بعد ثورة تموز عام 1958. في وقتها لم تكن على الارض العراقية لا قوات امريكية ولا انجليزية ولا اوكراينية ولا جورجية ولا تايلاندية لكي يتعكزوا عليها في البطش بالشعب، بل انها الفترة الوحيدة التي كان فيها العراق محرراً من التأثيرات الاجنبية ويتحكم بالقرار المستقل. ان مشكلة هذه الزمر تتحدد في رعبهم من اقامة دولة تكرس قيم المساواة وتوفير الفرص المتساوية لكل المواطنين والديمقراطية للعراقيين بغض النظر عن عرقهم وطائفتهم ومنطقتهم وعشيرتهم. ولهذا وبعد ثورة تموز عام 1958 جن جنون هذه الزمر وفقدت اعصابها لانها اعتادت على احتكار السلطة والهيمنة على المؤسسات الامنية والعسكرية والتمتع بالامتيازات بلا حسيب ولا رقيب دون ان يكون لها القدر المناسب من المهارات والقدرات والثقافة. وهكذا تجبروا على الشعب العراقي وبطشوا به ونهبوا موارد الدولة العراقية دون حسيب او رقيب ولا عناء. لقد تصاعد جنونهم عندما شرعت حكومة ثورة تموز عام 1958 قانوناً ينصف الى حد ما الفلاحين المعدمين واقرار مشاركة الكرد في الوطن العراقي وضمان حقوق المرأة الام ونصف المجتمع وسن قانون رقم 80 القاضي بتحديد سيطرة الشركات النفطية الاجنبية على الاراضي العراقية وتأسيس شركة النفط الوطنية وو...، وبدأت ماكنة الافتراء الرخيص لتمهيد الارضية للتآمر وتبرير حملات القتل والتدمير وصولاً الى 8 شباط العار. لقد سمع جيلنا في ذاك الوقت بإكذوبة حرق القرآن ورمي القضاة في النهر والتنكر للدين وبعبع الشيوعية والشعوبية وشعار "لا شيوعية ولا شركاوية ولا شيعية" البغيض الذي هدد النسيج العراقي، هذا الى اكاذيب التنكر للمعتقدات الدينية والناموس في العراق وودعاوى استباحة القيم والاخلاق وو وغيرها من الاكاذيب والافتراءات، التي انطلت وما زالت للاسف حتى يومنا هذا تنطلي على بعض الخيرين، بهدف تمرير مخطط اجرامي للتنكيل بالشعب العراقي. وجرى التركيز في الهجوم في تلك الفترة بشكل خاص على تلك القوى والاجهزة العراقية الوطنية التي كانت تقف بالمرصاد للنشاط المعادي للشعب وشلته ومنها المقاومةالشعبية ومحكمة الشعب على سبيل الحصر. وكان لهم في ماكنة الاعلام في الجمهورية العربية المتحدة ودول عربية أخرى وايران ودول حلف السنتو خير عون لتمرير هذا المخطط المرعب. فصدحت ابواق التحريض وصرخات احمد سعيد من راديو صوت العرب بحيث وصل الامر بهذا المهرج الى الدفاع عن "باغية" معروفة مثل "حسنة ملص" ومعتوه معروف في شارع الرشيد وهو "عباس بيزة" بإعتبارهما من المناضلين الاشداء ضد الشيوعية و"قاسم العراق" ومن اجل الوحدة العربية. وظل هذا الزعيق يتردد لفترة طويلة وسط ضحك وسخرية العراقيين على هذا الاعلام المبتذل. ولم يتم الاكتفاء بذلك بل نصبوا اجهزة البث الاذاعي على طول الحدود العراقية السورية وحشدوا المهربين لكل يتلقفوا المجرمين الهاربين من العراق او العرب المتسللين وامرار شحنات السلاح الى العراق تماماً كما هو حاصل اليوم في اطراف حصيبة واليعربية. وعرقلت هذه القوى اية مساعي لوضع لبنات الديمقراطية في البلاد وهكذا تصاعدت في ذلك الوقت نغمة مقاطعة الانتخابات او حرمان الشعب من الديمقراطية، ودشنوا ذلك بمقاطعة اول انتخابات طلابية ديمقراطية بعيد الثورة. ثم شرعت هذه القوى بممارسة اعمال العنف من قتل للعراقيين وحرق للممتلكات ووضع اشارات مميزة على بيوت العراقيين بهدف رمي المواد المتفجرة على رؤوسهم. وبدأوا بحملة لتهجير مواطنين من بعض المدن والبلدات او من بعض مناطق العاصمة وراحوا يمنعون وصول اية مطبوعات الا تلك التي تتناغم مع افكارهم السوداء. ولما لم يجدوا من يردعهم، وبعد ان رفع شعار "عفا الله عما سلف" واعادة من تآمر على الشعب خاصة الى القوات المسلحة في السنة الثانية من عمر الثورة، فانهم تجرأوا على محاولة اغتيال الشهيد عبد الكريم قاسم. وعلى هذا المنوال فقد العراقيون شخصيات بارزة مثل المحامي البارز كامل قزانجي والمربي الفاضل ممدوح الآلوسي والمئات من العراقيين في بغداد والموصل والرمادي وغيرها حتى قبل مجزرة شباط المشئوم عام 1963.

 

وما كان لهؤلاء ان يسيروا في غيهم دون تخطيط ودعم خارجيين، وبذلك وضعوا العراق من جديد على سكة التدخلات الاقليمية والدولية حيث وجد من يشتري سلعهم ويدعمهم ضمن اجواء الحرب الباردة التي سادت العالم آنذاك. وهكذا فقد العراق سيادته، هذه السيادة التي تمرغت لاحقاً تحت الاقدام ببركة "المرتد" عن الارادة الامريكية صدام حسين بفعل حربه ضد ايران وغزوه للكويت وبطشه بالشعب العراقي. ان اسلاف اعداء العراقيين شرعوا بتقديم "سلعتهم" الى كل "تجار" تدمير العراق آنذاك من العربية المتحدة الى الولايات المتحدة وبريطانيا وايران والكويت والاردن، وهو لملموم متناقض وعجيب غريب لا يجمعه الا جامع واحد هو "إعادة الحصان الجامح" الى اسطبله كما كانوا يدعون.

 

بالطبع استطاع هؤلاء الاشرار الاجهاز على "تموز" حلم العراقيين في انقلاب شباط الاسود نتيجة نبل الشهيد عبد الكريم قاسم وتراخيه أزاء هذا النشاط المدمر. كما ان قوى من المحسوبة على القوى الحريصة على حلم العرقيين وتحقيقه هي الاخرى وقعت في الفخ وتركت زمام المبادرة بيد هذه العصابات بدعوى عدم الانجرار لاستفزازاتها، في حين راحت اطراف أخرى وطنية تمد الجسور مع هذه الزمر او الانخراط في مخططاتها لدوافع ضيقة او لضغوط خارجية مما اتاح للمخطط التدميري للعراق ان يتحقق.

 

ان مشهد محاولة تدمير وادي الرافدين يتكرر اليوم مع تغير في الظروف واطراف الصراع وتوازن القوى، ولكن يبقى دور تلك الزمر القومية والدينية المتطرفة والطائفية والعنصرية، التي تتلبس الآن بلباس تطرف دين جديد هو دين القتل والعنف. ان هدفها يبقى هو هو دون تغيير، حيث تسعى هذه القوى الى خطف السلطة وتحويل العراقيين الى عبيد لها ووقود لمغامراتها بنفس اساليبها السابقة دون تغيير، مع تطور ملحوظ في مستوى اشكال التدمير والقتل والعبث بالبلاد. انها تسير على نفس درب اسلافها في السيطرة على بعض المناطق وعلى بعض المدن والبلدات العراقية وتحويل اهاليها الى رهينة وقتل وترحيل اجباري لكل من يقف بوجهها. وتعتمد هذه الزمر نفس الاساليب بتزييف الوقائع والاحداث ونشر الاكاذيب والافتراءات تحت غطاء ديني كاذب ودعاوى مزيفة لمواجهة الاحتلال او اكذوبة تسلل الاسرائيليين الى العراق وهم الذين سلموا البلاد منذ عقود للمحتلين الحاليين وكشفوا اجواء البلاد للقوات الجوية الاسرائيلية.

ان اموال الشعب العراقي التي نهبها النظام والتي هربت الى الخارج لا تسعف انصاره الآن بالعودة الى الحكم مرة ثانية. كما ان كل التدابير التي اتخذها الحكم للحفاظ على كرسي الحكم لم تسعفه وانهارت خلال لحظات، وسف لن تسعف انصاره تلك "الغيتوات" التي شيدها حول بغداد شمالها وجنوبها شرقها وغربها واسكنها انصاره بعد سطوهم على اخصب الاراضي وليطرد اهلها ويسكن زبانيته فيها تحسباً لمرحلة ما بعد اسقاطه. ان "امارات" المتطرفين في اللطيفية وابوغريب والخالدية والفلوجة والدور، حيث تحول اهاليها البسطاء الى دروع بشرية للعابثين باسم الدين والقومية والتي شيدها النظام المنهار لاستعادة سطوته في حالة سقوطه، هي قلاع هشة لا تصمد امام ارادة الخيرين من العراقيين بكل اطيافهم لبناء عراق ديمقراطي تسوده ارادة القانون وتديره المؤسسات المنتخبة وليس ارادة البنادق والسيوف وعصابات قطع الاعناق مهما غلت التضحيات. اما تلك الاموال الطائلة التي صرفها صدام حسين على ابواق الدعاية في البلدان العربية فقد انكشفت امام الرأي العام العربي وتكشفت ايضاً تلك الخدع التي اطلقت حول ما يسمى بالمقاومة في العراق بحيث ان اعلامياً في جريدة الحياة مثل الاستاذ جهاد الخازن وهو الذي كتب الكثير عن هذه "المقاومة" المزعومة وادان الغزو الامريكي للعراق اضطر اخيراً الى القول بأنه مع الامريكان في حربهم ضد الارهاب في العراق.

ان الوضع الآن رغم تشابه ممارسات هذه العصابات الا انه لم يعد يشابه ما كان عليه الوضع في اعتاب انقلابهم الاسود في شباط عام 1963 خاصة في مجال موازين القوى.

 

ان القوى الدولية والاقليمية التي ساندت هذه الزمر بعد ثورة تموز عام 1958 تقف بغالبيتها الآن بالضد من مساعي هذه الزمر لاعادة حمامات الدم في العراق. فالولايات المتحدة وبريطانيا اللتان وقفتا الى جانب هذه التشكيلة الشريرة حتى عام غزو الكويت وبعيدها بقليل هي الآن في حالة احتراب دموي وليس هناك ما يلوح في الافق من نية لاعادة الامور الى مجاريها في عز ذلك الاحتضان الذي استمر لعقود. فالبضاعة التي كان يعرضها هؤلاء في "بازار" الحرب الباردة اصبحت "بايرة" و expired، ولم يعد هناك من يشتريها خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة. ونفس الامر ينطبق على تلك القوى الاقليمية التي صرفت المليارات لدعم همجية الحكم السابق واصبحت اليوم تعمل المستحيل من اجل تطهير ساحة العراق من هؤلاء البرابرة. واضطرت حتى تلك الدول المجاورة التي تلعب على الحبلين ان تتخذ اجراءات لتطويق هذه الزمر خوفاً من ان ينتقل هذا الداء الى بلدانها والذي بدء بالفعل في بعض دول الجوار. ولم يعد للابواق الاعلامية النشاز التي يسيطر عليها اثرياء الارهاب في الجزيرة العربية ذلك الصوت المسموع والمحرك للشارع العربي بعد ان تبين زيفه وكذبه خاصة اثناء الحرب وفضائح النظام التي انكشفت بعد الاطاحة به. اما على النطاق الداخلي فان كل محاولات جمع القوى لهذه الزمر تصطدم بالسلوك البشع لها والتي لا تشرف كل من يحاول الدفاع عنه. فالتشتت وفقدان الثقة بهؤلاء لدى العراقيين خاصة بعد طالت افعال التخريب والقتل كل العراقيين وبكل الاطياف قد تضاءلت. فلم ير الشعب العراقي خلال الاشهر الماضية من هؤلاء سوى محاكم التفتيش العبثية والاعدام العشوائي، وعم الاستهجان لسلوكهم حتى في مدن الفلوجة والرمادي والموصل التي يدعون بحماية اهلها مما سهل على القوات العراقية والامريكية الاجهاز عليهم بسهولة في الحملة الاخيرة.

 

في عام 1963 استطاع اسلاف هذه الشراذم ان تجتذب بعض القوى او استدراج قوى اخرى في المجتمع العراقي الى جانبها. فالمؤسسة الدينية الشيعية وللاسف باركت آنذاك فعل هؤلاء وانزلقت الى فخ هذه المجاميع الطائفية والقومية المتطرفة ثم انفرط شهر العسل بشكل سريع بعد ان انكشف الجوهر الطائفي المقيت لها. اما الآن فان الحكمة واليقظة التي تتحلى بها المرجعية الدينية الآن وضعها في موقف يحمي ارواح العراقيين من شيعة وسنة ومسيحيين وغيرها من الطوائف من طيش وغدر هذه الزمر التي استعانت بقوى ارهابية عربية وغير عربية مدانة في بلدانها. ولم يبق من يدافع عن هذه الزمر سوى رجال يلبسون لباس الدين والذين لفظتهم طائفتهم من امثال مقتدى الصدر وجواد الخالصي الذين برهنت الاحداث ان لا وزن لهم في البلاد. اما على نطاق الطائفة السنية فهناك اغلبية صامتة تخشى الغدر من هذه الشراذم وتلوذ بالصمت دفعاً لما يضمره هؤلاء"المجاهدون" من اجل الدين الجديد العجيب. فالجميع في العراق ومن ضمنهم الكثير من رجال الدين الفضلاء يعرفون جيداً اولئك الذين وضعت اجهزة المخابرات العراقية العمائم على رؤوسهم من اجل خدمة النظام المنهار والتغطية على جرائمه ومباركته على بطشه. لقد كان من المستحيل في ذلك الوقت ان يصعد اي رجل دين تقي وورع وصاحب ضمير على منبر المسجد، فالامن والمخارات لهم بالمرصاد حيث ربطت المساجد مباشرة بمكتب الامن القومي. وهكذا تسلم وظيفة الواعظين وائمة المساجد كل من دخل كلية الشريعة والمعاهد الدينية بتفويض من اجهزة الامن والمخابرات ثم نصب اماماً للجامع بأمر صادر من نفس هذه الاجهزة القمعية، والامر سيان اكان ذلك سنياً او شيعياً او عربياً او كردياً. ويتأكد هذا الامر عندما نرى هذا النفر من "رجال الدين" ممن حولوا المساجد الى مخازن للاسلحة الثقيلة والخفيفة وورش للتفخيخ ليصدروا الموت الى ابناء جلدتهم، او يضهرون على شاشات التلفزيون وهم يتحثون بلغة الموت وليس بلغة الوجدان الديني السمح.

 

ان اسلاف هؤلاء استطاعوا في شباط الاسود ان يحيدوا قوى واوقعوها في فخ المتفرج على هذه الجريمة وسرعان ما امتد بطش الانقلابيين الى هذه القوى "المتفرجة". فقيادة الحركة القومية الكردية انطلت عليها لعبة الانقلابيين الخطرة انذاك. ولكن ما ان مرت اسابيع حتى اغرقوا السليمانية بالدم واستعانوا بالقوات السورية لالحاق المزيد من الدمار والموت بالكورد العراقيين. اما الآن فأن الحركة القومية الكوردية لها موقف آخر فهي جزء من ذلك النسيج الذي يسعى بقوة الى بناء دولة القانون في العراق وارساء دولة عصرية ديمقراطية فدرلية بعيدة عن التطرف والعنف بكل اشكاله. ان التآلف الواسع القائم الآن في الحكم والذي يضم اطياف ذات مشارب قومية ودينية وسياسية متنوعة هو اكبر ضمانة لاحلال الامن والسلام والاستقرار ودحر فلول الظلام والعنف.

 

ان الوضع الراهن يشبه ما كان عليه البارحة مع اصطفاف جديد لا يسمح لتلك القوة المتطرفة قومية كانت ام دينية ان تتسلم زمام الباردة فهي تسبح ضد التيار الجارف في العراق. فالحكومة الموقتة اخذت تتعض من اخطاء الشهيد عبد الكريم قاسم في استهانته بهذه القوى الشريرة عندما رفع شعار عفا الله عما سلف. كما ان محاولة اعادة رموز الطغمة الحاكمة السابقة التي تصاعدت في الاونة الاخيرة اخذت تتداعى بفعل انتقال فلول العهد السابق من مخابرات وامن وفدائيي صدام الى شراذم العنف والموت مما سحب البساط من تحت من يحاول الاستعانة بهم بحجة اقرار الامن وهم الذين يزعزعون الامن في البلاد. ان اتخاذ الحكومة الموقتة مواقف حازمة ازاء العابثين بسلامة العراقيين هو الطريق الوحيد والامثل لتحرير ابناء المدن المخطوفة من هذا الطاعون وازالة اسباب الارهاب ووضع العراق على سكة الانتخابات التي ترعب المتطرفين.

 

وما على الحكومة الموقتة الا الاستناد على الشعب في تطبيق خطتها في نشر الامن في البلاد. ويجب ان تستعين الحكومة المؤقتة من تجربة المقاومة الشعبية بعد ثورة تموز في تحقيق الامن في البلاد ودحر شرور الظلاميين. فعلى الحكومة ان تباشر بتشكيل فصائل للدفاع عن المدن والقرى من المتطوعيين المدنيين ومن كل الحركات السياسية التي لها مصلحة في استقرار الامن والمباشر بالبناء وقطع جذور الارهاب الداخلية والاقليمية. فالشرطة والحرس الوطني والقوات المسلحة وحتى القوات المتعددة الجنسيات ليس باستطاعتها لوحدها اجتثاث هذا السرطان دون المشاركة الشعبية بكل اشكالها. ومهما كانت موجة العبث بالامن الجارية حالياً في البلاد، الا انها تشكل منعطفاً في قدرة العراقيين على بناء حياتهم الجديدة مما يستثير غضب وجنون العصابات الارهابية التي تمول من خارج الحدود سواء من شيوخ الارهاب في الخليج او من حكومات عمتها البصيرة او من الفارين من رجال الامن والمخابرات العراقية الذين يتخون من الدول المجاورة قواعد لتدمير العراق وقتل ابنائه.

Adelmhaba@yahoo.co.uk

مواضيع سابقة:

أهي صحوة اسلامية ام خراب بيوت المسلمين؟

العرب وعقلية التدمير

الجواهري ومقتدى الصدر

 

 

للتعليق على هذا الموضوع