Middle East Transparent

20 يونيو 2004

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

زوابع التصحير

 

عادل جندي

 

حدثت زوبعة صغيرة مؤخرا في مصر بسبب سلسلة مقالات كتبها د. محمد عمارة في جريدة الأخبار المصرية، تحت عنوان "الحروب الدينية والديانات السماوية". وقام عدد من القبط بتقديم شكوى إلى نقابة الصحفيين غضبا مما اعتبروه مساسا بعقائدهم الدينية في تلك المقالات؛ بل أبلغ أحدهم النيابة ضد الكاتب بتهمة "الازدراء بالأديان". وراح آخرون يرددون المثل القائل "إن كان بيتك من زجاج فلا تقذف الآخرين بالحجارة". [ولكن هؤلاء قد نسوا أن ذاك المثل أجنبيٌ في الأصل وأنه قد أصبح، بعد تعريبه: "إن كان بيتك من زجاج، فأحطه أولا بمجموعة من (...)، ثم إقذف الآخرين بالحجارة كما شئت]".

في البداية أؤكد الرأي بأن الأديان، برغم تمتعها بالقداسة بين أتباعها، لا ينبغي أن تكون لها من الحصانة ما يعوق فحصها ونقدها وتحليلها، فهذا جزء لا يتجزأ من حرية الفكر في كل مكان بالعالم المتحضر. المشكلة بالطبع هي كيفية ممارسة تلك الحرية، وما ستؤدي إليه من الدخول في مساجلات عقائدية (تبقى غالبا عقيمة النفع)، في مجتمعات متخلفة يسيطر عليها الجهل والفكر الهوسي الظلامي حيث كثيرا مايتحول الدين إلى آلية غريزية للتنفيس عن غرائز البقاء والخوف والدفاع عن الذات والموت.

على أي حال، قراءة الحلقات الأخيرة من تلك السلسلة تبين أنها تمثل نموذجا حضاريا رفيعا في الردح الديني. ولكن الأمانة تدعو لأن أقول بصراحة أنني أجد فيها ما يستوجب الرثاء ويستلزم الشفقة، وليس ما يستدعى الغضب.

لماذا؟

بالإضافة إلى (وأيضا بسبب) حالة الإفلاس الحضاري التي تعيشها بلادنا ومنطقتنا، ولا يدري أحد كيفية الخروج منها؛ فإننا نجد العالم اليوم وقد أصبح صداعُه الدائم هو تنامي خطر "الإسلاميزم". فلا يمر يوم بدون أن تشير وسائل الإعلام إلى عملية إرهابية (تتم أو يجري إجهاضها على أخر وقت) يُبرر فيها مرتكبوها أفعالَهم ومشروعاتِهم الهمجية الدموية بالاستناد إلى نصوص دينية تبدو صريحة وواضحة، لا تحتاج (على الأقل من وجهة نظر هؤلاء...) إلى شرح وتفسير، ولذا فما عليهم سوى الطاعة والتنفيذ!. والنتيجة هي أن ينشغل العالم، بإعلامه ومراكز بحوثه وسياسييه، حتى أذنيه بكثير من التساؤلات: كيف وماذا ولماذا ومن أين وإلى أين (....)

زد على ذلك أن العالم أصبح يرى مصر، منبعَ الحضارة، وهاهي قد غدت مرتعا للتعصب ومنبتا لفطاحل من أمثال "أيمن الظواهري" و "محمد عطا" و "عمر عبد الرحمن" و..... و "أبو حمزة المصري"، ومؤخرا "محمد المصري" (الإسم الجهادي لخبير المفرقعات السابق بالجيش "ربيع عثمان سيد أحمد" الذي تقول أسبانيا أنه الرأس المدبر وراء أحداث مدريد، والذي قبض عليه مؤخرا في ميلانو).

[ولمن يبحثون عن أسباب لكارثة "صفر المونديال" ألا يتجاهلوا هذه النقطة المحورية، بدلا من تضييع وقتهم في لجان تقصي حقائق تحاكم مسئولين لا ذنب لهم ...]

في مواجهة واقع كئيب كهذا فإن ردود الأفعال في داخل مصر (والعالم العربي والإسلامي) تتراوح أساسا بين توجهات أربعة:

أولا: شريحة من الناس "العاديين" في كل مكان لا زالوا يعيشون حياتهم وتعاملهم مع الآخرين طبقا لمباديء إنسانية راقية، وترفض ضمائرهم "الإسلاميزم" شكلا وموضوعا.

ثانيا: من يرون أن هناك "مشكلة حقيقية"، وأن الأمانة تقتضي أولا وقبل كل شيئ وقفة أمينة وجهدا من الفحص والنقد الذاتي. وهؤلاء مازالوا قلة نادرة ولكنها، لحسن الحظ، تتزايد كل يوم. فالكتابات الرائدة والشجاعة من أمثال المفكر الكبير العفيف الأخضر بدأت تجد بعض الصدي، حتى وإن كان على استحياء.

[عقد في باريس مؤخرا مؤتمر تحت شعار "أبناء إبراهيم فن صناعة السلام"، تحدث أمامه الأمير الحسن بن طلال وعدد من الرموز الدينية والمدنية في الأردن وفلسطين وإسرائيل وأوروبا وأمريكا. وإن كان من الغريب ملاحظة أن المتحدثين المسلمين عادة ما يُلقون كلماتهم ثم يذهبون لحالهم، مما يعكس حالة ذهنية عامة لرفض الحوار أو حتى الاستماع للآخر؛ إلا أنه، من ناحية أخرى، كان من المشجع أن نستمع إلى حديث يتطرق إلى "الأمانة الدينية" أشار فيه الأستاذ محمود مفتي، أحد العاملين السابقين مع الأمير الحسن، إلى ضرورة قيام رجال الدين الإسلامي بقراءة النصوص الدينية من منظور تاريخي، وضرب أمثلة من جهود مماثلة قام بها رجال دين يهود حول نصوص توراتية حربية (مثل ما نجده في سفر التثنية) باعتبارها مرتبطة بحادثتها وزمنها فقط.]

ثالثا: من يرون أن هناك "مشكلة ما"، ولكنها تتطلب أولا وقبل كل شيء جهدا لتلطيف وتزويق الخطاب الديني، ولتحسين الصورة أمام العالم الخارجي، وما يستتبعه هذا من أرتال الوفود التي تذهب للأجانب في بلادهم..... وهؤلاء يرون أنه يكفي التأكيد على عدد من "النصوص الدينية الإيجابية" مع تجاهل تلك "غير الإيجابية"، لكي يصدق العالم أن المشكلة قد تم حلها...

رابعا: من يدركون في أعماقهم بوجود "مشكلة"، ولكن بسبب مشاعر متراكمة من "الانفصام بين الحلم والحقيقة" و "عدم القدرة على التكيف مع الواقع" و "الشك العميق في الذات" و "الشعور بالنقض" وغيرها مما يعرفه أطباء النفس، فلا يجد هؤلاء غير أمرين يدفعهم إليهما العقل الباطن؛ أولهما اتهام العالم بالقيام "بحملة مسعورة بدون مبرر سوى الحقد"، وثانيهما الانغماس في جهود الإيحاء والتوكيد الذاتيين، المبنية على تفخيم الذات وتحقير الآخر. وهذا بالضبط مانرى الإعلام المصري (والعربي) يغرق فيه حتى أذنيه: فالحقيقة أن د. محمد عمارة ليس حالة شاذة؛ فإن كان آخرون يحاولون أن يكونوا أكثر تأدبا وأقل مباشرة في رسالتهم، إلا أن المحتوى واحدٌ إلى حد كبير، وهو أن الإسلام هو أفضل وأفخم وأعظم وأروع وأبدع وأجدع الأديان في الماضي والحاضر والمستقبل!

[ملحوظة: أليس من الحري بالقبط، إذن، التحلي بمزيد من الاحتمال وطول الأناة، مراعاة للظرف الصعب والأزمة النفسية العاتية التي يمر بها بعض إخوتهم في الوطن؟ لقد احتملوا منهم الكثير والقليل عبر مئات السنين، فليحتملوهم هذه المرة أيضا!]

*****

 

لا يوجد فيما كتبه السيد عمارة الكثير مما يستحق المناقشة. لكن من المهم ذكر بعض الملاحظات، آخذين في الاعتبار الابتعاد عن دائرة "السجال الديني" الذي له الكثير من المتخصصين (والهواة!) والذي لا ينبغي، على أى حال، أن يكون مجالُه صفحات الجرائد:

أولا: عند تناول "المقارنات العقيدية"، يبدو أن هناك فكرة مركزية في كتابات السيد عمارة وأمثاله؛ خلاصتها هي أن كل ما هو "بسيط وواضح وسهل" هو، بالضرورة ليس فقط "جذابا" بل "أفضل" مما هو "مركب أو صعب". وهذه (حتى وإن ترددت أحيانا بين مفكرين غربيين لأسباب مختلفة) فكرة صحراوية بدون شك. ولمناقشتها يكفي القول: إن كنا لا نجادل، على سبيل المثال، في أن منظر "نخلة تقف بجانب تل رملي" يمكن أن نعتبره "منظرا جميلا وبديعا"، إلا أنه لا يمكن لأحد (إن كان يستطيع إدراك الفرق) أن يقول أنه يفوق بالضرورة - ولمجرد وضوحه السهل والمباشر- جمال وروعة معبد الكرنك أو لوحة الموناليزا أو سيمفونية بيتهوفن التاسعة أو شلالات نياجرا الخ.

ومن ناحية أخرى، فلنفترض أن شخصا قد باشر من دروس محو الأمية ما يسمح له بالعد على أصابعه حتى الرقم عشرة: هذا أمرٌ مفيدٌ جدا بلا شك؛ إلا أنه لا يمكن، مثلا، أن ينفي - فقط بسبب سهولته- صحة "الهندسة الفراغية" وضرورتها وأهميتها لفهم طبيعة الكون ثلاثي الأبعاد (مكانيا) الذي نوجد فيه.

ثانيا: أحد الآليات (الميكانيزمات) النفسية المعروفة للساعين إلى "تأكيد الذات" هو اللجوء إلى آراء آخرين، على طريقة "شهد شاهد من أهلها"، والقيام بالانتقاء الضيق الذي يفي بالغرض ولا شيء سواه. ولنأخذ مثلا "مونتجومري وات" الذي نقل د. عمارة بعضَ أقوالِه باعتباره "مُنصفا": المعروف أنه واحد من دارسي الإسلام ممن يطلق عليهم في الغرب "الاعتذاريين" أو "المدافعين" (apologists). وبدون الدخول في التفاصيل حول الأسباب التي تدفعهم إلى ذلك (وإن كان لهم كل الحق في اعتناق ما يشاؤون من آراء)؛ فهؤلاء الاعتذاريون لا ينتمون، بأي حال، إلى طائفة الدارسين الذين يبنون آراءهم على نظرة نقدية ترتكز إلى البحث العلمي ووسائله (التي أُخضع لها تراث الأديان الأخرى).

"منوتجومري وات" هذا ينتسب أيضا إلى مدرسة "التناسبية" (relativism ) التي تقول، باختصار، بعدم ضرورة اتباع الموضوعية التاريخية أو مراعاة صحة الحقيقة (الفكرية)، لأن المهم في النهاية هو "الحقيقة الرمزية" (symbolic truth). فأنظومة الأفكار التي يتبعها المسلمون (أو غيرهم بالطبع) هي "حقيقية بالقدر الذي تسمح به لمعتنقيها بالحصول على تجربة حياتية إجمالية بصورة مُرضِية". ويمضي إلى أن أية "فكرة" معينة تصبح، بالتالي، "حقيقية" لمجرد كونها جزءا من "أنظومة حقيقية" (في نظر معتنقيها)، وذلك بغض النظر عن إمكانية تناقضها مع حقيقة علمية أو تعليم متعارف عليه.

وينغمس "وات" في مجموعة من البهلاونيات الفكرية والإلتواءات الفريدة ليخلص إلى أسلوبه في البحث والعرض الذي يرتكز إلى أن "الباحث غير المسلم ليس عليه أن يشكك في أي فكرة داخل الأنظومة الفكرية الإسلامية، مادامت تلك تكفي لإرضاء الاحتياجات الدينية للمسلم". ويذهب إلى أنه لفهم الإسلام حقا (وإن كان ليس لتصديقه أو موافقته أو قبوله)، فعلى المرء أن يتخيل نفسه بداخله ويتفهم ما يقبله المسلم المؤمن. وهذا كلام يبدو جميلا؛ ولكنه يعنى في النهاية، منطقيا، أن كل "الأنظومات الفكرية والعقيدية" متساوية وصحيحة بنفس الدرجة، بما يؤدي إليه ذلك من استنتاجات مثل تعادل فكرة الإلحاد، أو تعدد الآلهة، مع فكرة التوحيد الإسلامي، طالما أن كلا منها تريح المعتنقين بها!

فإن كان السيد عمارة يجد في بعض كتابات أمثال "وات" ما يراه منصفا وما يجده مريحا، فهذا شأنه! لكن لابد من تذكر أن ليس كل ما كتبه "وات" يمكن أن يعجبه أو يريحه، ولذا فهو بالطبع يختار ما يوافقه فقط...

ثالثا: يتحف السيد عمارة القراء بالمعلومات التي يستخدمها للوصول إلى الاستنتاجات التي تريحه. خذ مثلا ما قاله (في الحلقة التاسعة) عن أن الذين دخلوا الإسلام بعد قرن من الفتح الإسلامي لمصر وفارس والشام (أي حوالي سنة 740 ميلادية) لا يزيدون عن20% من السكان، حيث "الدولة إسلامية والرعية على دياناتها". هذه أرقام قد يتفق معها المؤرخون؛ ولكن الواقع لم يكن، كما يزعم، بسبب التسامح والمروءة والمحبة الأخوية (لنا عودة لهذا الأمر في مقال آخر).

فالحقيقة التاريخية هي أن الدولة الأموية كان همُّها الرئيسي هو إقامة "مملكة - أو إمبراطورية- عربية". ولذا فيمكننا القول أن مقولة "الإسلام دين ودولة" كانت في عصرهم معكوسة، أي "الإسلام دولة ودين". كذلك، فإن كانت ثلاثية "الإسلام أو الجزية أو السيف" ظلت دائما قائمة، إلا أن الأولوية القصوى كانت لجباية الجزية بسبب الحاجة الماسة لتمويل حروب التوسع (الغزوات). بل وصل الأمر إلى أن بعض المتحولين إلى الإسلام هربا من عبء دفع الجزية، وجدوا أنفسهم مطالَبين بدفعها على أي حال لأن الولاة كانوا ملتزمين بتوريد مبالغ محددة من المال (إضافة بالطبع إلى ما يدخل جيوبهم وكروشهم)، ولم تكن دولة الخلافة مستعدة لسماع أعذار عن نقص الجباية بسبب تحول أهل الذمة...

من ناحية أخرى، وبعد أسطر قليلة من معلومته السابقة، يقول السيد عمارة أن نسبة المسلمين في مصر ارتفعت إلى 77% في سنة 184 هجرية (حوالي 800 م). ومن الضروري هنا إعلان الانبهار الشديد بالدقة العلمية لمعلوماته الإحصائية. ولابد أيضا من تخيل إدارات "الإشهار" وقد أصبحت تعاني عندئذ من اختناقات رهيبة من جراء تدافع الملايين على التحول. (مع ضرورة التساؤل، بالمرة، إذا ماكانت إدارة الإحصاء المصرية قد تأسست في تلك الحقبة وبدأت منذئذ تقليد نشر الأرقام التعدادية "المناسبة)..

وهو بالطبع ينسب التحول الفجائي إلى كون الأقباط اكتشفوا على حين غرة كيف أن الدين الجديد "أفضل وأسهل وأكثر رقيا" من دينهم. ربما!. لكن الحقيقة التاريخية هي أن الدولة العباسية، بعد انتهاء عصر التمدد الجغرافي عن طريق الغزو أيام الأمويين، بدأت تعطي الأولوية لنشر الدين، وأخذت سياسات التضييق ولوي الأذرع بشتى الطرق تنتشر. ومن بينها، مثلا، مضاعفة الجزية على من بقوا على دينهم لتعويض النقص في الإجمالي نتيجة تحول البعض، مع استعداد السيف للقيام بدوره الحاسم عند اللزوم!!

*****

 

أخيرا، لا شك أن مثل تلك الأفكار "التصحيرية" التي تحاصرنا مثل رياح الخماسين تتوافق تماما مع أيديولوجية بن لادن وسائر أتباع "الإسلاميزم"، والتي تسعى بكل إخلاص وإصرار إلى تطهير الأرض من الحضارة (ومن المشركين)، والارتداد إلى البداءة والبداوة التي يتخيلونها في حالة نقاء ونقاوة لا وجود لها، حتى في مخيلاتهم المريضة.

ولكننا، مع ذلك، لا نملك سوى تقديم واجب الشكر للسيد عمارة على جهوده الدائبة لتسلية القراء والابتعاد بهم عن موضوعات سخيفة، ولا طائل من ورائها، مثل الإصلاح والتغيير والتنوير والتقدم!

 

guindya@hotmail.com