06 اكتوبر 2005

 

 

ملـعون أبـو فرنســــا!

عادل جندي

 

 

نواصل رحلتنا مع "الأخ طارق.. متعدد الأوجه" للتعرف على المزيد من أفكار طارق رمضان "الإصلاحية" و "التحديثية" ...

 

***

 

سحر طارق رمضان العديد من المراقبين السياسيين والإعلاميين في الغرب بتقديمه نفسه كمبعوث العناية الإلهية الذي سيجعل المسلمين الأوروبيين يجدون التوازن بين هويتيهم كمسلمين وكمواطنين. وأصدر كتابا حول "المسلمون والعلمانية" (1994) وآخر بعنوان "أن تكون مسلما أوروبيا" (1999) و ثالثا "المسلمون والغرب" (2003). وهي كتب تكاد تقول نفس الشيء، ربما بهدف الاحتفاظ بالموضوع في مجال النقاش العام وتكرار بث الرسالة.

 

يبدو لأول وهلة أن طارق يدعو إخوته في الدين إلى استعمال أي من تعبيري "مسلم فرنسي" (أو بلجيكي أو هولندي الخ) أو "فرنسي مسلم"، على قدم المساواة وبدون الخوف من خيانة هويتهم. لكن سريعا ما نكتشف حقيقة آرائه. يقول في كتاب "المسلمون والعلمانية" ص 36: "التعارض بين أيهما يأتي أولا، كون المرء مسلما أو فرنسيا، هو في رأيينا جدل سخيف لأن كلا الانتمائين ليسا من نفس الطبيعة ولا ذات الدرجة (المستوى). أن تكون مسلما يعني أن يكون لك رؤية متكاملة للحياة (..)، بينما أن تكون فرنسيا فيعني أن تلعب دورا باعتبارك مواطنا في أمة".

 

أي أن المقابلة ـ كما يقول في أحد "الكاسيتات" ـ هي بين أمر عال يفوق كل شيء ("رؤية" متكاملة) وآخر جزئي ("دور"). غير أن مجرد استخدامه لتعبير "مواطن" قد يوحي بأنه يأخذ فكرة المواطنة بجدية. إلا أنه (في "كاسيت" بعنوان "هويتنا بين مواجهة دعاوى الاندماج والمشاركة") يوضح الأمر أكثر، إذ يحدد أن "الدور" (المتعلق بالمواطنة) هو مجرد "وضع جغرافي" ويؤكد أن هذا "لا يمكن له أن يؤثر على حياتي والتوجه الذي أعطيه لها".  ويرى أن خلط الأمرين "يشبه خلط البحر بحمام السباحة.. فالإسلام هو المحيط الشامل الذي يغوص فيه كل شيء آخر".

ساركوزي، وزير داخلية فرنسا، وطارق رمضان

 

وفي "كاسيت" بعنوان "العيش في الغرب" يقول: "باعتباري مقيما في البلد أو مواطنا، فإني أحترم دستوره. هذا مبدأ إسلامي". ولكنه يسرع بتوضيح هذا الإعلان الجميل للنوايا مؤكدا على أنه يجب احترام الدستور والقانون "ابتداء من اللحظة التي فيها يكون كل ما بهذا البلد، من منظور اجتماعي وثقافي واقتصادي وقانوني لا يتعارض مع أي مبدأ إسلامي (..)" أي يصبح إسلاميا. فإذا كان هناك ظن بأن المواطنة والانتماء الديني ليسا متعارضين، فإن طارق يبين بوضح حاسم أن "المسلم يحترم قوانين بلد ما: فقط إذا لم تتعارض مع مبدأ إسلامي".

 

وبناء على هذا التصور، يدعو أخوه هاني لعدم الخدمة في الجيش الفرنسي في حالة حرب ضد مسلمين، مثل حالة الطالبان.

 

وكلام طارق رمضان لا يختلف في النهاية عن دعاوى غلاة الإسلاميين حول الإسلام والقومية. فها هو د. مصطفى الشكعة يؤكد بوضوح أن "الانتماء لقومية معينة هو أكذوبة" سواء كانت قومية عربية أو مصرية (الأهرام 19 يوليو 2005).

 

دليل بوبكر، إمام جامع باريس

 

الاندماج في المجتمعات المُضيفة

 

يقول طارق في أحد تسجيلاته: "نحن نقبل الاندماج في المجتمع المُضيف (..) أنا أقبل بالقوانين، بشرط ألا تجبرني على عمل شيء ضد ديني (..). إذا كان عليك أن تصبح مسلما رديئا في سبيل أن تكون فرنسيا جيدا؛ إذن نقول لا!". قد تبدو هذه العبارة بريئة ولا تمثل مشكلة خاصة، لو كان "الإسلام" الذي يدعو إليه طارق ليس فوق كل شيء، بما في ذلك القانون.

يزيد الأمر وضوحا فيقول: "الاندماج الذي يقول لنا: "كن مسلما، لكن غير من ملبسك (أي الحجاب مثلا) هو مرفوض". ويوجه كلامه إلى أحد المسلمين المستنيرين (شيخ جامع باريس) قائلا: "إنك منفتح لدرجة أصبحت فيها لا شيء. إنك لست فخورا بما تكونه (..) فالمساومة على المباديء هي علامة خوف وضعف..".  

 

 يدعو طارق إلى عدم الذوبان في ثقافة الغرب، بل إلى قيام "ثقافة إسلامية أوروبية بديلة، نقية من كل التأثيرات غير الإسلامية". ماهي النماذج التي يجب استنساخها؟ "هناك إيران فيما يتعلق بالمرأة، وسودان الترابي الذي قام بتوجيه جدير بالاهتمام في مجال الثقافة".

 

ولعل تلك الثقافة "البديلة والنقية" هي التي تقف وراء المآسي البشرية التي يسببها تعدد الزوجات بين المهاجرين في دولة مثل فرنسا، حيث يبلغ عدد الحالات التي "تعرف" عنها الإدارة (في دولة يحظر قانونها تعدد الزوجات) مايزيد عن  12 ألف حالة تتعلق بما يزيد عن مائتي ألف شخص، تضطر معها الدولة إلى التدخل لمساعدة الأطفال والنساء ماليا وسكنيا وتعليميا. وحتى لو لم يكن هذا التدخل لدوافع إنسانيه فقط، فالمسئولون يرونه ضروريا في سبيل العمل على تجفيف منابع الجريمة والإرهاب. وبالطبع لا يعجب كل هذا أحدا، إذ يردح دعاة الثقافة البديلة مشتكين من عنصرية الفرنجة. (راجع تحقيق الفيجارو 16 سبتمبر 2005). 

 

ومن أبرز علامات تلك "الثقافة النقية"، النبل وعفة اللسان والانفتاح والعرفان بالجميل، التي يجسدها في أبدع صورة الكتاب الذي نشره فريد عبد الكريم، وهو أحد أتباع طارق المخلصين، ومن كوادر الإسلاميين في فرنسا، بعنوان "ملعون أبو فرنسا!" (Na’al Bou La France !)، يدعو فيه الشباب المسلم إلى تغيير "أم الحريات". ولا شك أن طارق رمضان لا يعجبه مثل هذا الأسلوب "المباشر" في التعبير عن المشاعر الحقيقية، لكنها من الفلتات التي تبين احترامه لمظاهر الديموقراطية و"التعددية" بين أتباعه.

 

إذن حيثما يمر إسلام طارق والإخوان، يتحول الغضب، لأي أسباب مجتمعية، إلى كراهية؛ قد تكون أكثر كمونا لكنها أشد خطرا. وأيضا حيثما يمر إسلام طارق والإخوان بين الشباب المسلم في أوروبا، ينهار الإسلام التقليدي الذي كان المهاجرون من الجيل الأول يتحلون به ويجذب إليهم الأوروبيين. وهو إسلام لا يعجب طارق، الذي يدعو الشباب إلى عدم تقليد آبائهم لأنهم "لا يمارسون الإسلام الصحيح".

 

هل كان الجنرال ديجول إذن يبالغ، أم لعله كان يتنبأ بثاقب بصره، عندما قال لدعاة "الجزائر جزء لا يتجزأ من فرنسا": "أولئك الذين يتمسكون بالاندماج (..) لديهم أمخاخ عصافير. حاول أن تدمج زيتا مع خل. رج الزجاجة جيدا. بعد قليل سينفصلا من جديد (..) هل تظنون أن جسم فرنسا يمكنه أنه يمتص عشرة ملايين مسلم، سيصبحون غدا عشرين مليونا وبعد غد أربعين؟" (نقله إيفان ريفيول في الفيجارو، عن كتاب "هذا كان ديجول" لبيير لافيت ـ ج1).

 

هاني رمضان، شقيق طارق

 

الإسلام الشمولي

 

ينصح طارق رمضان مستمعيه بضرورة وجود استراتيجية إعلامية حذرة، إذ "يجب أن نعرف كيف نتحدث إلى من ليس لديهم نفس تاريخنا". ويوضح أكثر: "إنه أمر حساس؛ إذ يمكن للمسيحيين أن يروا في دمج السياسي مع الديني ـ وهو أمر إيجابي ـ مجرد تسليم وخضوع للدوجما ـ أي كأمر سلبي".

 

ما هو المخرج من هذا المأزق؟

 

يتحاشى طارق رمضان الحديث عن "الإسلام السياسي"،  بل يبشر عوضا عنه "بالإسلام الشامل أو الشمولي" (englobant). ويشرح فكرته قائلا أن "مسلمي الغرب إذا أرادوا الحياة على طريق الإخلاص لمبادئهم أو التمسك بمنابع تراثهم" فعليهم التفاعل (مع المجتمع) مدفوعين "بالخاصية الشمولية لرسالة الإسلام".

 

يرى طارق أنه من المهم أن يتصرف المسلمون كمواطنين بهدف التأثير على البيئة المجتمعية، لكن من المرفوض أن تؤثر تلك البيئة على المسلم، ولا بد أن تصنع الجماعة عازلا لكل ما هو غير إسلامي. "أنا آتي بفكر شمولي يقبل من الخارج فقط ما يتماشى معه"، وذلك بهدفين هما "حماية إيماننا والشهادة لديننا".

 

أما حول فصل الدين عن الدولة أو خلطهما معا، فإن طارق رمضان يؤكد موقفه "الوسطي" بين التوجهين. حسنا! مالذي يعنيه بالضبط؟ يتضح الأمر عندما يقول (عبر "كاسيت") بأن "التصريح بخلط الاثنين سيسبب إشكالا مع الجانب الآخر المتحاور (في الغرب)". وهكذا يدور حول الموضوع، ثم يتخلص من الإشكالية تماما عن طريق إعلان "خصوصية الإسلام في خلط الدين بالسياسة" كأمر لا يقارن بالصورة السلبية التي يشكلها المسيحيون لهذا الخلط.

 

وطبقا لطارق رمضان، فإن "أعمدة الشخصية الإسلامية" هي: الإيمان والطقوس المرتبطة به؛ فَهم الدين فهما صحيحا؛ التعليم لتسليم الرسالة لأولادنا؛ والقدرة على الفعل باسم إيماننا.

 

والنقطة الأخيرة تتحول بسرعة إلى التسييس والنضال. ولا يتورع طارق عن التحذير قائلا: "إذا أهمل مجتمع ما أحد هذه الأعمدة، سأقاومه وسأحاربه".

 

طارق رمضان هو إذن إسلامي مهمته نشر الدعوة في أوروبا وتحويل المسلمين فيها إلى "عملاء" لهذه الدعوة. والذي لا يدرك هذا لن يفهم المسافة الواسعة بين الأصولية الحادة لإسلامه السلفي الذي يبشر به، وبين "انفتاح" أسلوب دعوته.

 

 

 

جامع باريس الكبير

 

التعليم

 

يقول طارق أن حسن البنا كان مهووسا ببناء المدارس الإسلامية من أجل "إصلاح التعليم بهدف بناء مجتمع نموذجي يستند إلى الشريعة الإسلامية".

 

ويرى أن تعليم الأطفال "بصورة مخالفة للإسلام" (في مدارس الغرب مثلا) هو "اعتداء على الشخصية الإسلامية للطفل". ولكي يكون عمليا، يدعو طارق الطلبة إلى الانخراط في التعليم العام ولكن عليهم التساؤل والمجادلة والانتقاد كل مرة يتلقون معلومات في البيولوجيا أو التاريخ أو الفلسفة مثلا، لا تتماشى مع الإسلام (..) يؤهلهم لهذا تعليم إسلامي إضافي يتلقاه الطالب خارج المدرسة".

 

وهو يدعو الفتيات إلى الامتناع عن الأنشطة الرياضية إذا كان هذا يعني كشف أجسامهن أمام الرجال.

 

 

أسلمة أوروبا

 

يقول طارق رمضان (في كتاب "العيش في الغرب"): "يتساءل البعض: ما هو هدفكم؟ أسلمة أوروبا؟". لا يرد مباشرة على السؤال مفضلا أن يعطي أمثلة حول "ما لا يجب عمله"؛ مثل إعلانات الشيخ عمر بكري (الذي قال أمام كاميرات البي بي سي أن علم "لا إله إلا الله" سيرتفع على قصر باكنجهام)، لأن مثل هذه الأمور "تثير الخوف لدى المستمعين".. إذن فالفرق بين سلفي جهادي وآخر إصلاحي هو أن الواحد مستعجل بعض الشيء وصريح؛ بينما الآخر يفضل العمل الدؤوب، خطوة خطوة وبدون حرق الخطوات؛ مع إرباك الآخرين حول النوايا.

 

الهدف عند طارق رمضان هو "تطوير الغرب" تدريجيا نحو مزيد من الإسلام. أما في حالة الدول الإسلامية، فهو يساند فرض قوانين تستند إلى الشريعة. وبالنسبة له، فإن من يرفضون الشريعة المبنية على نصوص واضحة هم "قد خرجوا عن الدين، ولم يعودوا مسلمين".

 

وهو يدعو إلى المشاركة في الحياة العامة "في كل الميادين (..) حيثما يمكننا أن نغير الأمور نحو مزيد من الإسلام". (كاسيت "الإسلام والعلمانية")

 

إذن فالهدف هو نفس هدف البنا، لكن الأسلوب يأخذ في الاعتبار الواقع الغربي الديموقراطي، إذ يقول: "(..) جدالنا ليس حول معرفة متى سنستولى على السلطة. فهذا أمر لا يهمنا. ما يهمنا هو المجتمع، أما السلطة فهي مجرد أداة. ما يهمنا هو أن نشهد أمام السلطة الحاكمة (..) وعندما تفهمنا السلطات ستكون قد قطعت شوطا للأمام، ونحن سنتعاون معها".

 

أليس من الغريب أن يتحدث عن إمكانية الاستيلاء على السلطة، حتى لو نفى أنها أمر يهمه؟ على أي حال فإن التركيز الآن هو على أسلمة المجتمع.

 

وهو لا يريد أن يجعل من الغرب "دار حرب" بل "دار شهادة"، مع التلاعب بالألفاظ؛ لأن تعبير الشهادة (shehada)  يعني إذا ترجم للغات أخرى "الدعوة"، لكنه إذا ترك بالعربية يعني (لسامعيه) "الدعوة" أو "الاستشهاد".. عبر الجهاد..

 

يستند تكتيك برنامجه "الإصلاحي" إلى "التمسك بما تم الحصول عليه من مكاسب، ثم البناء عليها وتغيير ما لا نقبله" (كاسيت "الإسلام والعلمانية"). وهو يسعي لنشر وتوسيع "الأمة" عن طريق خلق مجموعات صغيرة في كل مكان، بحيث تترابط جميعا وتنمو وتتزايد خطوة خطوة حتى يتم الانتشار الكلي.

 

باختصار، يريد طارق إقناع الآخرين بأن أسلوبه "تقدمي" لمجرد كونه غير إرهابي.

 

في انتخابات الاتحاد العام الفرنسي الطلبة، كانت حملة  تيار "الطلبة المسلمون في فرنسا" تستند إلى ثلاثة مطالب رئيسية: بناء مصليات في الكليات الجامعية، وقف المحاضرات قبل المغرب في رمضان، وبناء مدن سكنية جامعية غير مختلطة. وبهذا تمكن من الحصول على 11 مقعدا بين 196 في 2002.

 

وفي لحظة أريحية يرى طارق أن "الأدب الغربي غني ولا يجب إلقاءه كله". كلام جميل، ولكنه يضيف أن "على الجماعة القيام باختيار ما هو صالح". أي القيام بالرقابة! فالأسوأ من كون طارق أصوليا هو سعيه لفرض رأيه على الطائفة الإسلامية، بل على المجتمع بأكمله ... كإصلاحي!

 

وقد نجح في 1993 في وقف عرض مسرحية لفولتير في جنيف، بدعوى أنها "يمكن أن تسيء للإسلام في الظرف الدولي الحالي".

 

 

الأصولية

 

يقول طارق رمضان أن مصطلح الأصولية "ينطبق فقط على تاريخ المسيحية، ولا علاقة لها بطريقتنا في العودة إلى النصوص". وبهذ الأسلوب الملتوي يجبر من أمامه على التردد في إدانة الأصولية الإسلامية كما يحدث مع تلك المسيحية؛ على الأقل حرجا من شبهة اقتراف عدوان ثقافي أو عنصري.

 

بالطبع الأصوليتان المسيحية والإسلامية لم تنشئا في ظروف مماثلة، ولكن كليهما يعارض الليبراليين في مجالهما.

في أحد صوره، يطلق تعبير الأصولية (intégrisme) كمصطلح سياسي ينطبق على من لا يرون فصلا بين الدائرتين الدينية والعامة، ويَدخلون الدائرة العامة مُحملين بالدوجما رافضين للعقلانية ومحاولين جعل الرؤية الدينية تكاملية شمولية. ولذا يرفض طارق تطبيق المصطلح على المسلمين "لأنه يمكنهم اللجوء للاجتهاد" (!)

 

ويحاول من جهة أخرى أن يُقنع بأن المسيحية هي "دوجماتية لدرجة أن أصولييها لا يمكنهم التأقلم مع خلفية النص أو مع العقل". وهكذا يسعى لحماية الإسلام من كل نقد عن طريق الأسلوب التفريقي في مقابل الديانات الأخرى.

 

ومن يسمعه قد يظن أنه لا يوجد في الإسلام تعارض بين الإيمان والعقل؛ إذ يقول "القرآن يجبرنا على التفكير" (بما يعني أن الكتب المقدسة الأخرى لا تفعل)، ويؤكد أن "القرآن مصدر لإحياء العقل وليس لغلقه: وهنا كل الفرق".

 

وبغض النظر عن الاستعلاء الوقح، فإنه بهذا الأسلوب يصل إلى نتيجة غريبة مفادها أن "كل ما يفعله الإنسان (بعد قراءة القرآن) لا يمكن أن يكون تعصبا، بل هو دليل إيمان عظيم".

 

 

إعادة تعريف المصطلحات

 

 

بالإضافة إلى دعوة طارق رمضان إلى "ثورة ثقافيةعالمية" أو زعمه بأن فكره يمثل المعادل "للاهوت التحرير" (تحرير مَن، مِن ماذا؟؟)، فإنه يعلن (في كتيب بعنوان "فهم المصطلحات" نشر في 2001) أن مصطلحات مثل الحقوق، العقلانية، الديموقراطية، المواطنة، العلمانية وغيرها؛ لها معان في الغرب "قد تتعب المسلمين ولذا يجب إعادة تعريفها". على سبيل المثال:

 

ـ العقلانية

 

يؤكد أن خصوصية الإسلام هي أنه يجعل "الإيمان هو النور، والعقل هو التوجه". وهذه المصطلحات المقتبسة من فلاسفة التنوير لم يخترها اعتباطا. لكن يجب الحذر من أن "العقلانية" التي صكها التنويريون لا علاقة لها بما يقوله طارق، إذ  يساويها بالاجتهاد الذي هو "البحث عن إجابات لم تذكر بوضوح في القرآن والسنة". على أي حال فهو ينظر إلى كانت وباسكال باعتبارهم النموذج النقيض لما يدعو إليه هو، معتبرا "الفكر النقدي" تطرفا طغيانيا غربيا. ورغبة منه في حماية الإسلام من العقلية النقدية نجده يؤكد (وهو يتحدث بجدية شديدة!) على أن "الشك مرتبط بتاريخ معين..." (أي بالتاريخ المسيحي) ولا علاقة له بالإسلام.

 

وفي مكان آخر نجد أن العقلانية أصبحت على يدي طارق رمضان "طريقا عقليا لإعادة اكتشاف الإيمان" (!) ولم تعد بالمعنى الفكري الانتقادي الذي أراده لها التنويريون.

 

في جميع الأحول: إنها نهاية فاجعة لمقولة ديكارت "أنا أفكر إذن أكون".

 

ـ الديموقراطية

 

يقول طارق رمضان لصحيفة من كوت ديفوار "أن الديموقراطية هي معطية ثابتة لدى المسلمين" (!) ومن ناحية أخرى (في "كاسيت" حول "تيارات الفكر الإسلامي المعاصرة") يعترف بأن له "نظرة نقدية حول التعددية". أي أنه، بمعنى آخر، لا يقبلها!  فهو يرى أن "الاتحاد قوة" ويدعو إلى "كسر الحواجز الثقافية بين كافة الثقافات الإسلامية وتوحيدها (وتنميطها) في "دولية أسلامية" موحدة، كبديل عن التعددية وما تصنعه من غنى وثراء، حتى في العالم الإسلامي بين مسلمين مختلفين.

 

بالطبع قد يجد طارق حرجا في الكلام علنا عن رأيه الحقيقي في الديموقراطية أمام مستمعيه ومحاوريه في الغرب، خصوصا وأنها توفر لأمثاله حرية الحركة والتعبير. لكن الإخوان يعلنون رأيهم بوضوح فيها؛ مثلا على لسان المرشد العام (في حديث لمجلة "آخر ساعة" المصرية بتاريخ 20 يوليو 2005) إذ يقول بالحرف الواحد: "إننا نؤمن بالديمقراطية إيمانا كاملا لأنها هي التي تأتي بانتخابات حرة نزيهة، أما بالنسبة للديمقراطية التي لا حدود لها والتي تقول أن رأي الشعب هو كل شيء نقول لها 'لا'.. رأي الشعب مقنن بالشريعة.. وهذا هو الفرق بيننا وبين غيرنا، إنما نحن ديموقراطيون إلي أقصي حدود الديمقراطية (...)"

 

على أي حال، فقد كان حسن البنا يقول إن الانتخابات غير مجدية إذا كان الشعب أميا، ومن هنا أهمية التعليم الإسلامي.

 

 

ـ العلمانية

 

يثير عنوان كتاب طارق رمضان "المسلمون في النظام العلماني" الاهتمام لأنه قد يعني (قبل قراءة متأنية) الدعوة لإسلام علماني، أو على الأقل التواؤم مع المجتمع العلماني؛ لكن مهلا.

 

"أنا متفق مع العلمانية بنسبة 100%". قال طارق رمضان هذا الكلام الرائع أثناء لقاء في يناير 2003 وبعدها بعام رفض تماما منع الحجاب (ضمن الشعارات الدينية الأخرى) في المدارس الفرنسية العامة (أي التابعة للدولة). وهو، كالعادة، يكذب بالحذف؛ إذ يتفق مع العلمانية كما يفهمها: أي ليس التي تفصل بين الديني والسياسي، بل فقط مع "علمانية تعددية تعامل كل الأديان علىقدم المساواة (..) وتسمح لنا بالعودة بإخلاص إلى منابعنا" ("كاسيت" بعنوان "حول العلمانية"). أي أنه لا يدعو حتى إلى البحث في المباديء الدينية عما يكون متوافقا مع مجتمع علماني، بل بالعكس يحاول انتهاز الفرصة و"تطوير" العلمانية بصورة تتفق مع رؤيته الأصولية. وبالنسبة له، أوروبا ليست "دارا للعلمانية" بل بالعكس "دار للشهادة".

 

على أي حال، فإن صديقه وتلميذه فريد عبد الكريم يؤكد بوضوح (في كتاب "ملعون أبو فرنسا") أن الحوار لا يمكن أن يقنعه وأمثاله "بجدوى العلمانية".

 

 

ـ الحداثة

 

يفرق طارق رمضان بين الحداثة والتحديثية (المودرنيزم) باعتبار الإخيرة دليل "تطرف"، ويقدم بدلا عنها "الحداثة الإسلامية". وهو تعبير يصعب فهم معناه، لإنه إذا كانت الحداثة ليست سوى مواكبة الزمن والظروف مع الحث على تقدمٍ يحمل في طياتِه الرخاءَ والحرية؛ فكيف يتفق كل هذا مع الحداثة الإسلامية لطارق رمضان السلفي؟ لقد لخص جاك جومييه، الباحث في الإسلاميات، موقف طارق بكونه: "لا محل هناك لعصرنة أو تحديث الإسلام، بل فقط لأسلمة الحداثة".

 

ويتحدث طارق عن "تقدم إسلامي" وهو ما يعني به "استخدام التقدم التكنولوجي في خدمة الإسلام".... إذن يمكن للمرء أن يكون متطرفا وفي نفس الوقت يقف عند قمة التقدم التكنولوجي، وخصوصا إذا استخدمت التكنولوجيا لضرب الحداثة.

وعندما يُسأل إذا ما كانت تركيا أو تونس يمكن أن تصبح نماذج لإسلام عصري، يرد: "لا بالثلث!". ويقول أن "التشريعات المطبقة في هذه الدول هي من نتاج الحقبة الاستعمارية". وبغض النظر عن أن تركيا لم تُستعمَر، فإن المظاهر العلمانية في هذه الدول هي من فعل الحكومات بعد الاستقلال، كما في حالة بورقيبة، ولا يعود للحقبة الاستعمارية...

 

***

هكذا قد استطال المقال ولم يزل هناك المزيد، فإلى مقالٍ تالٍ وأخير.

 

guindya@yahoo.com

 

 

للتعليق على هذا الموضوع