17 ديسمبر 2006

 

 

 

 

 

العنف المقدس (2 من 2)

عادل جندي

 

إضافة إلى المؤسسات الاجتماعية الحيوية الثلاث التي سبق الكلام عنها (الطقوس والشعائر، والمحرمات ـ التابو، والأساطير)، التي تقوم آلية التضحية بكبش الفداء بتشكيلها؛ هناك بالطبع التعاليم الدينية. وتختلف الأديان في تعاملها مع هذه الآلية.

 

***

العنف والكتاب المقدس

قام جيرار بدراسة مستفيضة للنصوص اليهودية والمسيحية من وجهة نظر "انثروبولوجية" بحتة. وقد خلص إلى أن "الكتاب المقدس" (Bible) كان فريدا في كونه يسعى لهدم فكرة "المقدس"، التي سبق وشرحها، من الداخل. فالأسطورة المقدسة كانت جزءا من عملية يحاول بها الإنسان أن يخفي عن نفسه المصدر الإنساني للعنف الذي بداخله عن طريق نسبه إلى الآلهة. لكن "الكتاب المقدس"، في رأي جيرار، قد عكَس المسار عن طريق إعلان براءة ضحايا العنف بدءا من هابيل ويوسف إلى الأنبياء مثل أرميا وزكريا الخ. فالكتاب، كنصٍ ثقافي، فريدٌ من نوعه لأنه فضح وكشف آلية التضحية بكبش الفداء، والتأثيرات المولدة للعنف على المستوى البشري، وأيضا عن طريق تكرار النص على تضامن وشراكة الله مع ضحايا العنف.

يرى جيرار، إذن، أن الديانة التوحيدية بحسب "الكتاب المقدس" لم تكن مجرد آداب سلوكية وقواعد أخلاقية (ethics and morality) ـ كما تقول التقاليد الفكرية الحديثة، على الأقل منذ الفيلسوف "كانت" ـ بل تقدم نظرية معرفية إبستمولوجية جوهرية، لواحد من أعمق المعاني الأنثروبولوجية لما يُطلَق عليه عادة "الوحي"، تعطي نظرة كاشفة وتقدم للإنسانية إمكانية "الخلاص" من التركيبات العنفية التي تُكررها بدون نهاية. ويقول جيرار بأن النصوص اليهودية والمسيحية لا مثيل لها في كشفها ونقدها الحاد لآلية التضحية بكبش الفداء البريء، التي تبدو وكأنها ضرورة لا فكاك منها، عن طريق تقديم بديل من أخلاقيات الحب والتسامح، والمحاكاة السلمية. ويقول: "يمكننا أن نرى بوضوح معنى وأهمية "ملكوت الله": إنه يعني دائما تقريب الإخوة المتحاربين من بعضهم البعض، ووضع حد للأزمة المحاكاتية عن طريق النبذ العام للعنف".

لكن ماذا عن النظريات التي ترى أن مختلف التقاليد الدينية متناظرة ومتكافئة وتقف على قدم المساواة، بل وترى في الكتاب المقدس تكرارا لعدد من الأساطير التي وجدت في كافة العصور بل والتقاليد البدائية؟

لا يحاول جيرار الزعم باختلاف فحوى الكثير من قصص العهد القديم عن أساطير الأولين، بل إنه يرى فيها امتدادا لها ولكنها بالتدريج انفصلت عنها... عن طريق إعادة معالجة تلك "الثيمات" والتركيبات وهدمها من الداخل عبر تقديمها من وجهة نظر ضحايا العنف، وكشف العلاقات بين المجتمع ("الثقافة") والقتل والتضحية، ثم إعادة تمثيل تعليمي ينبذ فكرة التضحية بكبش الفداء التي كبلت الثقافة التقليدية البدائية. ويرى جيرار أن إله الكتاب المقدس، بخلاف آلهة الأساطير (والأديان الأخرى)، هو "إله الضحايا" الذي يشارك المنبوذين والأبرياء والمقهورين. وهكذا فإن هذا (الوحي) ليس مجرد أخلاقيات، كما يبدو أن نيتشه وكانت قد اعتقدا، بل هو إبستمولوجيٌ يتعلق بكشف حقيقة العنف الثقافي. أي إن الكتاب المقدس لا يطلب فقط أن "نشفق على الضحايا" بل يكشف مكائد ومؤامرات العنف الجماعي والدور الذي تلعبه في تأسيس وتجديد النظام الثقافي (cultural order).

وهكذا يمكن فهم الدور الهام الذي أُعطي للعنف في العهد القديم... ففي قصة هابيل وقايين يرى نزع القداسة عن الجذور العنفية لتكوين الثقافات عن طريق كشف الضحية البريء والتحذير من أنه لا يمكن التحكم في العنف عن طريق العنف، لأن هذا لا يفعل سوى أن يوقفه مؤقتا لحين عودته بصورة أشد. ويحلل قصة أيوب وغيرها بنفس الطريقة. وفي النهاية يلاحظ جيرار أن العهد القديم  يمثل حركة مستمرة التصاعد لفضح العنف المقدس. إلا أنه يرى أن "يهوه" يبقى كيانا غامضا: فبينما يبدو بصورة متزايدة رحيما لكنه لا يزال "إله الانتقام". ويخلص جيرار إلى أن النسف التدريجي لفكرة العنف المقدس لا تكتمل فصوله إلا في الأناجيل.

 

المسيحية والعنف

يشير جيرار إلى مقولة إريك جانز من أن وقع المسيحية على الغرب يرجع إلى فكرتها الأساسية، ألا وهي المركزية المطلقة لوضع الضحية البريئة.

ويُدهِش جيرار الجميعَ بالعودة إلى أعمال نيتشه، المعروف بنقده الجارح للمسيحية، إذ يجد في تلك الأعمال أفضل مصدر لتنظير التراث الأنثروبولوجي لليهودية والمسيحية. ذلك أن نيتشه كان يعتقد، مثل جيرار، أن إله المسيحيين هو إله الضحايا بحد ذاته (per se). وبرغم كون نيتشه، الفيلسوف الذي يعشق القوة، أشرس أعداء هذا التراث، بل إنه هو الذي وصف نفسه بـ "ضد المسيح"، إلا أن جيرار يعتقد أن نيتشه هو بدون شك أعمق مفكر ديني في العصور الحديثة، على الأقل من وجهة نظر واحدة وهامة: أنه هو الذي قدم المفتاح الأنثروبولوجي للمسيحية.

كان نيتشه يقول بأن تعاليم المسيحية التي تؤكد على "مساواة كل النفوس أمام الله" وعلى "قداسة (كرامة) الإنسان" لا تؤدي إلا إلى إحباط أقوى أعضاء الجماعة والعوامل التجديدية القوية في الثقافة؛ مما يجعلها (المسيحية) الضد للفكر الديونيسي الذي كان ينادي بصورة مطلقة بإرادة التدمير والاحتفاء بالحياة بكل ما فيها من "تركيز عنيف".

وفي كتابه "إرادة القوة" يقول نيتشه: "المسيحية تجعل الفرد بالغ الأهمية لدرجة أنه لم يعد ممكنا التضحية به. ولكن النوع (species) يستمر فقط عبر التضحية البشرية...إذن فالمحبة الحقيقية تتطلب التضحية في سبيل خير النوع الإنساني. وهو أمر شاق ويمتليء بقدر هائل من الانتصار على الذات..."

ورأى نيتشه أن المسيحية كانت الديانة التي اهتمت بالضعيف والبريء الذين استحقا العطف كفضيلة أساسية (وهي المعادل الأخلاقي المسيحي لفكرة الشهادة). أما في الأساطير الديونيسية فالقتل لا يُنظر إليه فقط كأمر مشروع، بل ضروري. (راجع أساطير وتراجيديات بنثيوس وأوديب حيث القتل هو واجب مقدس، أو الديانات التي تنظر إلى قتل أعداء الإله بنفس الطريقة). بينما في المسيحية فإن المسيح هو ضحية بريئة.

يجد جيرار في إدانة نيتشه للمسيحية لكونها "ترفض المعاناة" أمرا هاما، لأنه (نيتشه) رأى بوضوح أن المسيح لم يمت كضحية من النوع الديونيسي، بل كمضاد لكل أنواع التضحيات.

وبينما يوافق جيرار العديدَ من المفكرين حول أن بعض عناصر قصة آلام وموت المسيح قد تكون ـ من ناحية أنثروبولوجية ـ غير جديدة أو مختلفة عن أساطير الأقدمين ( مثل قصص ديونيسيوس وأوزوريس وأورفيوس الخ)، إلا أنه يرى فيها تعرية نهائية ورفضا لآلية التضحية بكبش الفداء في الثقافة المجتمعية. فمسيح الأناجيل يموت ضد "التضحية"، وبموته يكشف طبيعة وأصل الفكرة التضحوية عن طريق إظهار أنها بلا فائدة ـ على الأقل في المدى البعيد ـ ووضعِ حدٍ نهائيٍ لثقافة العنف والتضحية بكبش الفداء. ويقول أن المسيحية هي الضد لكل أشكال الانتقام؛ بما في ذلك الشعور المرارة، الذي هو استمرار لفكرة الانتقام بعد إضعافها بعض الشيء.

ومصدر قوة مسالمة المسيح ليس كونُها مجردَ اختيار وجودي أو موقف أخلاقي، بل ضرورة هيكلية لإمكانية قيام "ملكوت الله" الذي يحل محل "مملكة العنف المقدس". بل إن مجرد القيام بتحطيم النظام القديم القائم على العنف باستخدام القوة (سواء كانت طبيعية أو ماوراء طبيعية) يعني ببساطة استمراريته! ويرى جيرار أن الخلاص الحقيقي في المسيح جاء عن طريق كسر التواطؤ بين العنف والمقدس، ومصالحة البشرية مع الله بدون الحاجة إلى وسيط تضحوي.

ويمكننا القول أن في المسيحية بدلا من أن يسمح الإله لأتباعه (أو يأمرهم) باستخدام العنف ضد أعدائهم (عن طريق جعلهم أعداءه هو) فإن الأمر يصل بتضامنه وشراكته مع ضحايا العنف إلى أن يقدم نفسه لكي يوجه الناس عنفهم نحوه بدلا من أن يمارسوه بعضهم ضد البعض. 

يقال كثيرا أن المسيح تسامي بالشريعة (اليهودية) ولم يكسرها، بكون تصرفاته ووصايه تفوق الشريعة في اتجاه الشريعة نفسها. لكن جيرار يرى، في واحدة من أبدع أفكاره، أن إتمام المسيح لـ "روح" الشريعة يتحقق عن طريق إظهار أن الشريعة نفسها يمكنها أن تزيد من، أو تشجع على، ما تحاول أن تمنع ـ أي العنف وتواطؤها مع العنف والظلم. فالعنف استَخدَم ويستخدم الشريعة ـ أي شريعة ـ وبِرَّها المزعوم كغطاء وذريعة.

باختصار فإن المسيحية، على حد ما يذهب إليه جيرار، تطرح نقدًا للأديان وتحويلاً جذريًّا: فللمرة الأولى في التاريخ، نتيجة تضحية المسيح بنفسه، قد تلاحمت الجماعةُ حول "كبش فداء" اتفق الجميع على الإقرار ببراءته. وبهذا  بدأ رد الاعتبار إلى الضحايا جميعًا ووجب على كل فرد مسؤوليةَ التحول إلى نفسه ليكتشف فيها جذور العنف ويكف عن إسقاطه إلى الخارج.

 

***

 

الشيطان

من أكثر العناصر إثارة للدهشة في كتابات جيرار كشفه لدور "الشيطان" في نصوص الأناجيل، الذي يعتبره شخصية في غاية الأهمية يجب فهمُها من وجهة نظر أنثروبولوجية. ويجد فيه التشخيص لقوة الرغبة التصادمية والانقسامية التي تجسد العنف والاتهام. بل إن معنى الكلمة بالعبرية هو المُدَّعي أو من يوجّه الاتهام. فالشيطان يرمز إلى أساليب الاستعلاء الكاذب التي تؤدي إلى التضحوية الاستبدالية بكبش الفداء. فهو، بمعنى آخر، الكذب الذي يخفى براءة الضحية أو، كما وصفة يوحنا، "أبو الأكاذيب" (أو "أبو الكذاب") و "القتَّال منذ البدء"، كما يوصف بالحاسد، بسبب كبريائه الهائل. ولهذا يشار إلى الشيطان كـ "أمير الظلام" أو "رئيس هذا العالم"؛ أي أنه في نفس الوقت "أرخن" (أو أمير) الحضارة الإنسانية، و "أرشي"، أو البداية ـ أي روح القتل التي تأسست عليها المجتمعات.

ويلاحظ  جيرار أن التعبير الذي تستخدمه الإناجيل لوصف روح الله ـ وخاصة في إنجيل يوحنا ـ هو "الباراكليت" الذي يعني حرفيا "المُدافع عن المتهم"؛ أي نقيض "المدعي" (الشيطان) الذي لا يمكن، إذن، أن يكون من الله أو متسقا معه.

وقد كان الشيطان دائما يرتبط بتعبير "سكاندالون" (skandalon) اليوناني الذي يعنى "حجر العثرة" (ومنه تعبير "سكاندال" في اللغات الأوروبية، الذي أصبح يشير إلى الفضيحة). ومن بين كل شخصيات الدينية التاريخية على وجه الإطلاق، المسيح هو الوحيد الذي يمكن أن يشار إليه باعتباره "بلا عثرة".

عندما أخبر المسيحُ تلاميذَه بأنه سيُصلَب، أنَّبهُ بطرس قائلا "حاشاك يا معلم"؛ فرفض المسيح ذلك قائلا له "اذهب عني يا شيطان". وهذا مما يبين عزمه على الموت مصلوبا، وليس "منتصرا" بالصورة التي كان متوقعا منه أن يفعل؛ أي بدون مقاومة أو لجوء للعنف باعتبار ذلك، على وجه التحديد، طريقته لهزيمة العنف. فالصليب هو الذي هزّ سلطان الشيطان ـ أو بمعنى آخر هزّ صميم آليات عمل هذا العالم ـ أي العنف. (ولذلك فإن إنكار الصليب وواقعة الصلب ربما يعني محاولة ضمنية لتأكيد استمرار آلية العنف كمحرك للعالم.... )

***

 

قيم الحضارة وجذورها

من الصعب عدم التسليم بأن التقليد المسيحي قد أدى إلى تأثيرات عميقة ودائمة على القيم المعاصرة لنبذ العنف والعدالة، وعلى الممارسة القضائية بذاتها؛ وهي تأثيرات أصبحت جزءا من المقاربات العلمانية في هذه المجالات، ويستحيل تجاهلها بغض النظر عن حالة الشخص الدينية أو اللادينية. قيمٌ مثل "المساواة أمام القانون" وحقوق المتهم في الدفاع الذي يمثله، وضرورة وجود الشهود في المحاكمة وأهمية العدالة "المطلقة" هي بعض تراث الأنثروبولوجي والمجتمعي للمسيحية.

وبينما يرى المُنَظّر السياسي لاري سيدنتروب بأوكسفورد أن الدين (بصفة عامة) أصبح مكانه "على الرف"، لكنه مضطرٌ للتسليم بأن الليبرالية السياسية في حد ذاتها ـ بتأكيداتها على المساواة أمام القانون والمؤسسات المجتمعية القابلة للنقد ـ يجب أن تعترف بجذورها المسيحية الفريدة. فالمباديء المسيحية، في الواقع، هي التي قوضت وقضت على نظم العبودية والقنانة (عبودية الأرض)، وأرست مبدأ العمل الخيري الذي نتجت عنه مؤسسات مثل المستشفيات.

ويرى الفيلسوف الإيطالي (اللا ديني) جياني فاتيمو، الذي درس مقولات جيرار، أنه من البلاهة الظن بأن الحداثة تمثل انعتاقا من التقليد المسيحي، لأن التحليل يدعو للاعتراف بأن الكثير من القيم العلمانية للحداثة وما بعد الحداثة الأوروبية لم تكن نقيضا لأخلاقيات المسيحية بقدر ما كانت نتيجة لها.

إذن بينما العالم "المسيحي" بعيدٌ جدا عما يمكن أن نصفه "بالمسيحي" حقا لكنه، بالرغم من ذلك، مشبع بقيمها.

 

هل سينتهى العنف؟

من يريد أن يدرك الأمور المرعبة المذكورة بسفر الرؤيا (Apocalypse) فما عليه سوى قراءة الصحف اليومية! بل إن "حكم الله على الإنسان وعقابه له" غالبا ما يكون عبارة عن ترك الإنسانية تفعل ما تشاء ـ وتعتمد العنف وتضحي بكباش الفداء. بل إنه في العالم يقوم كلٌ باضطهاد الآخرين بإسم معادة الاضطهاد!  

أساطير القومية في العالم الحديث تعيد للذهن أيديولوجية أكل لحوم البشر (cannibalism) الطقسية. فنظام عبادةٍ تضحوي مبني على الحرب وقتل الأسرى والأبرياء لا يختلف كثيرا عن الأساطير القومية والدينية الاستعلائية الإقصائية التي تتمسك بفكرة "العدو التاريخي" المتوارث وحتمية الانتصار عليه، أو حتمية التسيد على العالم.

العقل والمنطق والنصوص يمكن بسهولة استخدامها في نشر العنف، وبهذا يصبح العنف أكثر خبثا عن طريق إخفائه وراء مطالب محايدة وشرعية. أي إنه قد يعطي للبربرية صورة "نبيلة" عن طريق إمدادها بذرائع فكرية وإخفائها وراء علامات مثل "المظالم التاريخية" (ناهيك عن "الأوامر الإلهية"). فالبربرية نادرا ما ترغب في الظهور بمظهر البربرية! بل دائما ما تبحث عن "أسباب جيدة" تُلمِّع بها ذاتها.

لكن جيرار يرى أن هناك فشلا تدريجيا وعاما لآلية كبش الفداء، وأن هذا هو في حد ذاته دليلٌ على عجزٍ موازٍ عن تقديس العنف بصورة مناسبة. وهذا الفشل نتج عن تأثير "الفرملة" ( أو التأثير "الكبحي" الغير مباشر، الذي قد لا يُلاحَظ، ولكنه هام في الواقع) الراجع لنصوص الكتاب المقدس، وبالذات المسيحية. ولكن هذا الفشل لم يؤدي لنقصٍ في حدوث العنف أو في شدته؛ بل على العكس: فمع فشل آلية كبش الفداء فإنها تحتاج لأن تعمل بصور أكثر شدة وكثافة لتصل إلى نفس النتيجة! ويرى في مقولة المسيح "لم آت لأعطي سلاما بل سيفا" نبوءة بالتهافت والانزعاج الواضح والعميق للعنف.

لا يمكن على المدى القريب والمتوسط توقع قيام "جنة" أو حالة "مملكة سمائية" على الأرض ينعدم فيها العنف. ولكن الاستقطاب المرتبط بآلية كبش الفداء قد لا ينشأ عنه الإجماع الضروري لكي تعمل تلك الآلية؛ وبالتالي فإن "التضامن" الذي ينتج عن العنف الجمعي لا بد أن يتقوض ويضعف تدريجيا.

 

***

ملاحظات ختامية

أولا: لا بد من التنويه أن جيرار، الذي كان مفكرا "لا دينيا" معظم حياته قد تحول إلى المسيحية بعد الانتهاء من دراساته حول العنف وعلاقتِه بالمقدس، واستنتاجانه السابق الإشارة إليها. وإن بقي مسيحيا "مشاغبا" يجادل في بعض التعاليم التي تتمسك بها الكنيسة. كما أنه يرى ـ ومعه حق ـ أن المسيحية التاريخية (أي المسيحية الواقعية التي عاشها المسيحيون والمؤسسة الكنسية)، وياللمفارقة، قد تصادمت مع الأناجيل فيما يبدو وأنه محاولة لإحياء العنف الذي فضحه المسيح.

هذا التصادم بين التعاليم المؤسِّسة والواقع، لا شك سبَّبَ آلاما ضميرية هائلة لكثير من المسيحيين ـ أفرادا ومؤسسات ومجتمعات ـ عبر التاريخ. وقد نتج عن تلك الإشكالية العديد من الاعترافات بالذنب (mea culpa). ولكن تلك الآلام تبقى أموراً لا تعرفها الثقافات التي يتسق فيها الواقع مع التعاليم، ولا يحتاج أهلها لتقديم اعتذارات عنه أو عنها! 

ثانيا: أن العالم يواجه حاليا معضلة إزاء الثقافات التي يقف العنف بمثابة الأساس أو العمود الفقري في قيامها وانتشارها ووجودها. من ناحية؛ فإن محاربة أو مقاومة تلك الثقافات لا تؤدي سوى لتأجج عنفها واشتعاله واستعاره ـ وهذا طبيعي جدا طبقا لما تقدم من شروح. ومن ناحية أخرى، فإن مسالمة تلك الثقافات أو محاولة التفاهم والتحاور معها يجعلها تشعر بزهو الانتصار فتتمادى في عنفها. ويزيد من تعقيد الأمور أن في هذا العالم المتعولم (globalized) بانفتاحه وبوسائل اتصالاته، أصبح من المستحيل عزل مناطق "عنفية" وأخرى "متحضرة". بل إن الهجرات البشرية الكثيفة من المناطق الأولى إلى قلب الثانية تساعد على انتشار العنف وثقافته وآلياته.

يبقى الأمل في هزيمة سلطان العنف وكسر آليات عمله... ذات يوم!

 

adel.guindy@gmail.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مراجع:

- Violence and the Sacred, Renè Girard, Continuum.

- Celui par qui le scandale arrive, René Girard, Desclée de Brouwer.

- Je vois Satan tombé comme l’éclair, René Girard, Grasset.

- Key Contemporary Thinkers : Girard, Chris Fleming, Polity.

ـ مقال "جذور العنف"، أحمد تموز، معابر، مارس 2006

 

أهم الكتب الأخرى لرينيه جيرار:

- Deceit, Desire, and the Novel / Mensonge romantique et vérité romanesque

- Job, the Victim of His People / La Route antique des hommes pervers

- Things Hidden Since the Foundation of the World / Des choses cachées depuis la fondation du monde

    

 

العنف المقدس 1

 

gundaf@wanadoo.fr

 

 للتعليق على الموضوع