27
يناير 2007

 

 

 

 

 

عندما تستبيـح الدولـة دماء مواطنيـها

عادل جندي

 

ثارت زوبعة صغيرة في مصر بسبب كتاب من تأليف د. محمد عمارة بعنوان "فتنة التكفير بين الشيعة والوهابية والصوفية"، يحمل رقم 142 من سلسلة "قضايا إسلامية" التي تصدر في غرة كل شهر عربي عن وزارة الأوقاف المصرية ويشرف عليها د. محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف بنفسه، ويشاركه الإشراف د. عبدالصبور مرزوق بوصفه نائب رئيس المجلس الأعلي للشئون الإسلامية. ومؤلف الكتاب عضو بنفس المجلس الذي يتبع الوزارة.

وباختصار، يقول المؤلف أن "لأهل السنة والجماعة موقف واضح وحاسم وثابت في رفض التكفير لمن يشهد أن لا إله إلا الله ومحمد رسول الله، مادام قائماً بحقوق هذه الشهادة التي هي شعار الإسلام العاصمة للدماء والأموال والحقوق، وعن هذا الموقف الواضح والحاسم والثابت يعبر حجة الإسلام أبوحامد الغزالي". ثم يأخذ المؤلف بعد ذلك عن الغزالي، كما ذكر في كتابه «فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة»، أحكاماً قاطعة عن الكفر (وهو "تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام في شيء مما جاء به") وعن كون اليهودي والنصراني والبرهمي والدهري كفارا، ينطبق عليهم  حكم الكفر. وعن كون حكم الكفر حكما شرعيا، معناه إباحة الدم والحكم بالخلود في النار؛ وإدراكه شرعي فيدرك إما بنص أو بقياس علي منصوص. وقد وردت النصوص في اليهود والنصاري.

وقد تقدم عدد من الأقباط ببلاغ إلى مكتب النائب العام طالبين وقف الكتاب ومحاكمة المؤلف. بينما قال وزير الأوقاف إنه "لا يري شيئاً في الكتاب الذي ركز فيه المؤلف علي أسباب الفتنة والفرقة بين الفرق والمذاهب الإسلامية، ويدعو إلي نبذ الفرقة مفنداً أسباب كل طرف للطرف الآخر" (1)، ولكنه عاد  فأصدر بيانا أكد فيه "حرص الوزارة وحرصه الشخصي علي عدم المساس بمشاعر ومعتقدات الأشقاء الأقباط". واعتذر المؤلف المدقق بأنه نقل كلام الغزالي "دون تدقيق"، ثقة منه فيه.

 

***

 

وفي رأيِّنا أن الأمر يستحق أكثر من مجرد الزوبعة التي ثارت، لأنه يمس عددا من المباديء الأساسية والحيوية، وتزداد الأهمية بالنظر إلى التعديلات (أو، بمعنى أدق، الترميمات) الدستورية الجاري مناقشتها الآن. ولنا بعض الملاحظات:

أولا: لا يهم أحدا على الإطلاق في موضوع "التكفير" أنه يعني "كون الكفار مخلدين في النار". فليس هناك أدنى شك في أن أي إنسان عاقل (يستحق هاتين الصفتين) يفضل بليون مرة أن يقضي "آخرته" في أي مكان، حتى لو كان الجحيم، عن أن ينعم بصحبة أصحاب الفضيلة من أمثال محمد عمارة وزغلول النجار ومهدي عاكف وأيمن الظواهري وأبي حمزة المصري وعمر عبد الرحمن وأمثالهم، في جنتهم الموعودة. المشكلة الأهم هي في استباحة الدماء والأموال هنا على الأرض.

ثانيا: لا ينبغي أن ينظر للموضوع باعتباره مجرد "ازدراء بالأديان" التي هي تهمة سخيفة تطبق بصورة انتقائية بحتة بهدف الحجر على حق الناس في التفكير والاعتقاد والتعبير والنقد، بينما المشكلة الأهم هي في أجهزة الإعلام والتعليم (الديني والعام) المملوكة للدولة والتي تقوم بصورة أحادية نرجسية شديدة الفجاجة ليس فقط بالدعاية لأحد الأديان وبنقد الأديان الأخرى، بل بتجريحها وبث الأكاذيب والبذاءات والجهالات حولها. وبالطبع إذا اقترب أحد من الإسلام هاج الهائجون وأضحت الخناجر والقنابل أدوات "الحوار" المفضلة.

ثالثا: ينبغي أن نَحذَر من الإنزلاق إلى جعل الموضوع مجرد إهانة أو ازدراء من "شخص اعتاد التهجم على غير المسلمين" وبالتالي فقد يكون متعصبا أو حاقدا، ويكفي في هذه الحالة أن يعتذر ـ مشكورا ـ عما قال؛ أو أن يعقد أهل الخير جلسة صلح بين المؤلف وبعض الشاكين، ويا دار ما دخلك شر؛ أو أن تقرر الوزارة إعادة نشر الكتاب بعد حذف كلمتين منه (إباحة الدم). فمن ناحية لأن النصوص الدينية معروفة ولا معنى للاعتذار عن ذكرها، ومن ناحية أخرى ـ وهو الأهم ـ لأن هذا الكتاب هو مجرد قشة في كوم التكفيرات التي تبثها وسائل الإعلام والتعليم.... قد تكون تلك هي القشة التي قصمت ظهر بعير الاحتمال لدى غير المسلمين، لكنها مجرد قشة! فلا ينبغي أن ننسى أن جرائم الحض على الكراهية مستمرة بلا هوادة؛ أو ننسى أن مؤلف الكتاب المذكور هو ضيف دائم على منافذ الإعلام الحكومي؛ أو ننسى أن زغلول النجار يستمر في بث سمومه العلمية أو علومه المسممة في كل مكان؛ أو ننسى رأي المجلس الأعلى للشئون الإسلامية (التابع للدولة المصرية) في العلاقات مع غير المسلمين، كما ذكرنا في مقالة سابقة حول "حملة أسلمة مصر في العقود الأخيرة" (2)، وكا لا يزال منشوراً في موقع المجلس: أنه لا مسالمة ولا تصالح مع "أهل الكتاب" ما لم ينجح المسلمون في إذلالهم وإخضاعهم (3).

رابعا: الموضوع يجب توصيفه على الوجه الصحيح: إنه يتعلق بكون جهة حكومية تدعو إلى استباحة دماء وأموال وحقوق فئة من مواطني الدولة، أي بمعنى آخر ـ وبدون مبالغة ـ إجراء تطهير عرقي ضد مواطنين بناء على اختلافهم في العقيدة. ولنتصور ماذا يمكن أن يحدث لو دعت الحكومة في أمريكا أو فرنسا أو البرازيل لقتل وسلب مواطني أي منها من السود أو المسلمين أو الهنود؟! إن المثال الوحيد المعروف في الأزمنة الحديثة لدعوات رسمية للتطهير العرقي هو النازية التي استندت إلى أفكار عنصرية لكي تقوم بحملات ضد الملايين من اليهود والغجر وغيرهم. ومن اللافت للنظر أن أوروبا ما زالت منشغلة ـ في إطار عملية تطهير الذات التي تمر بها ـ بفحص الكتابات والأفكار الفلسفية التي نظَّرت لجرائم النازية، ويدور جدل هذه الأيام حول الفيلسوف الألماني مارتن هيديجر، وهل كان نازي النزعة أم لا. فالتاريخ يعلمنا أن الجرائم الكبرى تسبقها وتمهد لها أفكار إجرامية "كبرى".

خامسا: نلاحظ سرعة انزلاق النقاش إلى الجدل على الأرضية الدينية حيث يسوق البعض آيات وأحاديث وفتاوى تتعرض للمواطنة، كأن يقال مثلا أن "حقوق غير المسلمين الذين يقيمون في وسط المسلمين هو أمر قد حُسم منذ 15 قرنا" (راجع افتتاحية الأهرام في 18 يناير). وبغض النظر عن كون دعوة الإسلام بدأت قبل 1380 سنة شمسية (أو 1426 سنة قمرية) وليس 15 قرنا، وعن كون الكل يعرف أن الحسم الوحيد في أمر حقوق غير المسلمين هو ذلك الموجود بالتفصيل في كتب "فقه أهل الذمة"؛ فإن الإشارة إلى ما حُسم ولم يُحسَم يجب ـ على أي حال ـ أن تبقى خارج الموضوع تماما. يريد أصحاب هذا التوجه اللعب في ملعب "المرجعية الدينية" حيث يجري تبادل الفتاوي والفتاوي المضادة. بينما هم يعلمون أن الأصل الذي يجب أن يكون واضحا وجليا هو أن حقوق مواطنة المواطنين، في أي دولة مدنية متحضرة، ينبغي أن تكون فوق مستوى النصوص الدينية ـ أيا كانت (نكرر: أيا كانت) تلك النصوص ومهما كان ما تقوله سلبا أو إيجابا في هذا الشأن.

سادسا: لنفترض أن هناك جهة قضائية قبلت التحقيق مع مؤلف الكتاب المذكور، فهل يوجد في مصر وكيل نيابة أو قاض يجرؤ على تكذيب حجة الإسلام الإمام الغزالي؟ وإن حدث وفعل، فهل يجرؤ على الرد على أمثال د. محمد شامة، مستشار الوزير، الذي تحدث لجريدة اللواء الإسلامي، التي تصدر عن الحزب الوطني الحاكم، قائلا: [لقد قرأت الكتاب بنفسي وليس فيه شيء يسيء لغير المسلمين (..) وأن العبارة التي وردت في الكتاب من أن اليهودي والنصراني كافران لأنهما كذبا رسول الله صلي الله عليه وسلم، وهو قول صحيح فهل من يعترضون علي ذلك آمنوا بمحمد صلي الله عليه وسلم، فمن لا يؤمن بمحمد فهو كافر به (..) أم مطلوب منا أن نغير القرآن ونلغيه حتي نرضي غير المسلمين، فالقرآن صريح "لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم" (...)].

من المستحيل بالطبع توقع إدانة قضائية لمثل هذه الدعوات للتطهير العرقي. ويزيد من "الاطمئنان" إلى استحالة قيام القضاء بدوره المفترض في إقامة العدل هو ما يدعو للقلق من توجهات لوحظت بصفة متزايدة مؤخرا عند رجاله، مثل تسيُّس الكثير منهم ومساندتهم العلنية لمواقف الجماعة "المحظورة" المتطرفة، أو رفضهم لأسباب "دينية" لتولي المرأة مناصب القضاء، وكذلك لعدد من الأحكام الغريبة التي ينطقون بها. وآخر هذه الأحكام هو ما صدر عن المحكمة الإدارية العليا في 16 ديسمبر الماضي بشأن إمكانية تسجيل "البهائية" كديانة في البطاقة الشخصية. فليس فقط تجاهلت المحكمة القوانين القائمة والدستور الحالي الذي ينص في أحدى مواده على حرية العقيدة، بل استندت فقط إلى المادة الثانية (بشأن دين الدولة والشريعة الإسلامية) ثم راحت تراجع الدساتير السابقة بدءا من 1923 واستنتجت بطريقة مثير للعجب أن "الأديان التي تجب حماية شعائرها هي الأديان الثلاثة المعترف بها". وبرغم كون موضوع القضية لا يتعلق بإقامة البهائيين لشعائرهم، بل مجرد تسجيل هويتهم في البطاقة، أو على الأقل تسجيل "أخرى" في خانة الديانة، إلا أن المحكمة رفضت الطلب لأن البهائية هي ردة عن الإسلام! (ومن ذاك الذي لا يعرف نتيجة الردة؟؟)

 سابعا: نتساءل لماذا لم يتحرك مجلس الشعب، الذي ثار ثورة عارمة منذ أسابيع بسبب تصريحات جانبية لأحد الوزراء عن الحجاب، ولماذا لم يقم باستجواب أو مساءلة وزير الأوقاف عن دعوة استحلال دماء وأموال وحقوق فئة من الشعب؟ ونتساءل لماذا لم تخرج مظاهرات صاخبة من جامعات الأزهر وكافة الجامعات "المدنية" في مصر احتجاجا على صدور مثل هذا الكتاب ومثل هذه الدعوة وبهذه الصورة المباشرة؟ ونتساءل أيضا: أين هي الأقلام والأصوات "الحرة" التي تصدع رؤوسنا يوميا دفاعا عن "الديموقراطية" وحق الجماعات الإرهابية في التعبير عن رأيها أو دفاعا عن "المسلمين المظلومين" في بلاد واق الواق؟ لماذا لا تنتفض ضمائرهم وتشرع أقلامهم أمام هذه الدعاوى الدموية؟ هل يدل التردد كلما حدث تناقض بين نصرة الإسلام وإعلاء العدالة على حالة من الشلل الضميري المستعصي؟

ثامنا: المشكلة الحقيقية، إذن، هي في الدولة ونظامها القائم على مرجعية دينية، قبل وبعد "الترميمات" الجارية على دستورها؛ بينما الأصل في الدولة المدنية الحديثة هو أن تكون محايدة إزاء الأديان والمعتقدات وأن تكفل حرية الاعتقاد. وبهذه المناسبة هل لأحد أن يتكرم بذكر اسم دولة متحضرة واحدة في العالم كله تأخذ على عاتقها، وبصورة هوسية مرضية، مهام الدعوة والتبشير لدين معين، داخل وخارج البلاد، كما تفعل مصر؟

***

أخيرا، إذا كان لقضية أن تُرفع، فهي ليست فقط جنائية ضد د.محمد عمارة وبالتضامن معه ضد وزير الأوقاف ـ بصفته مشرفا على المجلس الأعلى للشئون الإسلامية الذي أصدر الكتاب المذكور وغيره، وبشخصه إذ صرح بأنه لا يرى خطأ في الكتاب؛ بل بالأحرى "قضية سياسية" تُرفع أمام الرأي العام المصري ضد أركان النظام:

ـ رئيس الوزراء بصفته رئيسا للجهاز التنفيذي الذي ينشر مثل هذه الكتب ويمتلك جهازي الإعلام والتعليم الرسميين ويشرف عليهما؛

ـ رئيس مجلس الشورى بصفته، إذ يملك المجلس الصحف القومية ويشرف عليها، بالتضامن مع رؤساء تحرير "الصحف القومية"؛

ـ رئيس مجلس الشعب بصفته، إذ تقاعس عن أداء دوره؛

ـ رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان بصفته، إذ تقاعس عن أداء دوره (إن كان له دور يعرفه)؛

ـ رئيس الجمهورية بصفته، إذ تقاعس عن اتخاذ الإجراءات الدستورية والقانونية والتنفيذية من أجل حماية قطاع من شعبه، يتعرض من داخل جهاز الدولة الذي يرأسه لدعاوى التطهير العرقي لأسباب دينية، ومن أجل حماية الدولة بأكملها من أخطار الدولة الدينية.

وبالطبع فليس هناك أمل كبير في أن تنجح "القضية" في إحقاق الحق وتقويم المعوج ـ ببساطة لأن الرأي العام الذي عبأته الدولة دينيا لدرجة الهلوسة أصبح عاجزا عن رؤية الحق. ولكن لا بأس؛ فالفشل في حد ذاته سيكون دليلا دامغا على الدرك الذي نزلت إليه دولتنا السنية ذات المرجعية الدينية، وسيساعد على فضح نظامها أمام المجتمع الدولي المتحضر.

adel.guindy@gmail.com

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع تقرير جريدة "الفجر" الأسبوعية المستقلة بقلم محمد الباز بتاريخ بتاريخ 16 يناير

(2) راجع كتابنا "الحرية في الأسر" (ص 407ـ417)

(3) www.islamic-council.com/non-muslims_u/Chapter3.asp

 

 

 للتعليق على الموضوع