31 يوليو 2005

 

تنويـعات على لحن الإرهـاب

عادل جندي

 

 

(1)

 

هكذا، وبعد مجزرة شرم الشيخ، انضم 23/7 إلى قائمة التواريخ، مثل 11/9 (نيويورك وواشنطن) و11/3 (مدريد) والفاتح من سبتمبر (مدرسة بيسلين) و7/7 (لندن) وغيرها الكثير الكثير من الأيام التاريخية للغزوات المجيدة في حياة الأمة.

في أزمنة أخرى كان المحاربون يتميزون بأزيائهم وعلاماتهم. وكان للحروب قواعدها وللعسكرية شرفها...[ في مدينة شارتر الفرنسية (80 كم جنوب باريس) يوجد تمثال أقيم تكريما لجنرال من أهل المدينة كان قد شارك في حرب نابليون ضد بروسيا (النمسا). على قاعدة التمثال هناك نص منحوت يشرح كيف أن هذا الجنرال قد أبلى بلاء حسنا. وبعد موته أثناء الحرب، قام جنرالات الجيش البروسي (المدافعين عن بلادهم!) بتكريم جثمان عدوهم (المهاجم!) ثم أعادوه إلى بلاده فرنسا!] 

في أزمنة أخرى كان سفراء "العدو" لا يُقتلون حتى في أعتى ظروف الحرب.

أما في زماننا الأغبر هذا فالمدنيون يُستهدفون والسفراء يُخطفون ويُذبحون (بعد محاكمات "إسلامية" عادلة، بالطبع)، والسائحون ورواد المطاعم والمسارح والمقاهي والأسواق وركاب الطائرات أو الحافلات أو عربات "المترو" يُقتلون عشوائيا.

إنه زمن لم يعد أحدٌ فيه يعرف بالتأكيد إذا ما كان الشخص الذي يسكن في المنزل المقابل أو يركب نفس الحافلة أو عربة "المترو" أو يجلس بجانبه مرتديا ملابس "الكاجيوال" وحاملا حقيبة ظهر من القماش، سيفجر نفسه بعد قليل محاولا قتل أكبر عدد من الآخرين حوله.

إنه زمن مطاردة المفكرين من أمثال سيد القمني، الذي اضطر تحت التهديد إلى الصمت شراء للسلامة الشخصية ولمصلحة أولاده.

إنه زمن الهمج البرابرة الوحوش الذي يتفننون في ابتكار الفظائع إرضاء لأوامر آلهة (يتصورونها) على شاكلتهم؛ أي همجية ومتعطشة للدماء.

كارل فون كلاوسفيتز، الجنرال والمفكر الاستراتيجي من القرن التاسع عشر، وصاحب المقولة الشهيرة: "الحرب امتداد للسياسة بوسائل أخرى"، لو كان يعيش في هذا الزمن فربما قال أن "الإرهاب امتداد للهمجية بوسائل أخرى"

 

(2)

 

كم كانت شفقتنا ورثاؤنا لحال الإعلام المصري المرئي أثناء تغطيته لتداعيات عمليات شرم الشيخ. لم يكن هناك بديل بالطبع لاستمرار هذا الإعلام في دوره التاريخي الذي يقوم به منذ عقود بكفاءة منقطعة النظير في تخريب العقل المصري. لم يجد من المحلِلين والمعلقين إلا المضلِلين الذين يقومون بإلقاء اللوم على اسرائيل وبالطبع على أمريكا!! ولم يجد غير "خبيرٍ في الإرهاب" يتضح من كلامه أنه أقرب إلى كونه "خبيرا إرهابيا"، إذ تولى بحماسة وكفاءة تقديم أدبيات القاعدة كتبرير اعتذاري للمجازر التي تحدث!!

واستنتج آخرون أن استهداف المصريين هو دليلٌ على أن مقترفي العملية أناس "سيئون" لا يمكن أن يكونوا "عربا أو مسلمين". والمعنى الواضح هو أنه لو كان السواح الكفار هم الهدف لكان الأمر "مفهوما"!!

[تكرر هذا الكلام حرفيا ممن يبدو أنهم إرهابيون وإرهابيات شاركوا بطريق الخطأ في مظاهرة "تندد بالإرهاب"، نظمتها الحكومة على عجل في شرم الشيخ لمحاولة إنقاذ السياحة من خراب محقق. والمعنى الواضح هو: أيها السواح الكفار تعالوا، فنحن نحتاج لفلوسكم من أجل أكل العيش؛ ولكننا سنسعد بهلاككم عاجلا أو آجلا...]. 

وقبل ذلك عاش الإعلام، بأنواعه، حالة تخبط مريرة عند معالجته لحادث خطف السفير المصري في بغداد. هذا الإعلام الأخرق كان قد تبنى نسج أسطورة "المقاومة" التي أطلقت على السفاحين القتلة الوحوش في بغداد. وبالطبع فقد غذي هذا، بصورة غير مباشرة، تصورا شعبيا ساذجا بأن "الإخوة" المجاهدين لا يمكنهم إيذاء أبنائنا في العراق. وحتى عندما خرج الإعلام يصف قتل السفير "الشهيد" بأنه عمل "إرهابي" فقد أثبت مرة أخرى الحَوَل (أو العمى) الأخلاقي الذي أصابه، فيجعله يتخبط في توصيف نفس العمل (قتل الأبرياء) طبقا للظروف ولنوعية القتيل. [ولا داعي هنا للتذكير بأن بعض شيوخ مساجد الدولة استمروا، بعد الحادث، في أدعيتهم بأن ينصر الله المجاهدين العراقيين على الكفار!].

وقبل ذلك ببضعة أشهر، قوبل حادث طابا الإرهابي إعلاميا (وشعبيا) بفتور شديد، إن لم يكن الاغتباط، لأن غالبية ضحاياه الأجانب كانوا من "اليهود".

هذا الإعلام، الذي نعرف جميعا أن "التطرف" قد اخترقه حتى النخاع، يعيش، ويضع المتابعين له، في فقاعة من الأكاذيب والتوجهات السايكوباتية ويحتاج لمن يفقأ له هذه الفقاعة!

 

(3)

 

ليس من المبالغة إذن القول بأن دماء ضحايا مجزرة شرم الشيخ ودم السفير، بل قبل ذلك وبعده دماء الضحايا الأبرياء في العراق وغيره، هي إلى حد كبير في رقبة إعلامنا العربي الأخرق؛

وفي رقبة كل المسئولين السياسيين الذين تبنوا السياسات الازدواجية التي تحرض الرأي العام، باستخدام الإعلام الرسمي، على التوجهات الغوغائية وتمارس من وراء الستار سياسات أخرى؛

وفي رقبة الجامعة العربية (وبالذات أمينها العام) التي تتبنى الخطاب الغوغائي بل وتزايد عليه؛

وفي رقبة "الشارع العربي" الذي تعلم الخروج متظاهرا وغاضبا بسبب أتفه الأمور، ولكنه قط لم يتحرك ليعلن رفضه للإرهاب الوحشي. (بل من المذهل ألا تخرج في القاهرة مظاهرة مليونية لإدانة الإرهاب الذي كان وراء قتل السفير المصري أو مجزرة شرم الشيخ)؛

وفي رقبة التعليم الاستعلائي الاستقصائي المبني على الكراهية؛

وفي رقبة فقهاء الإرهاب الذين يسيطر خطابهم التحريضي على منابر الإعلام وعلى الكثير من المساجد: وحتى لو وُصف البعض منهم "بالاعتدال" فلنا أن نتساءل ببساطة: إن كان هؤلاء هم المعتدلون فكيف يكون المتطرفون؟ أو نقول: ما أصدق تعبير "مِن متطرفيهم اعرفوا معتدليهم"، حيث التطرف والاعتدال مجرد اختلاف في الدرجة وليس في النوع، أو هو اختلاف على الأساليب وليس الغايات...

 

(4)

 

أيا ماكانت نتائج التحقيقات حول منفذي العمليات الإرهابية في شرم الشيخ أو قبلها في لندن، فالمهم إدراك ثلاثة أمور حيوية:

أولها، استحالة تنفيذ مثل تلك العمليات بدون مشاركة وتعضيد وتنسيق محلي، حتى لو كانت الاستراتيجية أو التوجيهات مستوردة.

وثانيها، أنه مهما كانت الإجراءات الأمنية التي تتخذ أو ينبغي أن تتخذ فمن المستحيل عمليا الوصول إلى حالة "الخطر الصفري".

وثالثها، أن الأهم من أساليب التنفيذ والاحتياطات الأمنية هو الخلفية الفكرية التي تسمح بنمو وترعرع الإرهاب. وهنا نؤكد مرة أخرى ماقلناه سابقا أن "القاعدة" لم تعد مجرد تنظيم إرهابي أو حتى شبكة هلامية (عالمية القيادة محلية التنفيذ)، أو علامة تجارية (فرانشيز)؛ بل قبل كل شيء "حركة إيديولوجية". ولذلك فمن الصعب وضع اليد عليها لأنها في الأساس "أفكار ومعتقدات" تعشعش في الأمخاخ، وغالبا ما يصعب التعرف على معتنقيها بغير الدخول في دائرة تفتيش الضمائر واستخدام أساليب لا يمكن للمجتمعات المتقدمة (التي هي العدو المستهدف الأساسي) أن تلجأ إليها بغير تدمير أسس المجتمع المفتوح نفسه، والتي تقوم على الحرية والثقة. ولذا تبدو هذه الحركة القاعدية متجددة بصورة تشبه الحية الأسطورية "هدرا" ؛ في كل مرة يُقطع لها رأس تنبت مكانها رؤوس.

"القاعدة" التي كان مؤسسوها وقادتها، كتنظيم، من أبناء الحركات الوهابية والإخوانية، أضحت مع الوقت حركة ذات أيديولوجية متميزة. فهي امتداد للحركتين الأم لكن، وإن كانت تشارك ذات الهدف النهائي، إلا أنها تقوم على ضرورة إعلان الحرب الفورية واتباع وسائل العنف المكثف للوصول إلى هدفها بصورة أسرع! وهي حريصة في تكتيكاتها الحربية على الضربات "الميدياتية" التي لها بصمات معروفة وتتصف بالمفاجأة الاستعراضية والشراسة الوحشية، لكي تجذب الانتباه وتروع وتربك الأعداء.

[ولا داعي هنا للتفلسف في محاولة الإجابة على تساؤل "لماذا مصر ولماذا الآن؟" فتحويل مصر إلى "مصرستان"، وبأسرع ما يمكن، هو أمر معلن بوضوح في "أدبيات" القاعدة كهدف مرحلي (مثل الاستيلاء على السعودية بثرواتها) على طريق الهدف الأسمى! وربما ساعد الاسترخاء الأمني الذي جاء نتيجة الثقة الزائدة، أو لانشغال الإجهزة بالمظاهرات والاستعداد للانتخابات، على اختيار هذا التوقيت بالذات..]

 

(5)

 

يدفن الكثيرون رؤوسهم في الرمال (راجع مثلا الأستاذ رجب البنا في أهرام 10 يوليو) زاعمين أن مجرد وصف الإرهاب الإسلامي ب "الإسلامي" هو نوع من العداء للإسلام أو الافتراء عليه، لأن "جماعات الارهاب المنتشرة في العالم من أصحاب الديانات الأخري تُنسب جرائمهم اليهم كأشخاص أو كجماعات ولا تُنسب إلي دياناتهم...‏".

مثل هذا الخطاب هو من باب الهروب الكبير، إن لم يكن محض الاستعباط. فالحقيقية التي لا شك يعلمها أمثال الكاتب المحترم، هي أنه بالإضافة إلى كون الأغلبية الساحقة من الإرهاب العالمي اليوم هو الإرهاب الإسلامي، فهناك فروق أساسية ونوعية (كيفية) بين الجماعات الساعية للانفصال أو الاستقلال، مثل جيش التحرير الأيرلندي والباسك والتاميل الخ، وبين حركات الإرهاب الإسلامي:

1 ـ المنتمون للجماعات "الانفصالية" التي تلجأ للإرهاب هم بدون استثناء محليون (أيرلنديون، سريلانكيون، أسبان الخ بينما أتباع حركات الإرهاب الإسلامي يأتون من عشرات الجنسيات، لكن يربط بينهم كونهم جميعا بالطبع مسلمين (ليس فقط بالميلاد، بل أحيانا بالتحول). قد يكون كل هؤلاء أو بعضهم غير فاهمين لتعاليم دينهم، لكن هذا كلام خارج الموضوع...

2 ـ الجماعات "الانفصالية" لها أهداف سياسية محلية محددة؛ قد تكون غير مقبولة ولكنها على الأقل قابلة للتفاوض، ويمكن في كثير من الأحيان الوصول إلى تسويات بِانها. الإرهاب الإسلامي، من ناحية أخرى، ليس له أهداف سياسية محلية بالمعنى المباشر بل هو "أيديولوجية" عالمية تقوم على يقين مطلق بحتمية تطهير الكرة الأرضية من "الكفر" وإخضاع البشرية لسطوة دولة الإسلام وشريعته. وتساند الأيديولوجيةَ استراتيجيةٌ تحريضيةٌ تدميريةٌ إهلاكية لا تعرف حدودا لما يمكن أن تقترفه.

أما ما يُزعم أحيانا من "أسبابٍ" (فلسطين، العراق، أفغانستان الخ) لمجازره فهي اعتذاريات وتلاكيك فارغة. وحتى لو تم حل تلك المشكلات بصورة "مُرضية تماما" (أي محو اسرائيل من على الخريطة مع التخلص من أبناء الخنازير والقردة؛ وإعادة العراق وأفغانستان تحت أقدام الصداميين والطالبان....) فلن يعدم الإرهابُ الإسلامي إخراجَ أسباب أخرى من قائمته الطويلة، بدءا من الغضب بسبب القضاء على الخلافة الإسلامية إلى الانتقام لضياع الأندلس أو للحروب الصليبية أو حتى بسبب مقاومة فيينا ورفضها "الانفتاح" أمام الغزو العثمانلي في مطلع القرن السابع عشر الخ الخ.

وأما ما يسوقه بعض "المحلِلين" حول "الفقر" أو "عدم التعليم" أو "الإحباط" أو "النظم الديكتاتورية" أو "عدم اندماج الأجيال الثانية من المسلمين في الغرب" الخ، فهو من باب الجهل أو الدجل أو كليهما. فقد أثبتت الدراسات أنه ليس هناك علاقة بين أي من تلك العوامل والدوافع الأيديولوجية للإرهاب الإسلامي.

3 ـ باستثناء التاميل (سريلانكا) الذين تعلموا من الجهاديين أسلوب العمليات الانتحارية (التي يقتصرونها عادة على الأهداف العسكرية فهناك فارق نوعي واضح في درجة العنف بين باقي الحركات "الانفصالية" وبين الإرهاب الإسلامي الذي يتميز بوحشية وشراسة غير عاديتين.

4 ـ لا معنى للكلام عن ديانات (أتباع) الجماعات "الانفصالية"، فالواقع أن أيا من هذه الجماعات لا ينسب نفسه لديانة أو يزعم أنه يفعل ما يفعل باسمها أو تنفيذا لأوامرها. [وحتى لو حاول جيش التحرير الأيرلندي ـ مثلا ـ فلن يجد بالطبع آيات من الإنجيل تدعم أساليبه]. بينما نجد، من ناحية أخرى، أن جماعات الإرهاب الإسلامي هي التي تنسب نفسها للإسلام بالإعلان عن هويتها وبالاستناد إلى نصوص دينية (حتى إذا كان صحيحا أنها أخطأت في التفسير والتأويل) لتبرير كل ما تفعل.

إذن بدلا من دفن الرؤوس في الرمال والشكوى من مؤامرات (لا وجود لها) تهدف تشويه سمعة الإسلام، لابد من مواجهة الحقائق والتعامل معها.

 

(6)

 

الأغلبية الكبيرة في العالم الإسلامي هي بالطبع بريئة ومسالمة ولكنها أيضا مسئولة بصفة أساسية وتضامنية؛ على الأقل بالتعضيد المعنوي أو بالصمت الذي هو علامة الرضا أو بالإنكار أو باللامبالاة.

فالمأساة الحقيقية هي أنه لم يعد هناك حاجة لدلائل على كون أيديولوجية الإرهاب الإسلامي قد أصبحت ذات جذور شعبية لا يستهان بها في العالم الإسلامي، بما في ذلك (بل بالذات) الأقليات المسلمة المقيمة في الغرب. (وحتى لو كانت نسبة "النشطين الملتزمين" وراء تلك الأيديولوجية لا تزيد عن الواحد بالمائة، فالرقم يصبح مخيفا!). كما لم يعد هناك شك في أن تلك الحركة التي تطفح من "إناء" العالم الإسلامي على باقي البشرية ستستمر، للأسف، طالما بقي ذاك "الإناء" على حاله من تخليق وتخمير الكراهية والتخريب والقتل.

[بالمناسبة: سُئل والد "محمد عطا" مؤخرا بواسطة "السي إن إن" عن رأيه حول حوادث لندن الإرهابية، فكان رده هو "الشعور بالأسف لأن عدد القتلى لم يكن أكثر من ذلك"! ثم طالب القناة بمبلغ خمسة آلاف دولار نظير الظهور على الشاشة معلنا آراءه تلك، مؤكدا أنه لن يحتفظ بالمبلغ لنفسه بل سيقدمه لدعم العمليات القادمة حتما، في لندن أو في غيرها، ضد الكفار!]

 

(7)

 

وحتى عندما يحاول البعض تحسين الصورة، فإنهم غالبا ما يلجأون إلى مقولات عمومية من نوعية "الإسلام دين سلام ولا يوافق على قتل الأبرياء". فالحقيقة هي أن مجاهدي الإرهاب الإسلامي هم مسلحون، قبل المتفجرات والسكاكين، بكم كبير ونسق متكامل من النصوص الدينية والأبحاث والفتاوى، التي يعلنونها في بياناتهم عبر شاشات التلفزيون أو مواقع الإنترنت المتعددة الخاصة بهم؛ والتي لا يمكن لعاقل أن يطالب غير المسلمين في العالم أجمع بتجاهلها ببساطة، وبالتسليم الأعمى بصحة تلك المقولات والتأكيدات العمومية.

وبغض النظر عما سجله التاريخ بغزارة حول علاقة الإسلام الحميمة بالسيف منذ بداياته، فحتى تعبير "عدم قتل الأبرياء" يبدو مليئا بالألغام بمجرد محاولة تعريف "الأبرياء"، إذ يمكن مع قليل من البحث والتقصي اكتشاف أنه، في الواقع، لا يوجد أبرياء من "غير المؤمنين". وباستثناء فِرَق "المؤمنين غير المنافقين" ومن على شاكلتهم، فإن انتهاك أرواح وممتلكات الباقين يبدو أنه ليس فقط "حلالا" بل هو كثيرا ما يصبح واجبا وتنفيذا لمشيئات إلهية. كما أن الوصايا الأخلاقية الأساسية مثل "لا تقتل" أو "لا تسرق" أو "لا تكذب"  الخ، التي ينبغي أن تكون وصايا مطلقة (كما هو الحال في ديانات أخرى؛ بغض النظر عن التزام أتباعها بها)، يبدو أنها تصبح "في التطبيق العملي" نسبية ومعلقة على نوعية الهدف (مثل "الجهاد في سبيل الله") الذي قد يحل معه، بل يُستوجب، ما هو "مُحرَّم".

ولا يحتاج المرء لأن يكون خبيرا متخصصا للوصول إلى مثل هذه الاستنتاجات، بل يكفيه متابعة البرامج الدينية المذاعة، أو قراءة أبواب "الفكر الديني" في الصحافة، أو مراجعة بعض المقررات الدينية في التعليم العام والديني.

إنه إذن لواجب حيوي على المسلمين العقلاء الأبرياء، وهم الأغلبية الكبيرة، تجاه دينهم وتجاه البشرية جمعاء، مواجهة هذه الأسئلة وغيرها بشجاعة. وبالأخص فهو واجب لا يحتمل التأخير أن تقوم قيادات دينية محترمة وذات مصداقية، مثل شيخ الأزهر، ليس فقط بإدانة الإرهاب إدانة حاسمة لا تحتمل اللبس أو التأويل، بل أيضا بفتح أبواب الاجتهاد للعمل على تجفيف المنابع الفكرية للإرهاب.

 

(8)

 

أخيرا؛ لقد كان نابليون هو صاحب المقولة الشهيرة: "ليس هناك في العالم سوى قوتين: العقل والسيف. على المدى البعيد لا بد أن ينتصر العقل".

السؤال المؤلم هو: كم سيكون بعيدا ذاك المدي الذي سينتصر بعده العقل؟ وكم من الدماء سيسفكها السيف قبل أن ترحم السماء هذا العالم وينتصر العقل؟

 

guindya@yahoo.com

 

للتعليق على هذا الموضوع