3 أبريل 2006 

 

 

 

 

"الفالـق ـ الجيـولوجي" الحضاري

عادل جندي

 

 

خمسة أخبار شيقة تواترت في ظرف أسبوع واحد:

 

 الخبر الأول من أنقرة- [وكالة أنباء الشرق الأوسط (18 مارس 2006): أقرت لجنة الشؤون الداخلية في البرلمان التركي مشروع قانون جديد غير مسبوق في تركيا يتيح للمواطن التركي الحرية في اختيار ما ستتم كتابته في خانة الديانة في دفتر الأحوال المدنية (بطاقة الهوية) سواء بشطب الخانة أو تغييرها أو إبقائها خالية من دون تحديد دين الشخص صاحب البطاقة.
     ويشترط مشروع القانون
، الذي يأتي استجابة للشروط والمعايير التي وضعها الاتحاد الأوروبي وبعد ضغوط كبيرة، قيام المواطن التركي بكتابة بيان خطي يقدمه لإدارة الأحوال المدنية يحدد فيه اختياره بالنسبة لخانة الديانة في بطاقة هويته].

وإذ نتمنى أن يرى القانون النور في أقرب وقت، لا يملك أحد سوى أن يهنيء تركيا على هذه الخطوة التي نرجو أن تتكرر في دول إسلاميةأخرى. ولكن يثور تساؤل ساذج: كيف لم تتخذ تركيا مثل هذه الخطوة البديهية والبدائية حتى بعد ثمانين سنة من العَلمانية إلا "استجابة للشروط والمعايير التي وضعها الاتحاد الأوروبي وبعد ضغوط كبيرة"؟

 

الخبر الثاني من كابول ـ [وكالة الأنباء الفرنسية ـ من وحيد الله مسعود (24 مارس 2006): ذكرت المحكمة العليا في أفغانستان أمس أنها تسعي إلي التوصل إلي حل جيد لمسألة الأفغاني الذي يواجه عقوبة الإعدام بسبب اعتناقه المسيحية وذلك بعد موجة الاحتجاجات الغربية علي محاكمته. (...) وقد وضعت هذه القضية (..) الحكومة في أزمة مع الدولة الغربية التي تعتمد عليها كابول في المساعدات العسكرية والمالية والتي طالبتها باحترام حرية الأديان.

وذكر القاضي أنصار الله مولوي زاده الذي يتولي النظر في القضية أن المحكمة تحاول الوصول إلي حل جيد يتضمن محاولة إقناع عبد الرحمن بالعودة الي الإسلام. وصرح لوكالة فرانس برس "هذه مسألة حساسة، نحن نبذل جهدنا لنتعامل مع هذه المسألة بسرعة". وأضاف: "نظرا لأن الإسلام هو دين الرحمة والتسامح، فسنحاول التوصل إلي حل جيد. ونحن نبذل كل ما في وسعنا لإقناع الرجل بالعودة إلي اعتناق الإسلام" .وكان مولوي زاده ذكر الاربعاء إذا لم يعد (عبد الرحمن) الي الإسلام، فسيتم إنزال عقوبة الإعدام به طبقا للقانون.

ويقبع عبد الرحمن (41 عاما) في السجن بينما تجري محاكمته. وقد اعتقل قبل أسبوعين بعد أن أبلغت عائلته السلطات بأنه مرتد عن الاسلام. وصرح متحدث باسم المحكمة أن عبد الرحمن، الذي تحول إلي المسيحية في ألمانيا قبل 16 عاما وعاد إلي أفغانستان في عام 2002، "ربما يكون مختلا عقليا وسيخضع لفحص لقدراته العقلية والنفسية". وحاول مكتب الرئيس الافغاني حميد كرزاي تجنب الضجة بتأكيده علي رفض التدخل الخارجي وعلى أن القضاء الأفغاني مستقل].

ويبدو أن وسائل الإعلام العالمة قد أصيبت بذهول عندما أفاقت على حقيقة الأوضاع في أفغانستان التي تم "تحريرها" من حكم الطالبان الظلاميين. وعلى سبيل المثال فقد تساءلت صحيفة نيو يورك تايمز في افتتاحيتها (24 مارس) بسخرية: "ربما ينبغى أن تعود أفغانستان أيضا لرجم النساء". ودعت كل الدول التي تساند حكومة أفغانستان لإلقاء نظرة فاحصة على المؤسسات القانونية هناك، كما دعت القادة المسلمين في العالم لأن يدينوا بشدة "أولئك الذين قد أخذوا تعاليم الإسلام كرهينة لتزمتهم؛ لأنهم يؤذون دينهم بشدة". ووصفت المحاولات الجارية للإفراج عن عبد الرحمن لأسباب عقلية أو نفسية كوسيلة لتفادي أزمة بأنها "أسلوب رخيص، إن كان القانون سيبقى كما هو".

وفي ألمانيا، حيث أخذ الأمر أبعادا كبيرة لأن عبد اللرحمن سبق وعاش فيها عدة سنوات، كتب كلاوس مالزاهن في مجلة دير شبيجل يقول: "إن دستور أفغانستان الإسلامي الجديد، الذي أقره مجلس اللويا جيرجا، هو أفضل من العدالة الدموية تحت حكم الطالبان (..) لكن حقيقة أن مسلماً يواجه عقوبة الموت بسبب تحوله عن الإسلام تبين درجة البعد عن توفير أبسط الحقوق للمواطن". ويُذَكر الكاتب بأن أحوال الأقلية المسيحية في باكستان ـ التي تبلغ بين خمسة وعشرة بالمائة من السكان ـ ليست أفضل بكثير، إذ يعيشون في "غيتو" ويواجهون التهديد بالعنف بصورة مستمرة؛ ويُذَكر أيضا بأن الكثير من المسيحيين يعيشون في دول إسلامية في حالة "أبارتهايد ديني". وإذ يسخر من رفض الحكومة الأفغانية "التدخل في شئونها الداخلية أو في شئون القضاء المستقل"، يحذر من إمكانية الإفراج عن عبد الرحمن بطريق العفو عنه "لأن الأمر يتعلق بصيرورة حقوق الإنسان العالمية" مذكراً بأن العالم الإسلامي كان قد اشتعل بسبب رسوم كاريكاتورية بلهاء، ولكن هناك الآن حقوق أساسية وحياة بشر يجري تهديدها.

وكما هو معروف، فقد أفرج عن عبد الرحمن يوم 28 مارس باعتباره "مختل العقل"... وفي الحال خرجت مظاهرات حاشدة تطالب بالموت له. وصرح رجل الدين الشيخ عبد الرؤوف لوكالة الأسوشيتد برس قائلا "إن رفض الإسلام هو إهانة لله. ولن نسمح لله بأن يهان. يجب أن يموت هذا الشخص" وأضاف قائلا: "الحكومة تتلاعب (بالإفراج عنه) ولكن الناس لا يمكن الضحك عليهم. وسوف ندعو الناس لتمزيقه إربا حتى لا يبقى منه شيء. فالشريعة واضحة تماما في هذا الموضوع (..)".

 

الخبر الثالث من الجزائر ـ [وكالة الأنباء الفرنسية (21 مارس 2006): أقر مجلس الأمة الجزائري أمس قانونا ينص على إنزال عقوبات بالسجن لمن "يحاول دعوة مسلم إلى اعتناق دين آخر"، حسبما أفادت وكالة الأنباء الجزائرية.

وينص القانون المصادق عليه على إنزال عقوبات بالسجن تتراوح بين سنتين وخمس سنوات وغرامة بما بين 500 ألف إلى مليون دينار (ما بين خمسة وعشرة آلاف يورو) في حق كل من "يحث أو يرغم أو يستخدم وسائل الإغراء لإرغام مسلم على اعتناق دين آخر". كما ينص على إنزال العقوبات نفسها في حق كل شخص "يصنع أو يخزن أو يوزع منشورات أو أشرطة سمعية بصرية أو أي وسائل اخرى تهدف إلى زعزعة الإيمان بالإسلام". ويحظر القانون ممارسة أي ديانة ما عدا الإسلام "خارج المباني المخصصة لها، ويُربط تخصيص المباني لممارسة الديانة بترخيص مسبق"].

ولا تعليق لنا على هذه القوانين التي تكشف إصرار أصحابها على العيش في مرحلة كهوف ماقبل الحضارة. لكن نسأل فقط سؤالا ساذجا: هل الإسلام بهذه الهشاشة ليخاف من "التبشير"؟ وسؤال آخر لا يقل سذاجة: لماذا لا يوقفون في نفس الوقت حملات "الدعوة" التي يرسلونها، هم وأشقاؤهم من مصر والسعودية الخ، لأسلمة أوروبا مستفيدين من أجواء الحرية التي يحجرونها ويحظرونها ويخنقونها في ديارهم؟؟

 

الخبر الرابع من نيو يورك ـ [صحيفة النيويورك تايمز (25 مارس): من القاهرة ـ أجرى مراسل الجريدة، مايكل سلاكمان، مقابلة مع القيادي الإخواني عصام العريان ذكر فيها: السيد عريان واضح بشأن أجندته: تحويل مصر طبقا لرؤيته حول الدولة الإسلامية، حيث القرآن ليس فقط أساس التشريع، كما هو الحال في مصر اليوم، بل هو القانون. ولكنه يرفض ما يقال من أن الإخوان معادون للديموقراطية. (..)].

لا نملك سوى شكر د. العريان على وضوحه. وإذا كان لدى أحد أدنى شك حول نوايا الإخوان، أو في احتمال تغيير أهدافهم بعد نجاحاتهم الانتخابية الأخيرة في مصر وفلسطين، ففي هذه التصريحات ما يكفي.

 

الخبر الخامس من القاهرة ـ[صحيفة الأهرام (يوم 25 مارس): من الرباط ـ ذكرت مصادر مغربية أن مدرب كرة القدم الفرنسي فيليب تروسييه وزوجته اعتنقا الإسلام في الرباط حيث يملكان منزلا‏.‏ وأوضحت الصحف المغربية الصادرة أمس أن‏ تروسييه لم يعد فيليب وانما عمر‏،‏ وزوجته لم تعد دومينيك بل أمينة‏، مشيرة إلي أن مراسم اعتناق الإسلام تمت أخيرا في الرباط بحضور اثنين من القضاة الدينيين‏‏ (..) ‏ورحبت صحيفة‏ "لوبينيون‏" (‏الرأي‏)‏ الصادرة بالفرنسية بالزوجين قائلة‏‏ هلا بكما عمر وأمينة في مملكة الرحمن‏، مملكة الحق‏"‏ واعتبرت‏ "اعتناقهما الإسلام مفاجأة رائعة‏" (..)].

لاحظ كيف أن صحيفة في دولة لا تفقه شيئا عن الحرية الدينية تهلل (في صفحة الرياضة!!) لقيام شخص يتبع دولة ثانية باعتناق الإسلام في دولة ثالثة. منتهى الحول العقلى والأخلاقي!

 

***

هذه التقارير الآتية من قارات مختلفة، مترابطةٌ تماما؛ حتى وإن لم يكن هذا واضحا لأول وهلة. وهي تبين اتساع هوة الفالق الجيولوجي الثقافي الحضاري ((cultural fault-line بين العالم الإسلامي والغرب ـ أو في واقع الأمر العالم (غير الإسلامي) بأكمله.

عند الكلام عن "الحرب ضد الإرهاب" يحرص قادة الغرب على التأكيد بأنها ضد أصولية إسلامية "حرفت وشوهت" ديانتها بإسم إيديولوجية دموية متعصبة؛ ويصرون على أن الصراع ليس مع الإسلام في حد ذاته. وهذا صحيح تماما.

لكن الواقع، كما يقول روجر كوهن في الهيرالد تريبيون (25 مارس)، يدل بوضوح على أن هناك تناقضٌ وتصادمٌ (conflict) لا يمكن التهوين منه أو الالتفاف حوله عبر حوار ديني أو ثقافي مهما أطنب؛ تتصارع فيه قيم الغرب (التي هي قيم الحداثة) مع قيم "الإسلام". وبالإضافة إلى القضايا التي ذُكرت أعلاه وغيرها مما يحدث داخل العالم الإسلامي، فإن ما يجري في أوروبا هذه الأيام يدل بوضوح على أن "الإسلام" والغرب يتصادمان أيضا داخل المجتمعات الأوروبية ذاتها، حيث توجد رؤيتان متناقضتان للمجتمع ودور الدين فيه.

كل هذا يعيد التذكير لمن ينسى بأن عالم الإسلام والغرب، حتى وإن لم يكونا في حالة حرب شاملة (وإن كان أتباع الفاشية الإسلامية في كل مكان يدفعون بشراسة لكي تقع، وبأسرع ما يمكن)؛ إلا أنهما في حالة تصادم وتناقض عام. ومن قصر النظر إنكار أن "الإرهاب" و "الحرب على الإرهاب" ليسا أكثر من تعبيرٍ حاد عن هذا التناقض.


guindya@yahoo.com

 

للتعليق على هذا الموضوع

 

"reda mestour" <mestour.r@menara.ma>

Date: Tue, 4 Apr 2006 23:25:39 -0000

..لكن ، ما العمل لردم الفالق ؟ هذا معروف و مفهوم