18 نوفمبر 2005

 

انتفاضــة حراميــة الفرنســاوية

عادل جندي

 

 

تعبير "انتفاضة حرامية" لم يكن موفقا عندما أطلقه أنور السادات على "مظاهرات الخبز" التي انفجرت في في يناير 1977 ولكنه أنسب ما يمكن أن يوصف به الهياج المدمر الذي قام به شباب المهاجرين من شمال وغرب أفريقيا، والذي عم فرنسا لما يقرب من ثلاثة أسابيع حتى الآن ونتج عنه تدمير تسعة آلاف سيارة والمئات من الحافلات والأبنية العمومية (مدارس ودور حضانة ومراكز رياضية ودور مسنين وكنائس الخ) والخاصة (صيدليات ومحلات ومجمعات تسويق ـ "مول"ـ الخ). وإن كان عدد الضحايا محدودا جدا فهذا يرجع لضبط النفس الذي مارسته الشرطة التي لم تطلق أكثر من قنابل المسيلة للدموع بالرغم من تعرضها لإلقاء الحجارة ولطلقات بنادق الصيد من المشاغبين. وقد تم القبض حتى الآن على ما يقرب من أربعة آلاف شخص لكن أغلبيتهم أفرج عنهم لكونهم من الأحداث الذين يعرفون، ويعرف من يتلاعبون بهم، أنهم في مأمن من العقاب القانوني. واضطرت الدولة لتطبيق قانون الطواريء (لمدة 12 يوما، مددها البرلمان لثلاثة أشهر).

 

كان هناك الكثير من الكلام خلال السنوات الماضية، وخاصة أثناء الحملات الانتخابية، حول مشاكل المجتمع واحتمالات حدوث انفجارات به بسبب انفلات الهجرة؛ لكن ما جرى  في فرنسا، وهي بلد معتاد تماما على التظاهرات والإضرابات بسبب وبدون سبب، كان له وقع الصدمة الصاعقة بسبب مفاجأته، واتساع مجاله إذا شمل بسرعة فائقة المئات من المدن، وامتداده الزمني، وفوق كل شيء لدرجة العنف الهمجي الذي لازمه. ويساق عدد من الأمثلة في هذا المجال: هناك حالة السيدة المعاقة التي رأت أحد "الشباب" الهائجين يرش البنزين في الأوتوبيس الذي تركبه تمهيدا لإشعاله، فطلبت منه ألا يفعل، على الأقل حتى لا تحترق هي بالنيران (إذ تجلس على كرسي متحرك)؛ فما كان منه إلا أن صب البنزين عليها قبل أن يقفز ويلقي بشعلة نار على الأتوبيس. (مازالت السيدة ترقد بين الحياة والموت في أحد المستشفيات). وهناك مثلا حالة رجل في الستين من عمره حاول إطفاء نار، كان أحد "الشباب" الهائجين قد أشعلها في "مقلب قمامة" بمدخل العمارة، حتى لا تحدث كارثة محققة؛ فما كان من ذلك "الشاب" إلا أن هشم رأس الرجل. كل هذا وغيره يدفع إلى التساؤل حول طبيعة ودوافع هذا العنف الهمجي...   

 

***

 

لماذا حدث ما حدث؟ ما أكثر ما يساق من أسباب، بعضها وهمي وبعضها حقيقي لكن لا علاقة له بالموضوع؛ وبعضها، فقط، حقيقي ومرتبط بالمشكلة. فلنحاول استعراض أهمها في عجالة سريعة:

 

الهجرة: بالرغم من الوضع الاقتصادي غير الصحي فإن فرنسا هي، مثل معظم الدول الأوروبية الأخرى،  هدف لموجات لا تتوقف من الهجرات (الغزوات؟) التي بلغ معدلها حوالي 140 ألف شخص سنويا خلال السنوات العشر الأخيرة، معظمها هجرة غير شرعية غالبا من شمال وغرب أفريقيا. وحتى الهجرة "الشرعية" فمنها 25 ألف تندرج تحت عنوان "لم الشمل العائلي" إضافة إلى 30 ألف حالة استجلاب زوجة (أو زوج) من الموطن الأصلي لأشخاص مقيمين أو متجنسين؛ وهي لا يخلو من الغش إذ كثيرا ما يتم الطلاق بمجرد الحصول على الأوراق اللازمة. وبعكس ما يحدث في "دول الهجرة" مثل كندا والولايات المتحدة واستراليا حيث تقوم الدولة باختيار المهاجرين طبقا لاحتياجات المجتمع وتبعا لنظام "نقط تأهيلية"؛ فإن المهاجرين الجدد في فرنسا هم في الاغلبية الساحقة من غير المؤهلين الذين يفرضون أنفسهم على المجتمع، ولذا فإنهم سرعان ما ينضمون إلى قوافل العاطلين الذين يعيشون على معونات الدولة  أو على الاقتصاد التحتي.

 

أما عن قدامى المهاجرين من شمال أفريقيا، فقد جاءوا في الستينيات مع الاستقلال ومع بدء حقبة من النمو الاقتصادي، لم تدم طويلا. وكان هؤلاء في الأصل عمالا وافدين، ولكن معظمهم قرر البقاء لأن البديل الممكن (أي العودة لبلادهم الأصلية) كان سيعيدهم (كما يقول الفرنسي من أصل جزائري يزيد شير، الذي أصبح الآن صاحب شركة في مجال المعلوماتية) "إلى الجوع والحفاء الذين طالما عانى منهما جيلنا". وقد ساعدت على استقرارهم السياسة التي استنها في 1976 جيسكار ديستان، رئيس الجمهورية عندئذ، بتسهيل دخول عائلات المقيمين (قانون "لم الشمل العائلي").

 

البطالة: تبلغ نسبة البطالة بصفة عامة في فرنسا الآن حوالي 10%  (مليونان وسبعمائة ألف عاطل)، وهي نسبة مرتفعة لم تنجح كافة الجهود عبر العقود الثلاثة الأخيرة في عمل شيء سوى تخفيضها قليلا عما وصلت إليه في التسعينيات (12,5%). أما بين الشباب تحت 25 سنة فالنسبة ترتفع إلى 23% إذ يواجه طلاب العمل الجدد صعوبات شديدة في دخول سوق العمل الذي لا ينمو، إن لم ينكمش بفعل العولمة وانتقال بعض النشاطات كثيفة العمالة إلى مناطق أخرى كالصين وشرق أوروبا، ولأسباب هيكلية أخرى (ليس هنا مجال مناقشتها). وتصل نسبة البطالة في الأحياء "الشعبية" (التي ترتفع فيها نسبة المهاجرين) إلى 35% بين الشباب؛ ولهذا أيضا أسباب متعددة. وهناك جهود هائلة تبذل؛ من بينها الإعفاء التام من الضرائب واشتراكات الضمان الاجتماعي للشركات التي تقام في 85 "منطقة حرة" موزعة عبر أنحاء البلاد، بشرط أن يكون العاملون بها من سكان مناطق شعبية معينة، عالية البطالة. على أي حال، فإن مشاكل البطالة، التي تشمل كافة قطاعات المجتمع لا تبرر بأي حال من الأحوال الهياج المدمر الذي حدث.

 

الإسكان: الأحياء الشعبية، منبع الشغب، هي بالطبع أكثر تواضعا من غيرها، لكن لا بد من ملاحظة أنها أساسا تجمعات من المساكن التي أقامتها الدولة وتؤجرها بمبالغ رمزية، بل إنه نادرا ما يُطرد ساكن لعدم دفع الإيجار. وقد خصصت الدولة في ميزانية العام الحالي ما يزيد على سبعة بلايين يورو لمشروعات الإسكان والبيئة في تلك المناطق، بما مجموعه 34 بليون يورو منذ عام 2000 ولكن تلك الأموال الطائلة يبدو كما لو كانت تذهب في بالوعة مفتوحة إذ يؤدي الإهمال والقذارة، إن لم يكن التخريب المتعمد، إلى التدهور السريع للمشروعات.

 

الفقر:  بغض النظر عن كونهم "فرنسيين" أو مهاجرين متجنسين أو مقيمين، يحصل العاطلون على بدلات بطالة وتحصل العائلات على دعم شهري لكل طفل، مما يجعل دخول عائلات المهاجرين (حيث متوسط عدد الأطفال هو عادة ثلاثة أضعاف عائلات "الفرنسيين") لا يستهان بها، وقد يعيشون عليها بدون الحاجة للبحث عن عمل. وهناك أيضا معونات أخرى تدفع للمحتاجين الذين لا تنطبق عليه معونات البطالة والأطفال. وبالإضافة إلى كل ذلك فهناك الجمعيات الخيرية المتعددة التي تسد الثقوب في شبكة التكافل الاجتماعي، بينما أصبحت تكلفة "دولة الرفاهية" عبئا ثقيلا ينوء تحته دافعوا الضرائب.

 

العصابات: أيا ما يقال حول الفقر، فقد لوحظ أن المشاركين في أعمال العنف ليس فقط لا تبدو عليهم علامات الفقر، بل إن معظمهم يرتدي الملابس "الكاجيوال" من الماركات الغالية. فالواقع أن الاقتصاد التحتي (من تجارة مخدرات وسرقة وتهريب الخ) انتشر بصورة فظيعة، وتزامن معه تكوين عصابات تتحدى الشرطة وتجعل بعض المناطق خارج نطاق سلطة الدولة. وهذه النقطة بالذات كانت من أسباب صدامات مختلفة في السابق إذ أن وزير الداخلية نيكولا ساركوزي قد أعلن مرارا (عبر سياسة "التسامح الصفري") تصميم الحكومة على قصم ظهر تلك العصابات و"تحرير" سكان المناطق من تسلطها وابتزازها.

 

والجدير بالملاحظة أن زعماء تلك العصابات يطلق عليهم عادة لقب "قايد" ( caïd من أدبيات حرب العصابات في الجزائر)  أو "أخ" (من أدبيات الإخوان)... [وبدون محاولة لجرح شعور أحد، فليس سرا أن نسبة المسلمين هي، كما تشير الدراسات، حوالي 60% من إجمالي نزلاء سجون فرنسا].

 

الانفجار السكاني والأسرة: يشكل أبناء المهاجرين من شمال وغرب أفريقيا 14% من كل المواليد و 9% من كل الأطفال تحت 17 سنة. وتدل التقارير على أن هناك 12 ألف حالة تعدد زوجات في فرنسا تتعلق بأكثر من مائتي ألف شخص؛ بمعدل 15 طفلا وثلاثة زوجات في كل "عائلة". وبالرغم من حظر تعدد الزوجات قانونا، فإن الدولة تتعامل مع هؤلاء كأمر واقع وتقدم المعونات للزوجات والأطفال، بتكلفة تقدر بما بين 300 و 500 مليون يورو سنويا...

 

ولئن كانت نسبة المهاجرين المسلمين (المتجنسين أو المقيمين بصفة رسمية أو غير رسمية) أصبحت تزيد عن 8% من السكان، فإن الإسقاطات الإحصائية تدل على ارتفاعها إلى خُمس السكان بحلول عام 2020 مما ينذر بتغييرات جوهرية في التركيبة السكانية.

 

وعموما تعاني أسر المهاجرين من مشاكل التفسخ بين الأجيال. فالآباء منهمكون في العمل، والأمهات غالبا لا يتحدثن الفرنسية (بل معظمهن أميّات بالعربية) بينما يتمرد الأبناء على سلطة الوالدين وينتهي الفاشلون تعليميا منهم إلى الانخراط في العصابات أو الجماعات المتطرفة...

 

التعليم: التعليم العام في فرنسا مجاني في كل المراحل، بما فيها الجامعية. وهو الأساس لصهر كل المواطنين في بوتقة واحدة تحترم قيم الدولة. ولكن حوالي 115 ألف طالب يتساقطون سنويا من المراحل الإعدادية والثانوية لأسباب أُسرية أو لانعدام الرغبة في التعلم، برغم كافة الضغوط والإغراءات التي تمارسها الدولة، ومن بينها توجيه خدمات خاصة ومركزة إلى "مناطق تعليمية ذات أولوية" (Z.E.P. ) لمساعدة الطلبة المتعثرين تصل إلى إعطائهم دروسا خاصة مجانية. ويتجه بعض المتسربين من التعليم نحو التدريب المهني، ولكن الكثيرين لا يفعلون حتى هذا، وينتهي البعض منهم إلى نشاطات هدامة...

 

ومن ناحية أخرى، فالنظام في فرنسا هو "نخبوي" في الأساس ويستند إلى تكافؤ للفرص يُطبََّق بصرامة شديدة، معتمدا على تفوق القدرات العقلية بدون نظر إلى أي عامل آخر. وبالتوازي مع الجامعات، تقوم "المدارس الكبرى" (grandes écoles)، التي يدخلها الطلبة عبر امتحانات تنافسية قاسية، بتخريج الفئات التي تتقدم بسرعة لتبوء مراكز القيادة في الجهاز الحكومي والمؤسسات والأحزاب. ولذا فشكوى البعض من قلة وجود أبناء المهاجرين في بعض الوظائف العليا يدل على رفضهم لإدراك هذه الآلية.

 

التمييز: لا يمل الفرنسيون من السخرية من أنفسهم واصفين إياهم بالأنانية والشوفينية. ومنهم من يعتقد أنهم بالفعل "خير أمة أُخرجت للناس" (بسبب تراثهم، وخاصة منذ عصر التنوير والثورة). ولكن الحقيقة هي أن فرنسا من أكثر الدول انفتاحا على الغرباء. وتبلغ نسبة المنحدرين ـ حتى الجيل الثالث ـ من أصول أجنبية مختلفة (مثل فييتنام وكمبوديا والصين وإيطاليا والبرتغال وبولندا ورومانيا والأرمن، إضافة إلى شمال وغرب أفريقيا) إلى أكثر من ربع السكان. ولم تحدث من قبل مشاكل أو قلاقل بسبب "شكوى" المهاجرين من التمييز، سوى ما يجري الآن مع المهاجرين العرب والمسلمين.

 

هناك بالطبع حالات تمييز تستوجب الإدانة والعلاج،  لكن لا بد من ملاحظة أن الأمر غالبا ما يندرج تحت ما يطلق عليه اصطلاح (stereo-typing)، الذي لا يوجد له مقابل بالعربية؛ وإن كان يعني "اختزال طائفة معينة من الناس تحت توصيف تعميمي مبسط قد يكون مخلا". كإطلاق صفات سلبية مثل "الكسل" أو "التواكل" أو "عدم الأمانة" على فئة من الناس، أو أن "المرأة أقل كفاءة من الرجل"، أو تعميم صفات إيجابية مثل "الاجتهاد" و "النشاط" و "الدقة" على فئات أخرى (مثل الآسيويين). والذي يحدث في فرنسا، وخاصة مع قوانين العمل التي تجعل الفصل بالغ الصعوبة، هو أن رب العمل، وببساطة، يفضل تعيين من تقل المخاطرة معهم. والدليل على ذلك هو أنه بينما ترتفع نسبة البطالة بين العرب والمسلمين، فإن الإحصاءات (غير الرسمية) تبين أن نسبتها بين الآسيويين هي أقل من المتوسط العام للفرنسيين البيض ذوي العيون الزرقاء.

 

أي أن الأمر لا علاقة له "بكراهية الإسلام والمسلمين"، كما يزعم أساطين المعلقين الظلاميين في إعلامنا الأحول (الذي لا يكف عن بث الأكاذيب الوقحة حول أوضاع الأقليات المسلمة في كل مكان، وينشر بلاهات من عينة "البؤساء في فرنسا" المحرومين من كل شيء، كما يقوم المحللون في الصحف، كالعادة، بدور "المحلل" الشرعي للعنف).

 

على أي حال، نكرر أن التمييز مرفوض، وهو على أي حال غير قانوني ويعاقَب عليه، وسيتم القضاء عليه لأنه ضد قيم الحضارة؛ ولذلك نرى الكل في فرنسا، من مسئولين وإعلام، يتحدثون عنه بصراحة ويعملون على علاجه، مثلا عن طريق برامج "التمييز الإيجابي" التي بدأت الكثير من الشركات الكبرى في تطبيقها بصورة اختيارية، عملا بتوجيهات "المجلس الوطني لمقاومة التمييز". وإعلانات رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء الأخيرة تشير إلى المزيد من الخطوات في هذا الاتجاه. ومن ناحية أخري، فليس سرا أن فرنسا بها وزيران ومحافظ ونائب محافظ من أبناء المهاجرين الجزائريين....

 

[لا مفر من التذكير هنا بأن حالات التمييز لا تمثل نقطة في بحر، مقارنة بما يحدث في الدول الهمجية إياها؛ حيث التفرقة "شرعية" ومقننة وتمارس علنا وبدون خجل ضد مواطنين أصلاء منذ آلاف السنين، وليسوا وافدين منذ عقدين أو ثلاثة].

 

الاندماج في المجتمع: ليست هناك مشاكل اندماج للمهاجرين من أصول آسيوية أو أوروبية، كما أن هناك أعداد لا تحصى من العرب والمسلمين الذين نجحوا في الاندماج وأصبحوا فرنسيين قلبا وقالبا، حتى وإن احتفظوا بتراثهم الديني، ودخلوا كافة المجالات الاقتصادية والأكاديمية والاجتماعية والنقابية والسياسية والوظائف الحكومية؛ وتقدموا، بحسب كفاءتهم، بدون عوائق تذكر.

 

ولكن هناك من لا يملون الشكوي من "عدم قبول المجتمع" لهم، وهؤلاء غالبا ما يتناسون أن الاندماج هو طريق مزدوج الاتجاه. فما العمل مع من يعيشون سجناء نرجسيتهم لهويتهم الأصلية، الأمر الذي ساعد عليه انتشار "الدش" وما يوفره من الانغماس في متابعة قنوات البلاد الأصلية؛ ناهيك بالطبع، وهو الأخطر ألف مرة، عن القنوات "إياها" التي ترعى الإرهاب وتبث رسالة متكررة من تعميق للكراهية وتمجيد للعدمية؛ تدقها ليلا ونهارا في رؤوس المشاهدين، في عملية غسيل (تدمير) مخ هائلة، وعابرة للقارات. 

 

الأصولية الدينية: إضافة لصيحات "الله أكبر" التي أطلقها العديد من "الشباب" الهائج، فإن مواقع الإنترنت التي يستخدمونها في توجيه "العمليات" تعج بالنداءات ضد "قوات الشرطة الصليبية" في "فرنسا أرض الكفار"، مع عدم نسيان الدعوة للآلهة بنصر المجاهدين.

 

ولا بد من ملاحظة أنه مع انتشار الجماعات السلفية وتلك التابعة للإخوان المسلمين التي تبث فكرها (الذي نسميه "الإرهاب الناعم" soft terrorism ؛ وهو أخطر من الإرهاب الانتحاري الفج لأمثال الزرقاوي والظواهري، لأنه أصعب في ملاحظته)؛ يتعرض المهاجرون المسلمون لتوجيهات مختلفة:

 

 الفتاوي التي تحض من ينوون على السكنى وسط الكفار بإضمار الكراهية لهم؛ حتى وإن اضطروا لإظهار العكس حتى تقوى شوكتهم.

2ـ "نصائح" الشيخ يوسف القرضاوي (مثل تلك التي بدأ يوجهها عبر برنامج "الشريعة والحياة" بقناة الجزيرة من نوفمبر 2001 ) إلى المسلمين في الغرب بإحناء الرأس مؤقتا للعاصفة إذا تعرضوا للمضايقات، طالما كانوا أقلية مستضعفة؛ لئلا يعرضوا للخطر الهدف الأسمى، وهو نشر الإسلام ورفع راياته في الغرب. ويبدو أن بعض المسلمين في فرنسا قد بدأوا يشعرون أن أعدادهم وصلت إلى "كتلة حرجة" تسمح لهم بالتغاضي عن نصائح القرضاوي، والدخول إلى المرحلة التالية من الجهاد ضد الغرب الكافر.

3ـ "نصائح" طارق رمضان، وهو ذو شعبية هائلة بين كل المسلمين الناطقين بالفرنسية في أوروبا، بإعلاء هويتهم الإسلامية فوق كل شيء (راجع مقالاتنا حول "الأخ طارق متعدد الأوجه") حيث المواطنة هي مجرد "وضع جغرافي" وبأن "المسلم يحترم قوانين ونظم بلد ما، فقط إذا لم تتعارض مع مبدأ إسلامي". أما عن العنف، فبالطبع يمكن اللجوء إليه "كآخر وسيلة" (!). ويضيف بشأن من "سيضطرون لاستخدام القوة"  أنهم "(..) سيتحركون بنبل وكبرياء ويتحملون بثقة وهدوء كل تبعات قرارهم". أليس من المثير للانتباه أن "الشباب" الهائج يقولون أنهم يلجأون للعنف الآن لأنه "آخر وسيلة" أمامهم؟  وبغض النظر عن "النبل" في ممارسة هياجهم، فمن اللافت للنظر درجة الكبرياء والصلف والوقاحة التي يتحلون بها عندما يتحدثون عبر وسائل الإعلام حول "مطالبهم".

 

*****

 

في الختام نقول:

ليس في أي من الأسباب التي نوقشت أعلاه (مثل البطالة والتمييز والإسكان والفقر) ما يبرر، تحت أي ظرف من الظروف، الهياج الهمجي الذي يحدث. وإذا كانت هناك مشاكل (وهي ليست حكرا على فئة دون غيرها) فهناك من الأساليب المتحضرة ما يكفي لمعالجتها. لكن ما لا يمكن إنكاره هو الآتي: هناك بين المهاجرين المسلمين من يرفضون جملة وتفصيلا الاندماج أو الانتماء، بل يكنون لفرنسا كراهية ملتهبة تبحث عن ذريعة "للتعبير عن نفسها" ولن تنطفيء إلا بحرق البلد الذي فتح ذراعيه لهم. ولو قيل لهؤلاء: "إن كرهتموها إلى هذا الحد فماذا يبقيكم بها؟"، لجاء الرد سريعا: "بل نحن باقون حتى النصر المبين".

2ـ من مفارقات القدر أن يحدث كل هذا في فرنسا عاصمة "العداء لأمريكا" في الغرب، والدولة التي فعلت الكثير لتصبح الصديق الصدوق للعالم العربي والإسلامي والمدافع الأول عن قضاياه. بل إن إعلامها كثيرا ما يتحدث عن "المقاومة"، في وصف العمليات الإرهابية.

3ـ لا نعرف ماذا يخبيء المستقبل لفرنسا، لكن أغلب الظن هو أن النخب الحاكمة من كافة الأحزاب الوسطية (يمين أو يسار) هي في وضع أضعف من أن تفعل شيئا أمام مشكلة تضخمت واستفحلت بفضل عقود من سوء الفهم وسوء الإدارة، وليس أمامها سوى محاولة تهدئة الأمور بأي ثمن، مع ضخ المزيد من البلايين في مشروعات اجتماعية جديدة. وليس من المستبعد نشوب حرب عصابات في المستقبل القريب، أو اللجوء لعميات إرهابية واسعة النطاق. على أي حال، تراقب كافة الدول الأوروبية ذات الأقليات الإسلامية ما يحدث في فرنسا بقلق شديد.

 

أخيرا: من الواضح أن ما يتمناه أولئك الهائجون الآن هو سقوط "شهداء": تدخل الأمورُ بَعدها دائرة سيسعى للعب التصعيدي فيها كل من اعتادوا متابعة مَشاهد أعمال العنف عبر شاشات "الجزيرة" وأخواتها. وعندها؛ سيقف من ورائهم ويشد أزرهم عالَمٌ عربي وإسلامي في حالة هذيان وهياج، يبحث باستماتة عن ذرائع لمواجهاتٍ عنترية مع باقي الدنيا...

 

guindya@yahoo.com

 

  للتعليق على هذا الموضوع