27 فبراير 2005

 

لنـا الإيمان ولهم الحديـد

عادل جندي

 

مرّ ستون عاما على اللقاء الشهير بين الرئيس فرانكلين روزفلت والملك عبد العزيز آل سعود  في 14 فبراير 1945 على ظهر الطراد "كوينسي" في البحيرات المرة الكبرى بقناة السويس. كان هذا اللقاء أساس العلاقات التي قامت بين أمريكا والسعودية؛ وهي علاقات كُتب، وسيكتب، الكثير حول ما فيها من تناقضات وتعقيدات وتشابكات وتحالفات وطعنات وقبلات وصفقات وتوترات.

لن نحاول هنا التعرض لأي من هذا بل نكتفي، من باب الترويح عن القاريء المسكين، بتذكر بعض الطرائف والمفارقات التاريخية، عن طريق عرض مقتطفات لما سجله حول اللقاء "وليم إيدي"، المترجم الوحيد الذي شارك في اللقاء وفي الإعداد له، في كتاب نشره عام 1954. وقد ولد إيدي في لبنان وعمل أستاذاً للغة الانجليزية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وكان أول وزير مفوض للولايات المتحدة بالمملكة العربية السعودية (1944 ـ 46):

*****

كان الملك عبد العزيز(الذي اشتهر باسم "ابن سعود") داهية حاد الذكاء، وكان أكثر مهارة من غيره في استعمال السلاح وفي المبارزة وفي سلخ الشاه، كما فاق غيره في معرفة تتبع أثر الابل والاهتداء في الصحراء. وكان له من الأولاد الأحياء سبعة وثلاثون، وعدد غير معروف من البنات، فأمر النساء في الأسرة المسلمة أمر خاص لا شأن لأحد به.

كان يتمثل موقفُه في قولِه: ن الله قد أعطى الجزيرة العربية الإيمان الصحيح وأعطى الغرب الحديد". ويقصد بالحديد الوسائل التقنية وثمراتها من الهاتف والمذياع والطائرة والقطار ومضخة الماء.

**

أُبلغت في يناير  بأن روزفلت يريد أن يقابل الملك سراً في قناة السويس، وهو في طريق عودته من يالطا (حيث التقى تشرشل وستالين)، وأُمرت أن أعد للاجتماع في سرية تامة، فقد كنا لانزال في حالة حرب مع ألمانيا، وكانت القذائف لازالت تتساقط على القاهرة وعلى قناة السويس.

لم يكن في المملكة من يعرف عن خطط الاجتماع سوى الملك ووزير خارجيته يوسف ياسين. وقبل موعد السفر بأيام قليلة وصل الملك الى جدة قادماً من مكة المكرمة في زيارة "معتادة" ليجتمع بكبار موظفي منطقة الحجاز، وليوزع الصدقات والطعام على الفقراء. وقبلها كنا قد أعلنا أن المدمرة "ميرفي"، التي ستنقل الملك إلى قناة السويس، سوف ترسو في ميناء جدة في زيارة تحية أثناء طوافها الروتيني بالبحر الأحمر.

وإمعانا في تكتم هذا السر، اكتفي روزفلت بأن أخبر تشرشل فقط، قبيل مغادرة يالطا، بعزمه على مقابلة ثلاثة من بلدان الشرق الأوسط: ابن سعود، والملك فاروق، وهيلا سلاسي إمبراطور الحبشة. ولم تعجب تشرشل هذه الطريقة، فأشغل خطوط هواتف الدبلوماسية البريطانية، طالبا تحديد مواعيد للقاء هؤلاء الحكام بعد أن يجتمعوا بروزفلت. كما استشاط غضباً بشأن اتصال الأمريكيين المباشر مع رؤساء دول في منطقة كان البريطانيون يعتبرونها حكراً لهم وحدهم، وكانت كذلك حقا لعشرات من السنين. [بالفعل التقى تشرشل مع ابن سعود في الفيوم بالقرب من القاهرة. وأعاده البريطانيون بعدها لبلاده في الطراد "أورورا". وقد أخبرني الملك أن الرحلة كانت غاية في الملل، وأنه يفضل من جميع الوجوه المدمرة الامريكية، وإن صغرت، لما توفر له فيها من جو ودي للغاية].

بعد ظهر 12 فبراير، أصدر الملك أوامره فجأة لرجاله بأن يقوضوا الخيام ويشدوا الرحال للعودة إلى مكة المكرمة. ولم يكن في هذا شيء من الغرابة، لأن الملك كان يتخذ مثل هذه القرارات عادة لتنفذ في الحال، دون إنذار مسبق. وأرسل برقية بالشفرة الى الأمير سعود ولي العهد في الرياض لينوب عنه في إدارة الحكم، كما استدعى ثاني أبنائه الأمير فيصل، وأمره بتولي مسئولية الحكم في الحجاز. ثم أعلن أسماء الذين سيصحبونه مع قافلة سياراته إلى مكة. ولما دخل سيارته أمر بأن تتجه القافلة إلى رصيف ميناء جدة وليس مكة، وهناك استقل القوارب البخارية إلى المدمرة التي بدأت رحلتها إلى السويس.

غرقت جدة في الإشاعات التي انطلقت كالصواعق، وراح الأعداء من الهاشميين يروجون بأن الملك قد فر من البلاد، كما قيل أن الأمريكيين اختطفوه. أما نساء القصر (اللاتي كان من حظهن مرافقة الملك إلى جدة) فقد ارتدين لباس الحداد وأهلن التراب على رؤوسهن، ونزلن إلى الأمير فيصل يبكين وينتحبن على هجران عائلهن لهن. فأمرهن فيصل بالعودة إلى مساكنهن.

**

قبيل وصول قوارب الضيوف إلى جانب المدمرة، وصلت قوارب أخرى محملة بأطنان من الخضر وأكياس الحبوب والأرز ومائة رأس من الخراف السمينة الممتازة. وطلب الشيخ عبد الله السليمان وزير المالية من قائد المدمرة أن تحمل كل هذه المؤن على ظهرها بأمر ملكي. وكادت تحدث أزمة ولكن الربان استطاع أن يرجىء الأمر قليلاً حتى وصلتُ. أوضحتُ للملك أن مخزون السفينة من المؤن يكفي جميع من عليها لمدة ستين يوماً، فأجاب أن ذلك لايغير من الأمر شيئاً لأن ضيوفه الأمريكيين يجب أن يأكلوا على مائدته التي هي من محصول بلده، وخاصة هذه الخراف الطازجة التي تُذبح يوماً بيوم: فإذ لم يكن للملك خبرة بعد بالتبريد في بلده، فقد طرح جانباً الاقتراح الخرافي القائل بأنه يمكن أكل لحم مضى عليه ستون يوماً، وأصر أن تذبح الخراف يومياً على ظهر السفينة.

وفي النهاية اضطررنا أن نقول له بأن البحارة سوف يُسجنون إذا خالفوا تعليمات البحرية وأكلوا من غير المقرر لهم. فقبِل ذلك وهو يهز رأسه من الطرق العجيبة للكفار، ولكنه أصر على أن  يلتزم كل من معه بقواعد ونظام الغذاء كمسلمين. ووافق القائد على أن يأخذ سبعة خراف أحياء على ظهر السفينة.

**

كانت التعليمات الأصلية هي ألا يزيد عدد مرافقي الملك عن أربعة من ذوي المكانة وثمانية من الخدم والحرس، نظرا لضيق المكان فوق المدمرة وأيضا للحفاظ على السرية.

وكان يوسف ياسين قد أسر إلي بضرورة أن ترافق الملكَ بعضٌ من أزواجه، ولكني أوضحت له استحالة توفير جناح خاص معزول على ظهر مدمرة يجب أن تظل درجاتُها وسلالمُها مفتوحة دائما لمرور البحارة، وأن الملك لا يود لسيداته أن يجتزن السلالم الضيقة شديدة الانحدار حيث قد يفقدن توازنهن مع التمايل المفاجئ للسفينة، فينكشف الحجاب عن وجوههن على الأقل. وقد صُدم يوسف ياسين وخاب رجاؤه عندما علم أنه لم يكن من المستطاع إرخاء ستر على نصف السفينة من أعلاها الى أسفلها للاستعمال الشخصي للملك.

وفي النهاية، وبرغم الضغط الشديد، كان عدد المرافقين الذين أبحرت بهم المدمرة 48 رجلاً. وقد أُعدت حجرة الربان للملك، كما أعطيت حجرات ضباط  للأخ الأصغر عبد الله، ولإبنيه، محمد ومنصور وزير الدفاع، ووزراء ثلاثة آخرين. وضمت المجموعة طبيب الملك الدكتور فرعون ومستشاره.

لكن الملك لم ينم في حجرة الربان، بل فُرش له على مقدم السفينة قماشٌ غليظ ليصبح خيمة، وغطى ظهر السفينة بسجاجيد وضع عليها كرسيه الخاص. وكان يعقد مجلسه طوال اليوم كعادته، وعندما يحين وقت الصلاة كان ملاح السفينة يوجه البوصلة على الاتجاه الصحيح لمكة المكرمة ويتفحصها الملك بدقة مع فلكيه، ثم يؤم أصحابه في الصلاة.

**

اختلط بحارة المدمرة بالعرب، ولم يكن لأي الفريقين سابق معرفة عن الآخر. ولكن الفرق بين الإثنين هو أن الأمريكيين كانوا يرون فيما يحدث من خرق للقواعد على ظهر المدمرة أمراً عجيبا؛ في حين أن الأعاجيب وغير الممكن من الأحداث يسهل على العربي قبولها، سواء وقعت هذه في ألف ليلة وليلة أو في واقع الحياة. فالعربي بطبعه مؤمن بالقدر ويقبل كل ما يأتيه كأنه أمر طبيعي فهو عطاء من الله، وكل عطاء عجيب لا يَسأل عن سره، فالعربي يترجل عن بعيره ويصعد الطائرة دون تأثر، فقد أمد الله البعير بجهاز مناسب للسير على الرمال، كما أتاح للطائرة أجنحة تطير بها كما يطير الطير، فليس هناك من داع إذا للعجب من أمر الطائرة أكثر من العجب لسير البعير أو طيران الطيور.

ولقد تآخى العرب والبحارة بنجاح دون كلام بينهم، وكانت صداقة عجيبة حقاً. لكن العرب احتاروا في أمر الأمريكيين الزنوج وظنونهم عرباً، لأن كل من عرفوهم من الزنوج من قبل كانوا قد جُلبوا كرقيق.

وفي آخر ليلة استضاف الملك ضباط السفينة إلى مائدة عربية. وجلس الجميع مربعة أرجلهم محيطين بالملك الذي كان ألطف ما يكون مزاجاً، فأمتع الحاضرين بقصصه عن غزواته، ووصف معاركه مع خصومه بالأيدي مظهراً لهم أصابعه التي كسرت منذ سنوات ولا زالت عاجزة عن الحركة بسبب إصابتها.

وفي النهاية، وقف عن طيب خاطر لتلتقط له صور وشرائط متحركة مع بحارة السفينة، وقبل أن ينصرف للنوم مبكراً، كعادته دائماً، عُرض أمامه شريط سينمائي. وقد أبدى إعجابه به ولكنه أردف قائلاً: شك في أنه من الخير أن يكون لقومي مثل هذه الاشرطة البديعة لأن ذلك قد يقوي شهوتهم للاستمتاع الذي قد يصرفهم عن واجباتهم الدينية".

وقد كنتُ صلة اللسان والعادات الوحيد بين البحارة والعرب، فكان عليّ أن أمنع الخدم من صنع القهوة على مواقد الفحم فوق مخازن المتفجرات، وأن أمنع البحارة من المرور أمام العرب أثناء صلاتهم، إذ أنه لا يجوز لكافر أن يلقي بظله بين المسلم وبين مكة وهو يصلي. وكان عليّ ان أحول بين العرب وبين غرف الآلات، وأن أحاول العثور على من ضل طريقه في المنعطفات المعقدة للسفينة، وأن آتي به في اللحظة التي يطلبه فيها الملك فجأة... 

**

في العاشرة من صباح 14 فبراير رست المدمرة "ميرفي" إلى جانب الطراد "كوينسي" الذي كان قد أقل الرئيس من الولايات المتحدة الى يالطا، وكان سيقله عائداً الى الوطن. توجه الملك وكبار مرافقيه لمقابلة الرئيس الذي كان يجلس في كرسيه المتحرك على ظهر السفينة. تحدث الملك وروزفلت لمدة ساعة وربع الساعة قبل أن يعلن عن الغذاء. نزلت مع الملك الى الجناح الخاص للرئيس حيث كان لديه وقت كاف للاغتسال. وأثناء نزوله بالمصعد مع الربان، ضغط روزفلت على زر الطوارئ فأوقف المصعد بين طوابق السفينة ودخن سيجارتين؛ ذلك لأنه، وهو مدخنٌ شره، لم يدخن أبداً أمام الملك احتراما له ولمذهبه الوهابي.

وبعد الغذاء جاء القائد ليعلن عن رحيل السفينة، فغضب الملك وأصر على استضافة صديقه الرئيس في المدمرة، وهي منزله المؤقت، على مائدة عربية. وأبدى الرئيس بالغ أسفه إذ لا بد من المحافظة على المواعيد بدقة. فأظهر الملك ضيقاً، ثم طلب من الرئيس أن يشرب على الأقل قدحاً من القهوة العربية، فوافق. وفي دقائق معدودة ظهر سقاة القهوة من العبيد النوبيين طوال القامة بحللهم البهية.

 وقد تفاهم الملك والرئيس تفاهماً رائعاً. ومن بين ما دار بينهما قول الملك أنهما حقاً توأمان إذ أن كليهما في نفس العمر (ولو أن ذلك لم يكن صحيحاً). وأن كليهما رئيس دولة يحمل مسئوليات خطيرة في الدفاع عن شعبه وحمايته وإطعامه؛ وكلاهما مزارع في أعماق قلبه، وكلاهما يحمل في جسمه عاهات بدنية خطيرة ـ فكان الرئيس مضطراً للحركة بكرسي كما كان الملك يسير بصعوبة، لجروح في رجليه. وقد أهداه الرئيس كرسيا توأما لكرسيه، كان موجودا على السفينة. [فيما بعد، كان الملك يريه لأصدقائه المقربين داخل قصره في الرياض، ولا يزال عليه شعار البيت الأبيض، قائلاً: "هذا الكرسي هو أثمن ممتلكاتي، فهو هدية الرئيس روزفلت"].

كان روزفلت طوال اللقاء في أحسن أحواله كمضيف بالغ اللطف ومحدث مرح، في عينيه حيوية وضياء، وتلك الابتسامة المهذبة التي تأسر دائماً من حادثهم وتشعرهم بأنه كصديق لهم، ومع ذلك فحين كنت أنفرد به كان يبدو شاحب اللون تكاد عيناه تخبوان من الإجهاد. وقد مات بعد ذلك بثمانية أسابيع.

لم يشر ابن سعود، حتى تلميحاً، أثناء اللقاء إلى موضوع العون الاقتصادي والمالي إلى المملكة العربية السعودية. لكنه أوضح أن المطلب الوحيد لدولته وشعبه هو الاستقلال. وبعده تأتي رغبته في صداقة روزفلت ودعمه، لأنه قد عُرف نصيرا للحريات الأربع وكل ضروب الحرية، كما تبين للملك أن الولايات المتحدة لا تحتل بلدا ولا تستعبد شعبا. وفي عبارة بسيطة طلب ابن سعود صداقة روزفلت، كما كان يطلب صداقات رؤساء القبائل ليدعم بها تحالفاته معهم.

وفي تلك الليلة أعددت ويوسف ياسين مسودة لمذكرة المحادثات. ووقع الملك على النص العربي للمذكرة النهائية قبل أن ينام، بينما كان طراد الرئيس في تلك الأثناء يعبر قناة السويس متجها إلى ميناء الإسكندرية، حيث وقع على النص الإنجليزي الذي حملته إليه بالطائرة.

رفض الملك فيما بعد أن تستعمل مذكرة المحادثات أو أن يطلع عليها احد، واعتبر هذا اللقاء فرصة تأسست فيها صداقة شخصية بين رئيسي دولتين وبين رجلين، ومثل هذه الصداقة تعتمد تماما على المودة والإخلاص؛ وإذا مات الود والإخلاص بموت روزفلت ولم يستطيع خلفه أن يبعثهما من جديد فلا يمكن إحياؤهما باستخراج قصاصة من ورق.

ولقد أعطى الرئيس عهودا شفهية مؤكدة (ذكرها مرة أخرى قبل موته بأسبوع واحد في خطابه إلى ابن سعود ترقى إلى مرتبة التحالف.

*****

انتهت المقتطفات المنتقاه من كتاب إيدي. بقيت مفارقة أخيرة: فقد أحيل الطراد "كوينسي" إلى التقاعد في نفس الأسبوع الذي قررت فيه السعودية فرض الحظر البترولي على الولايات المتحدة بعد حرب أكتوبر 1973.

 

guindya@yahoo.com

 

للتعليق على هذا الموضوع