29 أغسطس 2005

 

دليل الناخب النابه (الحائر)

عادل جندي

(1)

كل هذا صحيح:

ـ المادة 76 المعدلة ستدرس في مناهج العلوم الدستورية بجامعات العالم باعتبارها من أعجب وأغرب المواد في تاريخ الدساتير، وهي تتناقض حتى مع مواد إخرى في نفس الدستور.

ـ فترة الحملة الانتخابية لا تزيد عن 17 يوما (وليس ثلاثة أسابيع كما يزعم الإعلام)، مقارنة بما لا يقل عن ستة إلى ثمانية أسابيع حتى في بلاد تركب الأفيال. وهي فترة لا تسمح بأي فرصة حقيقية لأي مرشح جدي، وتهدف أيضا للتقليل إلى أدنى حد من فرص تعرض المرشح "الرئيسي" للبهدلة.

ـ من عجائب قانون الانتخابات الكثيرة أن ينص على توقف الإعلان عن نتائج "استطلاعات الرأي" (!!) قبل أسبوع من يوم الانتخاب، أي أن الاستطلاعات (التي هي عادة أسبوعية) ستعلن مرة واحدة أو مرتين على الأكثر، بينما الحاصل في كل العالم أن يراقب المواطنون صعود وهبوط أسهم المرشحين مع الوقت وتبعا لنجاح أو فشل هؤلاء في إقناع واجتذاب الناخبين.

ـ الآلة البيروقراطية الهائلة التي اعتادت تزوير الانتخابات بكافة الطرق، لا يمكنها (حتى لو طُلب منها جديا) أن تتنكر لتاريخها بهذه البساطة، لأن قطع العوائد في هذه الأمور ينبيء بالفأل السيء، مثل أن تدول دولة الداخلية. كل ما يمكن تمنيه هو أن تنجح جهود رقابة القضاء والجمعيات الأهلية في تحجيم التزوير.

ـ الإعلام الذي اعتاد الريادة في التهريج و "البروباجندا" لنصف قرن لا يمكنه تغيير عقله، أو حتى جلده، فجأة. وإن تبدو عليه ـ عند كتابة هذه السطور ـ بعضُ أعراض النزاهة والحياد (التي لا وجه لمقارنتها بتلك التي نراها تنفذ بصرامة في "دول أخرى")؛ فالظاهر، بعد خدش السطح، أنها قد تكون مجرد أعراض حمل كاذب.

الخ الخ الخ

وبرغم هذا كله فإن مجرد عقد أول انتخابات رئاسية تعددية في مصر لا يمكن إلا أن يكون أمرا إيجابيا، باعتبار أن نصف العمى هو أفضل من العمى الكلي، وباعتبار أن مشوار الألف ميل (أو، في قول آخر، العشرة آلاف ميل) يبدأ بخطوة، حتى إن كانت صغيرة.

بل أكثر من ذلك نقول أن الصحوة والفورة التي حدثت في الشارع المصري منذ انطلاق فكرة الترشيح التعددي هي ظاهرة مدهشة جديرة بالاهتمام والترحيب كدليل على حيويةٍ كان الظن أنها وئدت، وعلى لحظةٍ إيجابية طال انتظارها ويجب التمسك بها واستثمارها. وحتى وإن كانت الحالة السياسية في الشارع المصري مازالت تشبه وتعكس الكثير مما يجرى في حياة المصريين (العشوائية، وسكنى القبور، وفوضى المرور، والسحابة السوداء الخ) إلا أنه يكفي كون الكثير من "الخطوط الحمراء" قد تلاشت بصوة لم يكن يتوقعها أحد منذ شهور قليلة، ولم يعد "أولياء الأمور" يعاملون كأنصاف آلهة. وأصبح من الممكن مناقشتهم وانتقادهم بعد عقود من الموافقة على كل حرف ينطقون، والإشادة بحكمتهم وعبقريتهم. كما انتهى عهد "المبايعات" العمياء وغدا المواطن الناخب حرا (نظريا على الأقل) في تحكيم ضميره عند تحديد اختياره.

 ]وهنا نقول بوضوح أن إقدام بعض القيادات الدينية، التي لها احترامها، على إعلان تأييد "أحد المرشحين" لا يجب أن يُنظر إليه بأي حال من الأحوال على كونه يمثل "توجيها عاما" لقطاع من المواطنين (هم بالطبيعة متعددوا الآراء والانتماءات، يدلون بأصواتهم في شأنٍ سياسي وطني وليس دينيا)؛ ذلك لأنه، على خلاف مواقف "الشهادة بالحق وللحق" التي هي واجب وضرورة، فإن شبهة وجود مثل هذا "التوجيه العام" سيشكل تدخلا سافرا وخطيرا في "السياسة" وهو، كما تعرف القيادات الدينية المشهورة بالحصافة والحكمة، أمرٌ لا يُقبل دينيا أو سياسيا، ولن يُغتفر تاريخيا[.

[كما نقول بوضوح أننا لم نكن نتمنى أن تسارع المؤسسة العسكرية لمبايعة وتأييد "أحد المرشحين"، بل أن تكتفي بدورها في الدفاع عن تراب الوطن بدون تدخل في السياسة، وبدون فتح الباب لأن نجد أنفسنا في المستقبل أمام مرشحين لمؤسسات مختلفة، عسكرية أو أمنية أو دينية الخ ].

الخلاصة: نرى أن على كل الناخبين النابهين انتهاز الفرصة لتذوق طعم هذه الوجبة الجديدة، حتى لو كان ماسخا، فهذا واجب عليهم، أولا وقبل كل شيء، لتأكيد أن لصوتهم قيمة وأن الوطن يصنعه أبناؤه وليس حكامه.

كما نرى أن دعوات المقاطعة ليست مجرد سلبية آن الأوان لننفضها، بل إنها بلا مفعول على الإطلاق وتدل على قصر نظر (أو عمى) سياسي بالغ. فحتى لو افترضنا أن 90% من الناخبين استجابوا لتلك الدعوات، فليس هناك في القانون المصري الحالي ما يؤدي  لبطلان الانتخابات. ولن يغير من نتيجة فوز أحد المرشحين بثمانين بالمائة ـ مثلا ـ من الأصوات الصحيحة كونُها لا تشكل في تلك الحالة سوى ثمانية بالمائة فقط من تعداد الناخبين.

بمعنى آخر، على الناخب النابه إدراك أن حجب الصوت لا يعني سوى دفن الصوت؛ بينما المطلوب هو استخدام هذا الصوت في التأثير: إيجابا بالتأييد، أو سلبا بما يطلق عليه "التصويت العقابي" (sanction vote). ومن يتخلفون عن التصويت ليس عليهم سوى ابتلاع ألسنتهم والكف عن الشكوى إن تجاهل المرشحون مطالبهم في المستقبل...

(2)

من ناحية أخرى، مالم تحدث معجزة، فمن المؤكد أن يفوز "المرشح حسني مبارك" بالانتخابات الرئاسية، من الدورة الأولى. العوامل التي في صالحه وضده معروفة، لكن لامفر من الاتفاق على أن أغلب من سيعطونه (حقا) أصواتهم سيفعلون ذلك ليس بناء على برنامجه، أيا كان، بل من باب الخوف والقلق (المشروعَين) من البدائل الأخرى، والاستكانة إلى أن من نعرف أفضل ممن لا نعرف. أي (مع احترامنا له) لأنه أفضل البدائل المتوافرة السيئة.

السؤال، إذن، هو ماذا يفعل الناخب النابه ذو  الصوت الحائر الذي يعرف مقدما أن "أحد المرشحين" فائزٌ على أي حال؟

ـ أولا، فليدرك بوضوح أن هذه الانتخابات ليست لها أهمية إلا في كونها تجربة ("بروفة") للانتخابات النيابية والرئاسية القادمة. ومع ذلك، بل وبسبب ذلك، فليكن هدفه الأول، مرة أخرى نكرر، هو التأكيد على أن صوته سيؤثر، وأن على المرشحين في المرات القادمة عمل حساب لهذا الصوت.

ـ ثانيا، فليكن هدفه العمل على التقليل بدرجة كبيرة من نسبة نجاح "المرشح المؤكد الفوز" لكي لا تزيد، مثلا، عن الستين بالمائة. ومن حسن الحظ أن فوز "المرشح مبارك" بستين في المائة فقط سوف يُحسب (داخليا وعالميا) لصالحه، باعتبار هذا دليلا، إن كانت هناك حاجة إلى دلائل، على أن ديموقراطيتنا ونزاهتنا، حماهما الله، قد وصلتا لقمم جديدة شاهقة..

ـ ثالثا، عليه البحث في برامج المرشحين عن "رؤية" حول شكل مصر ونظامها في المستقبل، وهل سيعاد صياغة دستورها المتخلف المهلهل، والمليء بالتناقض والتخبط؟ وكيف ومتى؟ ويؤسفنا القول أن ما لاحظناه حتى الآن في البرامج المعلنة هو انعدام مثل هذه الرؤية؛ مع الانغماس في كم كبير من التفاصيل والوعود التي تبعث على التثاؤب، حتى إن أمكن تصديقُها. ومع أهمية أن تحتوي البرامج على أمور محددة وبرامج قابلة للتنفيذ والمحاسبة، فإن استنادها إلى رؤية متكاملة هو أمرٌ أساسي.

 

وهنا نؤكد أن مشاكل مصر الاقتصادية والتنموية ليست مستعصية على الحل، فقد سبقتنا إلى ذلك دول كثيرة باستخدام الأساليب العلمية والإدارية؛ لكن ما ينقصها الآن وقبل كل شيء هو الرؤية المستقبلية الحضارية المتكاملة.

ـ رابعا، عليه البحث في برامج المرشحين عن تصوراتهم بالتحديد فيما يخص المسألة الحيوية المتعلقة بالمواطنة وطبيعة الدولة، وهل هم دعاة دولة "مدنية" يتساوى مواطنوها، أم مستعدون لمغازلة فكرة الدولة الظلامية التي تتقدم فيها أُخُوة الدين على إخاء المواطنة وتحتضن فكر التطرف الذي يقف وراء الإرهاب؟ وهل المرشح مستعد للتحالف أو التآلف مع دعاة الفاشية الدينية بأي صورة من الصور سعيا للنجاح؟

[ومن المهم هنا التذكير بأن تعامل إدارات "المرشح حسني مبارك" الأربع السابقة مع هذا الأمر كان، على أحسن الفروض، ملتبسا: فمن ناحية، جرى التعامل مع دعاة الفاشية الدينية بمزيج من القسوة واللين، أمنيا وسياسيا، طبقا للظروف؛ ومن ناحية أخرى اعتمدت نظرية سحب البساط من تحت أرجل أولئك، عن طريق تنفيذ معظم بنود برنامجهم وأهدافهم، لكن بدون شخوصهم. كما أن التعامل مع قضية المواطنة كان دائما يتميز بالاستعلاء والتجاهل، وباعتبارها ملفا أمنيا وليس سياسيا. وليس هناك أدنى دليل، من قراءة البرنامج المعلن، على أن "المرشح مبارك" سيغير أسلوبه بعد نجاحه...].

ـ خامسا، إعطاء "دروس" للأحزاب الأخرى حتى تعرف قيمتَها الحقيقية في الشارع. وهنا ننصح الناخب النابه ألا يعطي صوته لمرشحي الأحزاب التي بلا مباديء حضارية واضحة وثابتة، أوالتي خانت مبادئها المعلنة أو المستعدة للتحالف مع الشيطان في سبيل أن تنجح. وبهذا نعني بالتحديد حزب الوفد (الذي يجب أن يلاحظ الناخبون أن لا علاقة له من قريب أو بعيد بالوفد القديم)، وكذلك حزب الغد الذي تميزت قيادتُه عبر تاريخها، ومواقفها الحالية، بقدر كبير من البهلوانية تجعلنا لا نثق في توجهاته ونتمنى ألا يكون له يد في "غد" مصر.

(3)

لكن، وبعد تجاهل ما يطلق عليه من باب التفكه "حزب" الأمة، وكذلك الأحزاب "الحنجرية" أو الفاشية مثل "العربي الاشتراكي"، و "التكافل"، فماذا تبقي؟ وبماذا ننصح الناخب النابه أن يفعل بصوته الحائر؟

[وهنا، نسجل الأسف لأن حزب "التجمع" قرر مقاطعة الانتخابات؛ فهو من الأحزاب النادرة في مصر التي لها مباديء محترمة (حتى لو اختلف البعض معها) ومواقف شجاعة. ومع تفهم الأسباب، فالمقاطعة كان يمكن أن يكون لها فرصة في التأثير لو التزمت بها كافة الأحزاب المعارضة أو معظمها. (ويبدو أن هذا كان الاتفاق، إلى أن أخل به الوفد في اللحظة الأخيرة وقبل إغلاق باب الترشيح....)].

وإن كان الأمر كله يبعث على الشعور بالإحباط مما يبدو أنه عقم مصر وعجزها عن تقديم أوجه جديدة قادرة على قيادتها، فاللوم الأساسي يقع على النظام الحاكم في نصف القرن الأخير والذي أدى بنا لهذا المأزق الذي لا يمكن، مع شديد الأسف، الخروج منه بدون جهد وإصرار. فلا مفر من فتح نوافذ التفكير الحر وتربية جيل جديد من التنويريين التقدميين المتسيسين والمستعدين للنزول إلى الشارع والدعوة لأفكارهم. ولكن الطريق لن يكون بدون مطبات وانتكاسات، بعد أن تم تخريب العقل المصري عبر عدة أجيال.

على أي حال، وللأسف، لم يبقَ للناخب النابه الآن سوى أن يعطي صوته لأفضل الموجود على الساحة من باقي المرشحين. والهدف هنا ليس إنجاح أي منهم (فهذا عمليا غير معقول، حتى لو كان مقبولا)، بل العمل على توصيل رسائل واضحة بقدر الإمكان إلى مرشحي المستقبل، وخاصة الانتخابات البرلمانية في نهاية العام.

فالمهم أن يدرك المرشحون أن القدرة على منح التأييد أو منعه ("العقاب") هي سلاح لا يستهان به في يد الناخبين النابهين...

والأهم أن تبدأ الخطوة الأولى: يوم السابع من سبتمبر اذهب، أيها الناخب النابه، لمقر الانتخاب لممارسة حقك وواجبك الوطني، وليكن صوتك "لا" لكل من مرشحي أحزاب الوطني (مبارك) والوفد (جمعة) والغد (نور) والأمة (الصباحي) والعربي الاشتراكي (الأقصري) والتكافل (شلتوت) والوفاق القومي (العجرودي). وفيما عدا ذلك (!) احتكم لضميرك بقدر الإمكان! وربما كان ممدوح قناوي، مرشح الحزب "الدستوري الاجتماعي"، أفضل من غيره. فالرجل على الأقل صعيدي؛ بل من الصعيد الجواني!

guindya@yahoo.com

 

للتعليق على هذا الموضوع