14 مارس 2005

 

حـول رتـق الأزيـاء الدســتورية

عادل جندي

 

مبادرة الرئيس مبارك بشأن تغيير دستوري محدود من أجل انتخابات رئاسية "تعددية" هي أمر يستحق الاهتمام.

 

دستور مصر الحالي تم إعداده في 1971 على يد "ترزية قوانين" لديهم قدرات على "تفصيل" القوانين والدساتير على المقاس وحسب الطلب، وذلك ببراعة وابتكارية لا تقل عن براعة وابتكارية مشاهير مصممي الأزياء (الذين ينتجون عادة ملابس تتميز بالجمال والأناقة ـ حتى وإن اختلط هذا بالغرابة ـ بينما تتميز منتجات أولئك بالقبح والتلبيخ). ثم جرى تعديل "الموديل" و "المقاسات" في 1980. وبالإضافة إلى كل شيء، فإنه لم يعد يتماشى حتى مع الواقع، بصورة تجعل النتيجة لا تختلف عما يحدث إذا ارتدت سيدة ترهلت بفعل عوامل الزمن والإهمال ثوبا يليق بهيفاء رقيقة، أو إذا جازفت سيدة مجتمع محترمة بارتياد حفل استقبال وهي ترتدي ثوبا للمرحومة جدتها، نسي الأهل في غمرة الأحزان إهداءه للمعوزين.

لكن بعد أن عشنا ربع قرن تحت إصرار مزمن، بإسم الاستقرار والثبات، على رفض أي محاولة لتغيير الدستور أو تعديله، نجد أنفسنا فجأة أمام مشروع لمحاولة رتق أحد ثقوب الثوب (وما أكثرها) بصورة مستعجلة. يحدث هذا بعد أسابيع قليلة فقط من القول بوضوح باتر أن مثل تلك المحاولات باطلة ومضرة.

على أي حال، لا يهمنا الآن ماذا أدى لهذه المبادرة. ولن نشارك خبثاء القوم شكوكهم حول توقيتها المفاجيء، وادعاءهم بأن هذا "الثقب" بالذات قد اتسع بفعل عوامل "الشد" و "الضغط" من الخارج ومن الداخل مما يجعل الثوب في طريقه للتفتق، بصورة لا ينفع معها حتى ارتداء "حجاب" أو "عباءة"؛ وهذا، بالطبع، مما لا يتماشى مع حشمتنا التي تقتضيها قيمنا وخصوصيتنا، ولذا فمن الواجب عمل شيء، وبسرعة؛

ولن نشارك الخبثاء الآخرين شكوكهم حول النيات الحقيقية وراء الرغبة الدستورية المفاجئة، وما إذا كان الأمر لا يعدو كونه محاولة لتحييد المناكفين والحاسدين عن طريق سلبهم من أحد تلاكيكهم الفارغة حتى "يحلوا عن يافوخ الحكومة"، أو ما إذا كان مجرد محاولة بارعة لتسهيل عملية توريث الثوب (والحكم) بصورة تليق بصاحبة ثوب محترمة مثل مصر؛

 

لكن مازالت لنا بعض التعليقات والتساؤلات:

ـ سنتغاضي عن قصائد المديح التي اندفع شعراء الغبراء الإعلاميين في تدبيجها حول هذه المبادرة التاريخية غير المسبوقة، وإن كنا نلاحظ الإصرار على توصيفها باعتبارها "قرارا" رئاسيا بتعديل الدستور، اتُخذ "لصالح الشعب"؛ بينما من المفترض أن يكون، على الأقل من الناحية الشكلية مجرد "طلب" موجه إلى مجلس الشعب، للقيام بإعداد اقتراح بالتعديل يطرح للاستفتاء الشعبي، ويحتمل ـ نظريا ـ القبول أو الرفض. وبعيدا عن الشكليات، فهذا التوصيف يشي بالفكر الأوتوقراطي الأبوي الذي يقف وراءه، كما يؤكد أن مؤسسة الرئاسة ترفض الاعتراف بإمكانية الاستجابة "لمطالب" من أحد، ويؤكد أنها هي التي بيدها دفع، أو الوقوف في وجه، أي إصلاح، مهما كان؛

ـ سنفترض توافر النيات الحسنة عند إعداد تفاصيل وضع المبادرة الدستورية موضع التنفيذ، فلا ينتهي الأمر باتساع "الثقب" بدلا من رتقه؛ وأن كل "الضمانات" ستتخذ في سبيل القيام بحملات "انتخابية" حقيقية تطرح فيها أمام الشعب، الذي يفترض أنه "مصدر السلطات" (بضم السين وتسكين اللام، وليس بفتحهما)، اختيارات مختلفة عبر برامج والتزامات محددة، وعدم الاكتفاء بالعموميات من عينة مقولة "أحد المرشحين المحتملين" بأن برنامجه "معروف من الشعب، إذ يجري تنفيذه منذ عشرين سنة". ثم نتساءل: هل هناك فرصة حقيقية لأن يجد كافة المرشحين الفرص "المتكافئة" خلال إعلام "محايد" لعرض برامجهم والدفاع عنها؟

ـ نتفهم بالطبع تأكيد "المتخصصين" بأن الانتخابات الرئاسية ستجري "في يوم واحد"، حرصا على "نزاهتها". لكن أحدا لا يتطرق إلى ضرورة النص في القانون المعدل على إجراء انتخابات "إعادة" بين المرشحين الحاصلين على أعلى النسب في حالة عدم حصول أحد على نسبة "خمسين بالمائة". لماذا لا يخطر هذا على بال أحد؟ هل لأن المطلوب، والمتوقع، هو مجرد النزول بنسب الفوز من "التسعة وتسعين بالمائة" الحالية إلى تسعين بالمائة "فقط" باعتبار أن هذا هو غاية المراد في المرحلة التاريخية الحالية من هذه المبادرة التاريخية التي هي جزء من مسيرتنا التاريخية الممتدة إلى مالانهاية؟

ـ كيف ستُمول الحملات الانتخابية؟ هل هناك نية لتقديم تمويل حكومي لكل مرشح بناء على عدد الأصوات التي سيحصل عليها (مثلا "جنيه لكل صوت")؟ وهل هناك أدنى إمكانية لأن تقف أجهزة الحكم المحلي والمركزي "على الحياد" بين المرشحين، بدلا من تجنيد الإمكانيات لخدمة مرشح الحزب الحاكم؟ وهل ستُقبل مراقبة محايدة، داخلية ودولية، دون التمحك في إدعاءات السيادة؟

ـ ما هي العلاقة بين الانتخابات "الرئاسية" وما سيلي ذلك من انتخابات "برلمانية" (مجلس الشعب)؟ لنشرح هذا التساؤل: ما العمل إذا نجح في الانتخابات الرئاسية مرشحٌ ذو برنامج معين، وبعد ذلك حصل على الأغلبية في الانتخابات البرلمانية حزبٌ ذو برنامج مختلف؟ هل سنجد أنفسنا أمام رئيس التزم أمام الشعب ببرنامج، يحكم البلاد عن طريق حكومة تنتمي لحزب التزم أمام الشعب ببرنامج آخر، (وهذا أمر قابل للحدوث خصوصا وأن فترة الولاية هي ست سنوات رئاسيا وخمس سنوات نيابيا). ما العمل عندئذ؟ أم أن "كله عند المصريين برامج"، وأن الأمر في النهاية ليس سوى تمثيلية هدفها فض "المجالس" والتباهي أمام الخواجات (بل وأمام الإخوة العراقيين والفلسطينيين والأفغانيين) بأن أحدا ليس أفضل من أحد، وأن مصر تعيش أزهى "مظاهر" الديموقراطية؟

ـ ما العمل إذا لجأ مرشحون رئاسيون متنافسون إلى تهييج الغرائز الدينية الفجة للشعب، بل واستندوا إلى شعارات من عينة أن ذاك "الدين" أو تلك "الأيديويوجية" هي "الحل"، خصوصا وأنه ليس في القانون ما يحظر مثل تلك الأساليب التي تكررت في كافة الانتخابات البرلمانية السابقة بدون أن يرفع أحد أصبعه بالاعتراض؟ بل ما العمل إذا تقدم مرشح رئاسي ببرنامج يقوم على تحويل مصر إلى دولة خلافة، بصورة أو بأخرى؛ وما يتبع ذلك من إجراءات منح "فئة" من أهلها صفة "الذمية" بصورة قانونية (أي بما يتعدى الصفة الواقعية de facto الحالية)؟ لا تقولوا لنا أن هذا غير ممكن لسبب أو لآخر، فالحقيقة هي أن الدستور المهلهل الذي نحاول رتق أحد ثقوبه يستند إلى الشريعة الإسلامية باعتبارها المصدر الرئيسي للتشريع وبكونها، بالتالي، أساس نظام الحكم؛ وطبقا لهذا الدستور فمن حق أي مرشح أن يتقدم للانتخاب بناء على برنامج كهذا. أكثر من ذلك: إذا نجح مثل هذا المرشح بصورة "ديموقراطية" بناء على برنامجه، فما العمل؟ لا تقولوا لنا، مرة أخرى، أن هذا لا يمكن أن يحدث! فقد حدث، بل وفي أعرق الديموقراطيات الغربية: هل نسينا أن هتلر قد جاء إلى الحكم عبر انتخابات ديموقراطية حقيقية، ثم غير الدستور وفعل بعدها ما فعل؟

ـ ماذا سيحدث لو قرر "زعماء المعارضة" عدم المشاركة في الانتخابات، سواء عن رغبة في "فضح وإفساد اللعبة"، أو عن اقتناع (لأسباب مختلفة) بعدم توافر حد أدنى من فرص النجاح؟ هل ستقوم الحكومة باستئجار مرشح يقوم بالدور المطلوب؟ ومن ناحية أخرى، هل هناك فرصة لأن ترى مصر، لأول مرة في تاريخها، "رئيسا سابقا" على قيد الحياة، يتمتع بحياته كأي مواطن؟ لن يحدث هذا بالطبع إلا إذا قرر الرئيس مبارك عدم ترشيح نفسه، فهل هذا أمر وارد؟

الخ الخ

 

ليس القصد من مثل هذه التساؤلات (المُشاغِبة) التقليل من قيمة المبادرة الإصلاحية الدستورية التاريخية. لكن المهم الآن هو التساؤل حول الاحتمالات المستقبلية بعدها:

ـ أولا: أن تتوالى "الإصلاحات الدستورية" بالمعدل الحالي، أي مرة كل ربع قرن. وبهذا (وبافتراض أن كل الإصلاحات تسير للأمام وليس "للخلف" !) نجد أننا نحتاج لحوالي ألف وخمسمائة سنة لكي يكون لمصر نظام دستوري متحضر يضارع دستور أمريكا أو فرنسا أو اليابان. (طبعا قد لا يكون لهذا أهمية كبيرة في دولة عريقة القدم مثل مصر لديها الوقت كل الوقت، ولا تحب "الهرولة").

ـ ثانيا: أن يسبب هذا "الرتق" ازدياد تفسخ "الثوب" ( أو ـ في مثال آخر ـ يشكل ثقبا في "سد" الاستقرار، تندفع بعده المياه فينهار بصورة لا يتوقعها أحد) ويحدث في مصر ما لاتحمد عقباه؛

ـ ثالثا: أن يتقدم مرشح رئاسي جريء منتهزا هذه الفرصة التاريخية فيقول للشعب بصراحة ووضوح أن أساليب رتق ثقوب ثوب مهلهل لا تجدي كثيرا، (أو ـ في مثال آخرـ إذا كان لديك مبنى من عشرة أدوار آيل للسقوط، فالأجدى من دهان أحد النوافذ هو العمل على إصلاح أساساته بصورة شاملة)؛ وأن خروج مصر من نفق التخلف لن يتحقق إلا بعد البدء بعمل دستور "مدني" متحضر يلتزم بالمعايير العالمية؛ وبالتالي فإن أول مهمات هذا المرشح، إذا انتخب، ستكون العمل على تكوين جمعية تأسيسية تقوم، بعيدا عن مشاركات "الترزية" إياهم، وبمساعدة خبراء دستوريين دوليين، بتولى هذه المهمة الجليلة الحيوية.

نحلم، بالطبع، بحدوث الاحتمال الأخير. لكن بينما لا نظن، بصراحة، أن الرئيس مبارك يميل بطبعه لمثل هذه الأدوار، فإننا نعلم أنه، إذا شاء، قادر على تسهيل عملية الانتقال. هل يفاجئنا مرة أخرى: هذه المرة بمبادرة حقيقية يتذكرها له التاريخ كنقطة تحول حاسمة؟

guindya@yahoo.com      

 

للتعليق على هذا الموضوع