19 فبراير 2006

 

 

 

 

دمقرطـة الإرهاب وإرهـاب الديموقراطيـة (2 من 2)

عادل جندي

 

 

والآن إلى الظاهرة الثانية التي ابتكرها العالم العربي الإسلامي: "إرهاب الديموقراطية".

هناك أكثر من وسيلة للاحتيال على الديموقراطية أو الالتفاف حولها أو اغتيالها:

ـ الديموقراطيات "الشعبية" التي كانت إسما على غير مسمى للديكتاتوريات الشيوعية التي انهارت معظمها مع انهيار الاتحاد السوفييتي ولم يبق منها سوى أمثال "الجمهورية الديموقراطية الشعبية الكورية" التي يرأسها "القائد المحبوب كيم يونج إل"، نجل "القائد الكبير كيم إل سونج". والحق يقال أن تلك النظم كانت تعتبر نفسها "ديموقراطية" طبقا لتعريف الأحزاب الشيوعية، حيث تعني ديكتاتورية الطبقة العاملة (البروليتاريا) التي يمثلها الحزب الشيوعي الذي تتركز قيادته في لجنته المركزية الخ.

ـ القفز عن طريق الديموقراطية إلى إقامة نظم فاشية. والمثال الأشهر في ذلك، كما سبق وكتبنا، هو صعود هتلر إلى الحكم بطريقة ديموقراطية تماما. ومازال المؤرخون يبحثون في كيفية تحول ألمانيا من ديموقراطية ليبرالية مستقرة إلى فاشية بشعة في ظرف مائة وخمسين يوما فقط بين يناير ويونيو 1933.

ـ ديموقراطية "العصارة والمصفاة"، وفيها يقوم النظام الحاكم بإقصاء معارضيه وتحديد من يحق لهم الترشيح للمناصب السياسية بناء على تطابق أفكارهم مع توجهاته. وهذا ما يحدث في جمهورية الملالي الإيرانية حيث تكون "مجلس الخبراء" بعد الثورة الإيرانية التي شاركت فيها قوى متعددة لكن الخوميني وأتباعه انقضوا عليها وتخلصوا من كافة شركائهم. ويقوم المجلس، الذي يرأسه لمرشد الأعلى للجمهورية بفحص المرشحين بتدقيق شديد، بما في ذلك لمنصب رئيس الجمهورية (الذي هو في الحقيقة رئيس للحكومة، ينفذ توجيهات المرشد الأعلى)، قبل السماح فقط لمن يتماشون مع توجهات النظام بخوض الانتخابات. وهذه تجري عادة في جو معقول من الحرية لأنها، في النهاية، تفسح المجال لاختياراتٍ بين متشابهِين: إذ الناخب حر تماما في أن يختار،  بكامل إرادته، عبر طيف الألوان بين الأسود الغامق والأسود الفاتح.

ولكن نموذج "الديموقراطية" الذي نحن بصدده هو الجديد في الموضوع. وفيه يمكن لجماعات ذات أجندات إرهابية أو ديكتاتورية أو توتاليتارية شمولية معروفة مسبقا أن تنجح في الوصول إلى الحكم بتأييد شعبى عن طريق إحدى آليات (procedures) الديموقراطية. أي إنه أحد نتائج اختزال فكرة الديموقراطية لتصبح محصورة في صندوق الانتخابات. وفي هذه الظاهرة، يمكن لأعداء الديموقراطية الذين يعتبرونها رجسا من عمل الشيطان أن يصبحوا فجأة من أشد "أنصارها" المدافعين عنها، ويسرقون شعارات الإصلاح والتغيير ليصبح لها معنى مناقض لمضمونها الأصلي. وإن تجاسر من يعترض، هب "الديموقراطيون الجدد" للدفاع التام أو الموت الزؤام عن لعبتهم الجديدة صارخين في وجوه منتقديهم: "ألستم تطالبون بالديموقراطية؟ هاهي أمامكم بأبدع صورها! أم أنكم ترفضونها لأن نتائجها لا تعجبكم؟"

والخطوة التالية بعد الوصول إلى الحكم هي "إرهاب الديموقراطية" حيث يتم تقنين وممارسة أفعال مناقضة لقيم الديموقراطية بتأييد "شعبي". وتُفرض دساتير وقوانين تتنافى مع مباديء مواثيق حقوق الإنسان العالمية بحجة أنها تمثل رغبة "الأغلبية"؛ وبالتالي فليس على "الأقلية" سوى أن تقبل بهذا أو تبحث لها عن بلاد أخرى! ويجري تحديد خطوط حمراء يؤدي الاقتراب منها إلى التهديد ببحار من الدماء. ويتم كل هذا عبر الادعاء بأن الأغلبية والأقلية ليست مسألة تجمعات سياسية مبنية على الرؤى والمصالح المشتركة، بل جماعات مصنفة طبقا لهويتها (غالبا "الدينية"). وهكذا فإن مجرد موافقة "أغلبية" (طبقا لهويتها) على شيء ما، حتى لو كان يتناقض مع أسس وقيم الديموقراطية أو يعني ذبحها بعد الممارسة الأولى أو لا يقبله الضمير الإنساني بالمعنى الواسع مثل "الحجر على الحريات" أو "تقنين عدم المساواة"، يُقدم على أنه قمة "الديموقراطية".

[وإذ لا نمل عن إعادة التأكيد، المرة بعد الأخرى، بأن الديموقراطية تستند إلى قيم وأسس محددة، فلنتخيل ـ من قبيل التسالي ـ حالة عصابة لصوص تتبع أساليبا "ديموقراطية" بمعنى التوافق بين أعضائها على "الزبون" القادم الذي سيتم سرقته، وعدم القيام بعملية ما لم تتم مناقشتها وأخذ الرأي حولها. هل تعني كل هذه الممارسات أن ما تقوم به العصابة هو "عمل ديموقراطي" ؟]

***

 

هذه الظاهرة الجديدة مرتبطة أساسا بصعود وتنامي الإسلام السياسي في العقود الأخيرة. وبالطبع، فإن الانتخابات لم تخلقه من عدم لكنها قننت واقعا موجودا.

يرى أستاذ العلوم السياسية ألان جيرار سلاما (لو فيجارو) أنه "لا يمكن للمرء ألا يلاحظ الترابط الشديد بين البدء في الممارسات الديموقراطية في العالم العربي الإسلامي وبين صعود أعداء الديموقراطية الأكثر راديكالية وعنفا إلى السلطة" (أو اقترابهم منها). أي إن "الديموقراطية تحولت إلى منصة قفز لأعداء الحرية".

ويعبر فؤاد عجمي، الأستاذ بجامعة جون هوبكنزول ستريت جورنال) عن الأمر بانزعاج شديد: "قيل لنا في السابق أن الخيار هو بين النظم الاستبدادية وبين الإرهاب. وقد استيقظنا على الإدراك المرعب بأن الأوتوقراطيات والإرهاب كانا توأمين، وأن حكام البلاد العربية الخبثاء قاموا بتحويل غضب شعوبهم تجاه بلاد وشعوب أخرى".

ويرى فريد زكريا، رئيس تحرير الطبعة الدولية لنيوزويك، أن "هذا الذي يبدو وكأنه تقبل للديموقراطية لا ينبغي إساءة فهمه واعتباره تقبلا للقيم الغربية مثل الليبرالية والتسماح والحرية. فالبرنامج الذي تتبناه معظم هذه الجماعات هو معاد لليبرالية ويتضمن تراجعا عن حقوق المرأة ويعني المواطنة من الدرجة الثانية للأقليات ويعني المواجهة مع الغرب واسرائيل". ويحذر من أن "تقبل هذه القوى (كأمر واقع) لا ينبغي أن يعني الاحتفاء بها. فمن المهم ألا يُعامل التطرف الديني والتوجهات المعادية للحداثة على أنها تنويعات ثقافية جديرة باحترامها". ويضيف "وكما أظهرت أزمة الكاريكاتير، فإن عنف رد الفعل في بعض أجزاء العالم الإسلامي يشير إلى رفض أفكار التسامح وحرية التعبير، التي هي في قلب المجتمعات الغربية الحديثة".

ويقدم زكريا تحليله لكيفية وصولنا إلى هذه النقطة قائلا: "الأصولية الإسلامية كان لها أهداف ثورية (..) والرغبة في إقامة نظم إسلامية وليس ديموقراطيات غربية كان في موقع القلب من رسالتهم، وغالبا بأهداف عريضة وعابرة للأمم. ولكن اتضح أن تقبل مثل هذه الأيديولوجية كان محدودا. بل إن الناس في الجزائر ومصر والسعودية كانوا يفضلون أن يتقبلوا ـ على مضض ـ الديكتاتوريات التي يعيشون تحتها عن مساندة التطرف العنفي. ومع الوقت، أدرك الكثير من الإسلاميين الواقع وبدأوا في تغيير برنامجهم، وبدلا من الانقلاب العنفي والثورة والفوضى الاجتماعية، أدركوا أن أفكارهم يمكنها في الواقع أن تلقى قبولا شعبيا واسعا. ولذا أعادوا اختراع أنفسهم، مؤكدين على "التغيير السلمي" بدلا عن الثوري".

وبالطبع فالتغيير في الأسلوب فقط، وبدون التخلي عن حرف واحد من الأهداف النهائية. وهكذا شرعوا في إعادة هندسة المجتمعات من أسفل لأعلى وبصورة تراكمية تجعل كل خطوة تبدو صغيرة في حد ذاتها، لكن المحصلة النهائية هائلة. ويتم الاستفادة بمهارة من التذمر الشعبي الناتج عن المشاكل الحياتية أو عن عجز الحكومات عن التنمية الحقيقية، بسبب الفساد والتخبط السياسي الخ. وتجري عملية سحر للعقول، بالتبشير بحلول يوتوبية صحراوية، مغلفة بعواصف كلامرملية تعمي الأبصار والبصائر. (ولا بأس ـ عند اللزوم ـ من إعطاء جرعات مركزة من بول البعير، صباحا على الريق ومساء قبل النوم). وكل هذا سيضمن التسليم والاستسلام الكاملين. ويكون "بارومتر" التغلغل الشعبي عن طريق قياس مظاهر محددة مثل نسبة المحجبات والملتحين.

***

 

وقد تزامنت المراحل المتقدمة لهذا المشروع مع التوجه الجديد في السياسة الأمريكية الذي جعل من نشر الديموقراطية هدفا رئيسيا في "الشرق الأوسط الكبير"، مما ساعد بصورة غير متوقعة على الإسراع بالنتائج الكارثية التي بدأنا نراها.

ولكن كوندوليزا رايس تدافع عن توجهات السياسة الأمريكية قائلة أنه برغم كل شيء فهي "مقتنعة بحكمة زرع الديموقراطية في الشرق الأوسط وأن البديل هو حبس الغضب المتراكم في المنطقة الذي يمكن أن يؤدي لمزيد من العمليات الإرهابية ضد الغرب"، وتعتقد أن "هناك تحولات هائلة عبر الشرق الأوسط، ولكن يصعب التنبؤ بنتائجها لأن هذه ببساطة هي طبيعة التغيرات التاريخية الكبرى".

وهذا الكلام يدل على سيطرة نوع من الفلسفة التفاؤلية المعروفة في أمريكا والتي تحسن الظن بالآخرين إلى حد السذاجة، بدلا من الواقعية المطلوبة في بعض الأحيان؛ أو يدل، كما يقول مارتين إنديك، الذي كان وسيط مفاوضات في الشرق الأوسط في إدارة كلينتون، على "الفشل المفهومي لإدارة بوش التي تعتقد أن الانتخابات والديموقراطية تحل كل شيء".

وقد سبق أن تساءل جريجوري كاوز، الأستاذ بجامعة فيرمونت، في سبتمبر 2005 (الفورين أفيرز)، أي قبل موجة الصعود الإخواني في انتخابات مصر وفلسطين، قائلا "هل صحيح أن الديموقراطية هي الترياق لسم الإرهاب؟ للأسف يبدو أن الإجابة هي لا". ويضيف "إن من يظنون أن الديموقراطية ستحد من خطر الإرهاب يبدو أنهم يعتقدون أن الإرهابيين والمتعاطفين معهم، إذا ما أُعطوا الفرصة للمشاركة المفتوحة في السياسات التنافسية وسُمح لأصواتهم بأن تُسمع في الساحة العامة، سوف لا يلجأون إلى العنف لتحقيق أهدافهم (...). ولكنه من المنطقي بنفس الدرجة افتراض أن الإرهابيين سوف يرفضون ذات المباديء الخاصة بحكم الأغلبية وحقوق الأقلية التي تتأسس عليها الديمقراطية الليبرالية. وإذا عجزوا عن تحقيق أهدافهم عبر سياسات ديموقراطية، فمن قال أنهم سيضحون بأهدافهم في سبيل احترام الآليات الديموقراطية؟ الأكثر احتمالا هو أنهم سينقضون على الديموقراطية إذا لم تؤدي للنتائج التي يرغبونها".

***

 

هل هناك مخرج من هذا المأزق الخانق؟

يرى مارتن إنديك بضرورة البدء أولا وقبل كل شيء ببناء المجتمع المدني والمؤسسات الديموقراطية. ويعتقد كاوز أن القوى غير الإسلامية ستحتاج لسنوات طويلة قبل أن تكون مستعدة للمنافسة الانتخابية. ويحذر: " بدلا من الضغط نحو انتخابات سريعة، فعلى أمريكا أن تركز طاقاتها في تشجيع وتنمية المؤسسات السياسية العَلمانية الوطنية والليبرالية التي يمكنها المنافسة على نفس المستوى مع الأحزاب الإسلامية. وإذا لم يكن لديها الصبر، فعلى واشنطن إدراك أن سياساتها للدمقرطة السريعة ستؤدي لسيطرة الإسلاميين على سياسات العالم العربي... وبدون الحد من الإرهاب المعادي لأمريكا".

ومن ناحيته، يرى زكريا "أن التجربة أوضحت أن تشجيع الديموقراطية وتشجيع الحرية في الشرق الأوسط هما مشروعان مختلفان. كل منهما له مكانه؛ لكن الأخير ـ تشجيع قوى التحرر السياسية والاقتصادية والاجتماعية ـ هو المهمة الأصعب وأيضا الأهم. وما لم ننجح فيها، فالنتيجة ستكون سلسلة من النتائج الديموقراطية البشعة، كما بدأنا نرى بالفعل في عدد من الأماكن".

وهو يعتقد متفائلا بأن "هذا الصراع مع الأصوليين ليس قدريا أن يكسبوه. فالقوى الليبرالية كانت مقهورة في الشرق الأوسط لعقود، وهي تحتاج لمساعدة"، ولكنه يرى مشكلة آنية: إذ بينما الإدارة الأمريكية محقة في إدراك أن سياسة المساندة العمياء لديكتاتوريات الشرق الأوسط أدت إلى القهر وانعدام الاستقرار، إلا أنها لم تجد بعد طريقة لمساندة وتأييدالإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي في المنطقة. "لقد توقفنا عن الشراكة مع النظم القمعية ولكننا لم ننجح بعد في تكوين شراكة حقيقية مع المجتمعات".

***

المصيبة الحقيقية هي أنه، إضافة إلى قيم الحرية والمساواة والعدالة والكرامة الإنسانية الفردية فإن الديموقراطية، كما يقول الأستاذ سلاما، تستند قبل كل شيء إلى ثالوث "العقلانية ـ المسئولية ـ العلمانية" كشرط ضروري. فكيف إذن يمكن أن نحلم بنجاح الديموقراطية ما لم تتم إعادة تأهيل شاملة للمجتمعات التي أصبحت ترفض كل تلك القيم الأساسية، وبدلا من ذلك تستمسك بيقينٍ وولهٍ شديدين بثالوث "الدوجماتية ـ التواكلية ـ الهلوسة الدينية"؟

ولنتذكر، أخيرا، أن الديموقراطية تشبه "الحانوتي" الذي مهما أجاد في عمله لا يمكنه أن يمنع المرحوم من الذهاب إلى الجحيم..

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ملحوظة: شكر وتقدير للدكتور سرور

 

سئل الدكتور أحمد فتحي سرور رئيس مجلس الشعب المصري، الذي كان ضيف برنامج "حالة حوار" في التلفزيون يوم 8 فبراير، عن رأيه حول "أزمة الكاريكاتير"، فرد بأنه على الجالية المسلمة في الدانمارك أن ترفع قضية ضد الحكومة الدانماركية أمام محكمة حقوق الإنسان الأوروبية. وعندما قيل له أن الجالية رفعت قضية ضد الصحيفة المسئولة أمام القضاء الدانماركي، رد بحسم أن هذا شيء طيب ولكن الأهم هو مؤاخذة الحكومة أمام المجتمع الدولي باعتبارها المسئولة عن ضمان حرية العقيدة لمواطنيها.

ولا يسعنا إلا أن نقدم خالص الشكر للدكتور سرور، أستاذ القانون الفذ ورئيس السلطة التشريعية في مصر، على هذا الكلام الواضح. وندعو، بناء عليه، أن تتشكل هيئة دفاع من محامين مصريين لمقاضاة الحكومة المصرية أمام محاكم دولية، باعتبارها مسئولة عن ضمان حرية العقيدة لفئة من مواطنيها يبلغ تعدادهم حوالي ضعف سكان الدانمارك بأكملها والذين ليسوا جالية من المهاجرين، كما هو حال مسلمي الدانمارك (مائتا ألف؛ ثلثهم مواطنون متجنسون).

ومثل هذه الهيئة لن تحتاج لأكثر من بضعة أيام لتكوين ملف هائل، يثبت تقاعس الحكومة مع سبق الإصرار والترصد عن تنفيذ بنود اتفاقيات دولية وقعت عليها؛ ويكفي لإدخال "أجدع" حكومة في السجن مهما تحججت بهمايونها ومهما تمترست وراءه.

وإذا كان هناك من بين أعضاء هيئة الدفاع من قد يتحرج من شبهة تشويه سمعة مصر، أو من تهمة الاستقواء بالخارج؛ فإننا ننصح بأن تطلب الهيئة المذكورة من الدكتور سرور أن يترأسها أو على الأقل أن يقوم بدور إرشادي وتوجيهي نثق تماما أنه لن يبخل به، لأن أهل الدار أولى بالشفعة من الغريب.

 

guindya@yahoo.com

 

دمقرطـة الإرهاب وإرهـاب الديموقراطيـة 1

 

للتعليق على هذا الموضوع