5 يناير 2007

 

 

 

 

 

 

دستور موديل 2007 أو 707؟

عادل جندي

 

في رسالته بتاريخ 26 ديسمبر الموجهة لرئيس مجلس الشعب، طرح الرئيس مبارك عددا من التعديلات الدستورية.

 

في البداية نقول إن التعديلات المقترحة تمثل خطوة للأمام. ولكن لا بد من أن نكرر:

ـ كم كنا نتمنى أن يتم مناقشة مثل هذا المشروع والموافقة عليه من خلال "جمعية تأسيسية" يتم تشكيلها لهذا الهدف. فالحقيقة المرة هي أن مجلس الشعب الحالي ليس مؤهلا بصورته وتكوينه لمناقشة وإقرار تعديل دستوري، سيحكم شكل مصر لعدة عقود. ويكفي التذكير بأن التيارات الظلامية (المنتمية تنظيميا أو "فكرا" لجماعة "محظورة") تسيطر عليه؛ بما في ذلك أعضاء وقيادات من الحزب الوطني الحاكم ـ عن طريق المزايدة أو التواطؤ أو التحالف. كما يكفي التذكير بأن المرأة بالكاد ممثلة فيه وأن الأقباط ليسوا (نكرر: ليسوا) ممثلين فيه.

ـ وكم كنا نتمنى إعداد دستور جديد، يأخذ أفضل ما في الدساتير السابقة وما في تراث مصر ويستلهم التراث الإنساني آخذا في الاعتبار حقائق العصر الذي نعيشه وندخل أبوابه، وحقيقة أننا الآن في بداية القرن الحادي والعشرين وليس العاشر أو السابع. وننوه هنا بالجهود التي قام بها بعض المثقفين، ومن بينها الوثيقة التي أعدتها مجموعة مصرية (مسلمين وأقباط؛ من داخل مصر وخارجها) من المتخصصين في أمور الدساتير والمهتمين بمصر ومستقبلها، في مؤتمر عقد بمونتريال في يونيو 2005 تحت شعار "نحو دستور مصرى جديد لدولة ديموقراطية".

[ويأتي هنا خاطر حول "اقتباس" بعض المقاطع والأفكار من دساتير أخرى. فمثلا عندما يُلاحَظ أن نظام الحكم عندنا هو رئاسي ـ برلماني (أو "برلماسي") يرد الفطاحل بسرعة أن هذا مأخوذ عن الدستور الفرنسي. ربما! لكن لماذا إذن، والأمر كذلك، لا نستلهم أهم ما في الدستور الفرنسي من مباديء وقيم بدلا من أن نقتبس فقرة هنا أو فكرة هناك؟ لماذا لا نحاول أن نقتبس أو حتى نسرق منه ملحق "ميثاق حقوق الإنسان" وملحق "حماية البيئة"؟ هل الأمر لا يخرج عن عاداتنا في استيراد منتجات التكنولوجيا من الغرب، لكننا نتردد ألف مرة إزاء الأخذ بالقيم الحضارية التي سمحت لمجتمعاته بالتطور والوصول بالعلوم والتكنولوجيا والفنون وغيرها إلى ما هي عليه؛ بل عادة نستميت في التمسك بنقيض تلك القيم (فقه مخالفة الكفار؟)]

ولكن بما أن "الاستقرار" يبدو الشغل الشاغل لقيادتنا السياسية، التي لا تحاول تغيير إي شيء إلا لأسباب قهرية، فإن مثل هذه التعديلات سيبدو بعدها الثوب الدستوري، مهما حسنت النيات، مليئا بالرقع والثقوب.

على أي حال، وبناء على تلك الرغبة القاهرة، سنحاول هنا التقدم ببعض التعليقات والمقترحات التي تبقى في أضيق الحدود ولكنها تراعي ما نعتبره حيويا من أمور، وذلك بقدر ما سنحت لنا فرصة دراسته حتى الآن.

 

****

 

أولا: حوالي نصف التعديلات المقترحة هو من باب "توفيق الأوضاع" مثل الاعتراف بأن النظام الاقتصادي لم يعد اشتراكيا، وما يتبع ذلك من إلغاء آليات بالية مثل "المدعي الاشتراكي" الخ؛ أو توضيح التداخل بشأن بدء ولاية رئيس الجمهورية، أو إمكانية قيام رئيس الوزراء بمهام رئيس الجمهورية في حال عدم وجود نائب للرئيس؛ أو التمهيد لعمل قانون ضد الإرهاب وإنهاء حالة الطواريء الخ. وبالطبع ليس لدينا اعتراض على كل ذلك. كما نرحب بخطوات تقليص سلطات رئيس الجمهورية وتحسين التوازن بين السلطات التنفيذية والتشريعية وتفعيل استقلال القضاء.

ثانيا: لم يقترب مشروع التعديل من أسس الدولة التي يقوم عليها العقد الاجتماعي والسياسي بين أبناء الشعب، وكذلك بينهم وبين من يختارونهم لحكمهم؛ تلك الأسس التي ينبغي أن تكون "الحرية والعدالة والمساواة" كما هو الحال في الدول المتحضرة. ويمكن كتابة مقالات بل مجلدات حول هذه الأسس لكن المهم الآن التأكيد على أمرين: أولهما أن "العدل" يتخطى المفهوم القضائي الضيق بالمساواة أمام القانون أو المفهوم القانوني الأوسع بأن تكون القوانين نفسها عادلة، ليصل إلى مفاهيم العدالة السياسية والاجتماعية. فبالموازاة مع كون الدستور "محايدا" إزاء الأيديولوجية الاقتصادية للدولة (مثلا برفع ما يتعلق بالاشتراكية) ينبغي أن يؤكد على مبدأ العدالة الاجتماعية وعدم الاستغلال، أيا كانت الأيديولوجية المتبعة. الأمر الثاني، هو أنه يصعب تصور وجود دولة تريد أن تكون "محترمة" في عالم اليوم بينما ترفض ـ عن قصد أو استعباط ـ أن تنص في صدر دستورها على هذه المباديء الثلاثة الأساسية!

ثالثا: لم يقترب مشروع التعديل أيضا من اسم الدولة، حيث مصر مازالت واحدة من قلة قليلة من الدول التي تضيف صفة ما ("عربية") لإسمها؛ وهو أمر ينتمي إلى مرحلة الشعارات الحنجورية للستينيات، يندر أن يكون له مثيل في العالم: فمثلا "تايوان" لا تقول أنها "دولة تايوان الصينية" والنمسا لا تقول أنها "جمهورية النمسا الجيرمانية" وروسيا لا تقول أنها "جمهورية روسيا الفيدرالية السلافية" والمغرب لا تقول أنها "المملكة المغربية العربية" والجماهرية العزيزة لا تذكر العروبة في قائمة أسمائها الطويلة، ولا حتى عراق صدام (رحمه الله) كان يسمى "الجمهورية العربية العراقية" الخ. وقبل أن يتقافز القومجية الغيورون على الهوية، نقول إن انتماء مصر الثقافي والمصلحي للمنطقة العربية حقيقة، كما أن السعي للتكامل الاقتصادي والسياسي بين الدول العربية أمر هام، في عصر تنامي التكتلات الإقليمية. إلا أن مثل هذه التكتلات في سائر أنحاء العالم لا تشترط الاستناد إلى مبررات عنصرية مثل الانتماء لقومية معينة؛ ناهيك عن كون المنطقة العربية مكونة من موزاييك متعدد "الأعراق والملل والنحل"، يستعصى على الذوبان في قومية واحدة ـ مهما بلغت درجة شوفينيتها.

رابعا: لم يقترب مشروع التعديل من المادة الثانية، بينما هي مفتاح باب جحيم الدولة الدينية التي تهدد مصر ومستقبلها بل ووجودها. فطالما بقيت هناك مرجعية دينية، لا داعي للضحك على أنفسنا والزعم بأنه لا يمكن لأي جماعة من هواة ومحترفي حشو الدين بالسياسة وطبخ السياسة بالدين أن تمر خلال هذه الثغرة. وبصراحة لا نجد معنى لشكوى الرئيس مبارك من"ممارسات الخلط بين السياسة والدين"، بينما الدستور نفسه يؤسس لهذا الخلط.

وليس في الأمر هنا محاولة للمساس بمعتقدات أو مشاعر غالبية الشعب المصري لكن، كما كتبنا وكتب الكثير غيرنا، فهذه أخطر مواد الدستور بلا استثناء ويتحتم التعامل معها بوضوح وبدون تردد، آخذين في الاعتبار السياق الذي أدخلها فيه الرئيس المؤمن محمد أنور السادات.

وكحل وسط قد يساعد على الحد من الخطر الذي تمثله تلك المادة، نقترح الرجوع عن النص الذي أضافه السادات عام 1980 بشأن الشريعة إلى نص قريب لما كان عليه في دستور 1971، مع إضافة بعض الضمانات ـ بما في ذلك توضيح ماهية "مباديء الشريعة" بالضبط، لكي يصبح الدستور وثيقة مستقلة لا تتوقف على آراء الفقهاء والمتفيقهين. أما عن "دين الدولة" فقد تعب الجميع من توضيح أن الدولة لا دين لها ولا تصلي أو تصوم؛ إذ أن مهمتها الوحيدة (ينبغي أن تكون) تنفيذ عقد اجتماعي وسياسي مع مواطنيها هنا على الأرض، وليس محاولة إدخالهم إلى جنة النعيم في العالم الآخر. وفي هذا الصدد نعتقد أنه يكفي ذكر أن "الإسلام هو ديانة الأغلبية"؛ وهو تحصيل حاصل، ولكنه تعبير قد يطمئن البسطاء بعدم وجود نية لتهديد أو تغيير هويتهم الدينية التي يعتزون بها.  

خامسا: يطلب التعديل إضافة فقرة ثالثة للمادة ‏5 "بهدف حظر مباشرة أي نشاط سياسي أو حزبي أو قيام الأحزاب علي أساس الدين أو الجنس أو الأصل‏". وهي تبدو لأول وهلة جديرة بالتقدير، لكن فلنتأملها قليلا: إذ كيف يمكن الاستدلال ـ واقعيا ـ على "الأساس" الذي تشير إليه العبارة السابقة؟

1ـ عن طريق فحص الأهداف المعلنة لذلك النشاط الحزبي أو السياسي. ولنفترض هنا، من باب التوضيح، أن "الإخوان المسلمين" قد قرروا التقدم بطلب لقيام حزب لهم. في تصورنا أنهم ـ بداهة ـ لن يذكروا في برنامج حزبهم أكثر من أن يكون هدفه الرئيسي "تفعيل المادة الثانية من الدستور وإقامة حكم يستند تماما إلى شرع الله". ماذا سيكون رأي لجنة الأحزاب والمحاكم الإدارية والدستورية التي ستفصل في مثل هذا الطلب بناء على الفقرة المقترحة؟ إن حكمت بالرفض باعتبار الهدف "دينيا في الأساس"، فهي تخالف نص المادة الثانية من الدستور نفسه؛ وإن حكمت بالقبول (وهو الأرجح بالطبع) فما هي فائدة الفقرة المقترحة؟!

2ـ عن طريق مراقبة برامج وشعارات الأحزاب. ونتساء هنا: هل شعار مثل "الإسلام هو الحل" ديني أم لا؟ لقد حكمت محكمة القضاء الإداري إبان انتخابات مجلس الشعب في أكتوبر 2005 بقانونية استخدام هذا الشعار، استنادا إلى المادة الثانية من الدستور، فهل سيختلف الأمر ـ إزاء نفس الشعارأو شعار آخر من عينة "الحاكمية لله" أو "لا ولاية لغير مسلم على مسلم" ـ إذا أضيفت الفقرة المقترحة؟ لا نظن، لنفس السبب السابق ذكره!

3ـ عن طريق فحص تركيبة عضوية الأحزاب. ولنفترض هنا، إضافة لحزب "الإخوان المسلمين" السابق ذكره، أن مجموعة من كل من الأقباط والنوبيين والنساء قد تقدموا بطلب إقامة حزب يمثل كلا منها. بالطبع لو نص النظام الأساسي لأي من تلك الأحزاب الافتراضية على اقتصار العضوية على فئة معينة ("مسلمين" أو "أقباط" أو "نوبيين" أو "نساء") لكان من البديهي أن يتعارض مثل هذا النص مع الفقرة المقترح إضافتها. ولكن ليس متوقعا أن تكون هناك نصوص تصرح بمثل هذا الاقتصار؛ فلا حتى الإخوان سيفعلون ـ بل أكثر من ذلك لن يجدوا صعوبة في إشراك بعض "الأسماء القبطية" في تكوين حزبهم! لكن ماذا لو غلب الطابع "الفئوي" على الواقع التكويني للحزب المزمع؟ هنا قد تكون مشكلة: فهل الأمر يتعلق بالمجموعة التأسيسية للحزب أم بالعضوية العامة؟ وهل هناك نسبة معينة تتحدد بها تلك الطبيعة الغالبة؟ لو كان ـ مثلا ـ أعضاء حزب "الأقباط" أو "النوبيين"  أو "النساء" الافتراضي يضم 90% أو حتى 60% من أبناء تلك الفئة، فلا شك أن الجهات المختصة ستحكم برفضها لكون "الأساس" الذي يقوم عليه ذلك الحزب هو الدين أو الأصل أو الجنس. لكن لو كان أعضاء "حزب الإخوان" هم 95% أو حتى 99%  من المسلمين، وما لم يكن هناك نص دستوري بتحديد نسبة معينة (20% ؟؟) تنفي صفة التجانس (بالدين أو الأصل أو الجنس)، فأغلب الظن أن الجهات المختصة لن تجد مشكلة هناك....

الخلاصة هي إن الفقرة المقترحة، في السياق الدستوري الحالي، ستؤدي عمليا إلى استحالة قيام "حزب قبطي" أو "حزب نوبي" أو "حزب نسائي" (بغض النظر عن كون إي منها في فكر أحد)، ولكنها لن تمنع قيام "حزب إخواني"! بل أكثر من ذلك ستمثل ورقة التوت التي يمكن أن يختبيء وراءها "حزب الإخوان"!!

بمعنى آخر، فالفقرة المقترحة ليست فقط ميتة قبل أن تولد، بل تبدو نوعا من الحمل الكاذب!

ومن ناحية أخرى، وبرغم كل ما قلناه؛ فإن تلك الفقرة هامة بل حيوية ـ لكن في سياق مختلف يؤكد على: 1) "مدنية الدولة" وعدم خضوعها لمرجعية دينية؛ و 2) حرية تكوين الأحزاب بدون تدخل السلطات الإدارية. إذن فالأمور مترابطة، ولا يصح اقتطاع جزئية وتركيبها في سياق آخر وإلا كانت النتيجة، كما اعتدنا، تناقضا وتخبطا.

سادسا: بالإضافة لما قلناه بشأن أسس الأحزاب، فمن الواضح أن هذا لا يكفي لعلاج مصيبة تديين الدولة والمجتمع، بل اللوثة الدينية التي سقطت فيها أجهزة الدولة والنقابات والإعلام وبرامج التعليم. لذلك لا بد من النص في الدستور على ضرورة حياد الدولة فيما يتعلق بمختلف الأديان وعلى عدم انغماس النقابات في أنشطة دينية، وعلى احترام حقوق المواطنة وكافة الأديان؛ وكذلك على تجريم أفعال التحيز والتفرقة والتمييز السلبي ـ التي لا يوجد رادع قانوني ضدها الآن!

سابعا: يطلب التعديل أن "يتيح الدستور للمشرع القدرة على اختيار النظام الانتخابي الذي يكفل تمثيلا أوفي للأحزاب السياسية في مجلسي الشعب والشورى، ويسمح للمرأة بمشاركة فاعلة في الحياة السياسية، ويمكنها من عضوية هذين المجلسين"، وذلك عن طريق تعديل المادتين 62 و 94. وبالطبع لا يمكن إلا أن نهلل بل نرقص فرحا وطربا لمحاولات تمكين المرأة وتشجيعها على المشاركة السياسية الفعالة.

ولكن ماذا عن الأقباط؟!

إن انعدام التمثيل السياسي للأقباط خلال العقود الماضية (منذ 1952، وبالذات منذ أيام السادات) هو كارثة حقيقية أدت لتهميشهم واستبعادهم وإقصائهم مع سبق الإصرار وبصورة لا تخفى على أحد. بل إن دور الحزب الوطني الديموقراطي الذي يرأسه الرئيس مبارك، ودور الجهاز الحكومي الذي يرأسه الرئيس مبارك في تفعيل تلك الكارثة ليس سرا!

ما الذي يجعل الرئيس مبارك وأركان حكمه حريصين بتشبث على ألا تتغير الأمور؟ وما هي المشكلة في اتخاذ ما يلزم من إجراءات تشريعية تساعد على وجود تمثيل سياسي واقعي للأقباط، أسوة بما تتجه النية لعمله بالنسبة للمرأة وما جرى بالنسبة للعمال والفلاحين حتى الآن (وهو ما يبدو أنه لا نية لتعديله، برغم انتهاء وانتفاء الحاجة إليه).

إن تفعيل مواطنة الأقباط (من كافة جوانبها) لن يهبط من السماء ولن يحدث تلقائيا خصوصا في الأجواء المجتمعية الهوسية التي نعيشها حيث تم تديين كل شيء، حتى المواطنة؛ كما أنه لن يتم بالنوايا الحسنة (مع ندرتها) أو بكلمات طيبة تقال هنا أو هناك، أو تُتَبادل أثناء مآدب الوحدة الوطنية. بل يستلزم الأمر إجراءات دستورية وقانونية محددة يتحتم القيام بها، والقيام بها الآن؛ فقد ضاع وقت طويل والعواقب لن تكون طيبة إذا استمرت الدولة في تجاهل المشكلة.

إن الحل يكمن في التأكيد على المواطنة والمساواة التامة غير المنقوصة في دستور مدني ويكمن، كإجراء وقتي، في اللجوء لأساليب "فعل التأكيد (أو التمييز) الإيجابي" فيما يتعلق بالتمثيل السياسي والمشاركة الوظيفية. هذه الأساليب ليست بدعة ـ وقد سبقتنا إليها دول أخرى. والأفكار التي تقدم بها على سبيل المثال د. رفعت السعيد (الأهرام 9 ديسمبر: نظام انتخابات بالقائمة النسبية، حيث الترشيحات رقم 3 و6 مخصصة للنساء ورقم 4 للأقباط) تصلح كنقطة بداية لمعالجة الأمر.

ثامنا: لن نعلق الآن على تعديل المادة 76 (للمرة الثانية في خلال 14 شهرا!) لتحسين فرص الأحزاب للترشيح لرئاسة الجمهورية. لكن نلاحظ أنه لا كلام عن المادة 77 وإمكانية تجديد الرئاسة لعدد غير محدود من الفترات. وبالمناسبة، فلنتذكر أن التعديل بفتح عدد الفترات (بدلا من فترتين) مرَّره السادات في نفس الوقت الذي أدخل فيه التعديل على المادة الثانية. إن عدم تحديد الفترات يعني عودة إلى ملكية مقنعة أو على الأقل أن مبدأ تبادل السلطة سيبقى في الواقع معلقا، وأن مصر ستبقى تحت حكم، ورحمة، الحزب الوطني إلى أجل غير مسمى.

تاسعا: ينص الدستور الحالي (مادة 52) على حق المواطنين في الهجرة، ويقر القانون حق الاحتفاظ بالجنسية المصرية ـ لمن يرغب ـ في حالة التجنس بجنسية جديدة. ولكن هذا الحق يبدو قاصرا إذ أنه واقعيا لا يسمح للمهاجرين بممارسة حقوق سياسية في بلادهم الأصلية. ونرى ضرورة التأكيد في الدستور على هذه الحقوق حتى تتاح الفرصة للمصريين للممارستها كأمر أصيل وليس كمنحة من الجهاز الإداري؛ وذلك بدءا من الاستفتاءات أو انتخاب رئيس الجمهورية إلى انتخاب أعضاء مجلس الشعب (في دوائر سكنهم الأصلي أو، ولماذا لا، بعمل دوائر خاصة تمثل المهاجرين). يبقى موضوع تقلد "مزدوجي الجنسية" الذي يحتاج لمراجعة، آخذين في الاعتبار أن التوجهات الحالية تعتبر شاذة بالنسبة لما يحدث في باقي أنحاء العالم.

عاشرا: يُقترح تعديل المادتين 194 و195 لإعطاء مجلس الشورى "حق الموافقة على بعض الموضوعات الواردة في اختصاصاته المنصوص عليها حاليا، وأن يبقى رأي المجلس إستشاريا بالنسبة لباقي الاختصاصات". ولا نفهم بالضبط ما هي الحكمة في ألا يصبح "مجلس الشورى" ـ بعد أن يتخذ إسما مناسبا ـ غرفة تشريعية ثانية إضافة لمجلس الشعب، إذ يندر أن نجد دولة حديثة لا تتبع هذا الأسلوب لما يوفره من ضمانات.

 

***

نكتفي الآن بهذا القدر من التعليقات، ثم نورد بعض مواد الدستور الحالي مع تعديلات نعتبرها الحد الأدنى لكي يصبح لمصر دستورٌ ذو معنى.

 

تعديلات مقترحة لبعض مواد الدستور

 

الباب الأول: الدولة

     المادة (1) ـ النص الحالي: جمهورية مصر العربية دولة نظامها اشتراكى ديمقراطى يقوم على تحالف قوى الشعب العاملة.والشعب المصرى جزء من الأمة العربية يعمل على تحقيق وحدتها الشاملة. 

النص المقترح: [مصر دولة مدنية موحدة نظامها جمهوري ديموقراطي وأساس الحكم فيها العدل والمساواة والحرية.

الشعب المصرى يستلهم ويفخر بحضارته العريقة برقائقها وروافدها المختلفة، ويتمسك بوحدته الوطنية بدون تفرقة بين أبنائه، ويعمل على تحقيق التكامل والوحدة بين شعوب المنطقة العربية].

     المادة (2) ـ النص الحالي: الاسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الاسلامية المصدر الرئيسى للتشريع.

النص المقترح: [العربية لغة الدولة الرسمية. الإسلام ديانة غالبية المواطنين والمبادئ العامة للشريعة الاسلامية مصدر من المصادر الرئيسية للتشريع، بما لا يتناقض مع التزامات مصر طبقا لمواثيق حقوق الإنسان الدولية أو يخل بحقوق مواطنة غير المسلمين. والتمتع بكل الحقوق والحريات المدنية لا يتوقف على المعتقدات الدينية للفرد.

مباديء الشريعة المشار إليها هي: (.........)

تلتزم كافة أجهزة الدولة بالحياد إزاء الأديان والمعتقدات].

     المادة (3) ـ (تبقى كما هي): السيادة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات، ويمارس الشعب هذه السيادة ويحميها ويصون الوحدة الوطنية على الوجه المبين فى الدستور.

     المادة (4) ـ النص الحالي: الأساس الاقتصادى لجمهورية مصر العربية هو النظام الاشتراكى الديمقراطى القائم على الكفاية والعدل، بما يحول دون الاستغلال ويؤدى الى تقريب الفوارق بين الدخول، ويحمى الكسب المشروع، ويكفل عدالة توزيع الأعباء والتكاليف العامة.

النص المقترح: [النظام الاقتصادى للدولة يقوم على التنمية والعدل، بما يحول دون الاستغلال، وضمان حماية الملكية والمبادرة الذاتية والكسب المشروع ويسعى إلى رفع مستوى المعيشة وتقريب الفوارق بين الدخول، ويكفل عدالة توزيع الأعباء والتكاليف العامة].

     المادة (5) ـ النص الحالي: يقوم النظام السياسى فى جمهورية مصر العربية على اساس تعدد الأحزاب وذلك فى اطار المقومات والمبادئ الأساسية للمجتمع المصرى المنصوص عليها فى الدستور.

وينظم القانون الأحزاب السياسية.

النص المقترح: [يقوم النظام السياسى فى الدولة على أساس تعدد الأحزاب وذلك فى إطار المقومات والمبادئ الأساسية للمجتمع المصرى المنصوص عليها فى الدستور.

حق تكوين الأحزاب مكفول ولا يحتاج لموافقات مسبقة. لكن يُحظر مباشرة أي نشاط سياسي أو حزبي أو قيام الأحزاب علي أساس الدين أو الجنس أو الأصل. ويُحظر استخدام العنف في مباشرة النشاط السياسي أو، طبقا للمادة 180 من هذا الدستور، القيام بأنشطة عسكرية.

وينظم قانون الأحزاب السياسية سبل التحقق من كل ذلك].

 

الباب الثانى: المقومات الأساسية للمجتمع

الفصل الأول: المقومات الإجتماعية والخلقية

(*) فقرة تضاف للنص الحالي:

     المادة (12): يلتزم المجتمع برعاية الأخلاق وحمايتها، والتمكين للتقاليد المصرية الأصيلة وعليه مراعاة المستوى الرفيع للتربية الدينية، [(*) وثقافة المساواة في المواطنة واحترام الآخر، وثقافة حقوق الإنسان] والقيم الخلقية والوطنية والتراث التاريخى للشعب والحقائق العلمية، والآداب العامة، وذلك فى حدود القانون.

وتلتزم الدولة بإتباع هذه المبادئ والتمكين لها.

     المادة (14): الوظائف العامة حقٌ للمواطنين [(*) بدون تفرقة أو تحيز وتكليفٌ للقائمين بها لخدمة الشعب، وتكفل الدولة حمايتهم وقيامهم بأداء واجباتهم فى رعاية مصالح الشعب، ولا يجوز فصلهم بغير الطريق التأديبى إلا فى الأحوال التى يحددها القانون.

     [(*) تكفل الدولة المساواة بين المواطنين في التعيين للوظائف العامة على كل المستويات، وتلتزم بتنفيذ برامج "فعل التوكيد الإيجابي" بهدف تمكين فئات أو قطاعات من الشعب التي قد ينالها غبن أو تهميش. ويعاقب على ممارسة التفرقة أو التحيز طبقا للقانون].

     المادة (19) التربية الدينية مادة أساسية فى مناهج التعليم العام. [(*) وتلتزم مناهج التعليم بالتأكيد على المساواة في المواطنة وبإحترام مختلف الأديان].

 

الباب الثالث: الحريات والحقوق والواجبات العامة

(*) فقرة تضاف للنص الحالي:

     المادة (46): تكفل الدولة حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية. [(*) وتلتزم الدولة وأجهزتها بالحياد إزاء الأديان وبعدم الدعوة لدين معين أو بالدعوة لدين على حساب آخر].

     المادة (52) للمواطنين حق الهجرة الدائمة أو الموقوتة إلى الخارج، وينظم القانون هذا الحق وإجراءات وشروط الهجرة ومغادرة البلاد. [(*) ويحق للمواطنين المهاجرين الاحتفاظ بجنسيتهم المصرية، إضافة للجنسية المكتسبة، بما يترتب على ذلك من ممارسة حق الانتخاب وسائر الحقوق السياسية].

     المادة (56): إنشاء النقابات والاتحادات على أساس ديمقراطى حق يكفله القانون، وتكون لها الشخصية الاعتبارية. [(*) ويحظر على هذه التنظيمات التفرقة بين أعضائها على أساس الدين أو الجنس أو الأصل؛ أو القيام بنشاطات دينية أو حزبية].

وينظم القانون مساهمة النقابات والاتحادات فى تنفيذ الخطط والبرامج الاجتماعية،[(*) وفى رفع مستوى الكفاءة المهنية] لأعضائها وحماية أموالها.

وهى ملزمة بمسائلة أعضائها عن سلوكهم فى ممارسة نشاطهم وفق مواثيق شرف أخلاقية، وبالدفاع عن الحقوق والحريات المقررة قانونا لإعضائها.

     المادة (59): (تلغى) [حماية المكاسب الاشتراكية ودعمها والحفاظ عليها واجب وطني].

 

 

***

 

نعرض هذه المقترحات للمناقشة ونطالب أولياء الأمر بالاهتمام بدراستها، وعدم إلقائها في أقرب صفيحة قمامة ـ متصورين أنهم الوحيدون الذين يعرفون ما يصلح للشعب.

وختاما نقول: نعلم بالطبع أنه ليس بالنصوص الدستورية وحدها تقوم الأمم؛ لكن الأمر المؤكد أنه ليس بدونها يمكن أن تقوم قائمة لدولة متحضرة ـ أي أن الدستور "شرط ضروري لكن غير كافٍ"، يأتي بعده دور العمل الدؤوب بالتطبيق والتوعية سعيا للتحضر والتقدم.

Adel.guindy@gmail.com

 

 للتعليق على الموضوع