Middle East Transparent

10 نوفمبر 04

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

 

مشـــكلة العرب مع "الجينــات"

عادل جندي

 

نستأذن القاريء الكريم في الابتعاد (قليلا) عن الأحداث الساخنة الملتهبة.

 

نشرت صحيفة قومية كبرى منذ فترة مقالا حول كتاب صدر في لندن يذكر أن "أقباط مصر ليسوا عربا ولكنهم استعربوا نتيجة للفتح العربي وصاروا عربا فقط بحكم اللغة والثقافة العربية"، فيقول معلقا عليه:

 

" يؤلمني تكرار الغمز واللمز على هذا الوتر في كثير من المصادر الأجنبية رغم تعارضه مع حقائق العلم الناصعة، فحقائق التاريخ أن أصل سكان مصر منذ العصر الحجري هم العرب الساميون الذين قدموا إليها من شبه جزيرة العرب، ذلك المورد البشري المتجدد الذي صار ينبض على توالي الأزمان بالموجات المتتالية من الهجرات البشرية إلى منطقة الهلال الخصيب ووادي النيل قبل التاريخ المكتوب بمئات السنين.وأثبتت الدراسات الحديثة أن عصر بداية استخدام المعادن بمصر يبدأ مع دخول الساميين إليها ومعهم حضارة راقية ممثلة في دياناتهم وكتاباهم وفنونهم ونظمهم الاجتماعية كبداية لتاريخ طويل كان مسك ختامه اتحاد مصر كلها تحت راية واحدة حملها مينا موحد القطرين حوالي 3200 ق م."

 

"ولم ينقطع هذا الطوفان العربي الهادر على مدى التاريخ المصري القديم، من هجرة قبائل عربية بأكملها من قلب الجزيرة العربية إلى وادي النيل والهلال الخصيب ومن أشهر الهجرات العربية السامية هجرة أبي الأنبياء ابراهيم (الخليل) إلى مصر.."

 

وقد كان الظن أن الحكاية مجرد تشنج فردي لا يستحق الرد، إلا أن تواتر كتابات حول أفكار شبيهة تجعلنا نستنتج أن التشنجات ليست فردية.

 

انظر مثلا إلى ما كتبه بعد ذلك أحدهم (لا ذكر للأسماء ابتعادا عن الشخصنة) حول ".. ظاهرة غريبة هذه الأيام وهي الحديث عن تقزيم الوطن العربي من خلال (...) الحديث عن الأصول العرقية للمنطقة العربية. فهناك من يصنف دول الخليج على أنها مجموعة هجرات أعجمية للمنطقة ثم يتحدث عن الأشورية العراقية والفينيقية اللبنانية والفرعونية المصرية والأمازيجية المغاربية والأفريقية السودانية والبربرية الجزائرية وكأن العرب هم مجموعة من المرتزقة وليس لهم أصل (...) ولكن تلك الدعوات غالبا ما تنكسر على صخرة العروبة الصلبة التي لن يستطيع أحد أن يكسرها أبدا وهي باقية لأنها أساس وضعه الله حين أنزل القرآن وجعل أساس العالم في توحده على كلمة سواء ولن يتم ذلك إلا بالوحدة العربية أساس الوحدة الإسلامية.."

................

معالجة موضوعات (فكاهية) مثل هذه مضيعة للوقت ولكن لا بأس من التذكير بالتالي:

 

أولا: نلاحظ أن مثل هذه الكتابات هي غالبا بأقلام مصريين يستميتون في التأكيد على عروبتهم بالدم والعنصر. وفي نفس الوقت تكثر كتابات من عرب "حقيقيين" تتهم المصريين بأنهم أس البلاء وراء كل مصائب العرب (وبغض النظر عن حدة الأسلوب، فليست كل هذه الكتابات على غير حق.. ).

 

ثانيا: نؤكد أنه - في رأينا- لا يُشَرِّف المصريين، كما لا يشينهم، أن يكونوا عربَ العنصر. فالعنصرية، في كلتا الحالتين، دعوة مقيتة تفترض أن مجموعات بعينها من البشر تتمتع بتميزٍ في الجينات التي تسكن خلاياها. وبالإضافة إلي فساد تلك الفكرة علميا، فالمهم هو "الجينات الحضارية والثقافية"، وهي التي لا يُثبت نوعيَتَها إلا المنجزات على أرض الواقع (من ثمارِها تُعرف الشجرة...). المشكلة أنه أحيانا عندما تدل ندرة المنجزات علي طبيعة تلك "الجينات الحضارية"، يلجأ العنصريون ممن يرفضون الاعتراف بالحق، الذي هو فضيلةٌ كبيرة، إلى أساطير تنفخ الذات مع توهم بمأمورية خاصة أوكلتها السماء لهم؛ بل وبأن السماء، وليس فقط الأرض، تتحدث بلغتهم.

 

ثالثا: هناك بالفعل نظريات تقول أن شبه الجزيرة كانت مزروعة بالسافانا في عصر مطير غطى المنطقة الممتدة عبر صحراء أفريقيا الكبرى حتى المحيط الأطلنطي؛ ثم عندما حدث جفاف، هجرها سكانها إلى بقاع أخرى. وحتى لو صدقت هذه النظريات، فمن باب أولى أن يرحل السكان إلى أقرب البقاع؛ وهي في الشمال، حيث أنهار دجلة والفرات والأردن وبردى، بدون الحاجة إلى مشقة عبور البحر الأحمر (باستخدام عبّارات جدة-السويس المكلفة!) أو الدوران حول خلجانه الشمالية. ثم مَن الذي قال أن وادي النيل كان منطقة خالية من السكان في انتظار أن يأهلها الهاربون من جفاف شبه الجزيرة؟ ناهيك عن أن النظريات الأكثر وثوقا هي أن شبه الجزيرة لم تكن مستودعا لتصدير البشر بل إن سكان مابين النهرين (وغيرهم من العابرين للمنطقة) هم الذين نزحوا جنوبا في فترات قحط، أو تمدد سكاني الخ.

 

على أية حال، ولنفترض جدلا أن مجموعات بشرية من شبه الجزيرة قد رحلت إلي وادي النيل؛ فلنتذكر أن هذه أحداث وقعت، إن كانت قد وقعت، قبل عشرين ألف سنة على أقل تقدير. ولذلك فلا معنى للكلام عن "العرب" وكونهم أصل "المصريين" أو غيرهم. فعندنذ لم يكن هناك عرب أو مصريون أو برازيليون أو زيمبابويون. فهذه مصطلحات لا تُطلق إلا داخل التاريخ المدون، على مجموعات بشرية ذات خصائص مشتركة بصورة كافية.

 

رابعا: تقطع أكثر النظريات وثوقا في الجغرافيا البشرية بأن سكان شمال وادي النيل (أي مصر) وشمال أفريقيا عموما هم أساسا من أصول أفريقية حامية. ويذهب جمال حمدان إلى أن المصريين القدماء شعب أصيل (autochtonous) لم يفدوا إليها من مكان آخر، وإن كانت قد حدثت اختلاطات لكن مع وجود استمرارية جنسية عبر العصور ومنذ ما قبل الأسرات. فالمصريون الحاليون، إذن، هم (بغض النظر عن اختلاف الدين) من سلالة المصريين الأقدمين مع وجود قطرات من دماء عربية وسامية وقوقازية وأوروبية الخ ذابت فيها. بمعنى آخر يشكل المصريون "سبيكة" واحدة متجانسة إلى حد كبير. وعند دخول العرب لمصر كان أهلها يتحدثون لغتهم المصرية (القبطية). وبدأت عملية إحلالها مع فرض العربية كلغة رسمية في الدوايين (عام 706)، ولكنها استمرت كلغة للتعامل اليومي لأكثر من أربعة قرون، ثم بدأت تنحسر بشكل تدريجي؛ فحتي القرن السادس عشر كانت هناك مناطق في الصعيد لاتزال تستخدمها. ويشترك المصريون اليوم في اللغة العامية التي لا تتميز فقط بوجود كلمات مصرية قديمة تتخللها بالمئات، ولكن حتى طريقة نطقها للعربية تعكس في حد ذاتها اللغة المصرية القديمة بلهجاتها الصعيدية والبحيرية الخ. كما يشترك المصريون في عادات وتقاليد ترجع لآلاف السنين، لم يفلح حتى تغيير الدين في اقتلاعها.

 

باختصار، فالأمة المصرية حقيقة واقعة، ذات بُعدٌ عربي هام بحُكم اللغة والثقافة. وإن عانت الكثير من الضربات والطعنات فهي لم تمت.

 

خامسا: يحتاج المرء إلي تعاطي موادٍ يعاقب عليها القانون من أجل سبر أغوار الادعاء بأن قبائل "العرب" قد دخلوا مصر "قبل التاريخ المدوّن ومعهم حضارة راقية ممثلة في دياناتهم وكتاباهم وفنونهم ونظمهم الاجتماعية". هذا هراء مقطر من نوع رديء، ولذا نكتفي بسؤال ساذج: إذن كيف عرفتم بأمر تلك "الحضارة الراقية وكتاباتها الخ" في غياب التاريخ المدون؟ (لاحظ غطرسة اختزال الساميين في "العرب". لاحظ أيضا أنه عند استحالة الزعم بأن المصريين تحولوا فجأة إلى عرب بالعنصر بعد القرن السابع، يلجأ العنصريون إلى القفز وراء التاريخ بآلاف السنين في حركة دَجَليّة غير بارعة، يسندونها بالإشارة إلى "حقائق العلم الناصعة" التي لا وجود لها!).

 

سادسا: هذا يجرنا إلى السؤال التالي: "من هم العرب"؟

 

إذا كانت سجلات التاريخ، وليس الأساطير والأوهام، هي سبيلنا إلى الإجابة، فإننا سنكتشف أن "العرب" لم يكن لهم ذكر قبل القرن التاسع قبل الميلاد. فالآثار المصرية، مثلا، بها نقوش تدل على أن قدماء المصريين قد عرفوا من الآسيويين: الحيثيين والعمو والميتاني والأشوريين والفرس. ولكن لا شيء يمت بصلة إلي "العرب" من قريب أو بعيد، وإن كانت هناك إشارات إلي "القوم الرعاة" وهو تعبير يظن علماء المصريات أنه ينصرف إلى قبائل وشعوب رعوية، ممن كانوا يهددون حدود مصر الشرقية.

 

وأول ذِكر للعرب على مسرح التاريخ كان في وثيقة أشورية تعود إلي حوالي ٨٥٠ ق م تشير إلى القضاء على مؤامرة مجموعة من المتمردين من بينهم المدعو "جنيبو العريبي". وبعد هذه الوثيقة، وحتى القرن السادس ق م، وردت في كتابات الأشوريين والبابليين إشارات عديدة عن "العريبي" و"العرابو" و "العُربي"، أحيانا عن كونهم ممن يدفعون إتاوات، وأحيانا أخرى عن حملات تأديبية ضدهم في حالة خروجهم عن طاعة الدولة الأشورية.

 

وتشير بعض السجلات إلى "مَلِكات العرب" كقبائل تسكن شمال شبه الجزيرة. ومن هذه الإشارة ومن شيوع أسماء القبائل المؤنثة رجح بعض العلماء أن القبائل العربية عرفت في مرحلة من تاريخها نظام المجتمع الأُمَوي (ماترياركي) حيث المرأة هي رأس القبيلة.. (ملحوظة فكاهية: يبدو أن المرأة في ذلك الوقت قد سامت الرجل الأَمَرّين.. ولذلك، فما إن استعاد السيطرة حتى انتقم منها وما زال يستمر مستميتا، جاعلا أوضاع المرأة العربية الأسوأ في الكرة الأرضية بأكملها..).

 

وهناك النظرية المستندة إلى الكتب الدينية والتي تقول بأن العرب هم من نسل ابراهيم، الذي سكن أور في جنوب العراق حوالي 1800 ق م، عبر "هاجَر" الجارية المصرية التي انجبت له ابنه اسماعيل. غير أن هذه القصة في حد ذاتها لا تنفي أن منطقة شبه الجزيرة كانت مسكونة بقبائل أخري.

 

والعرب حين يتحدثون عن منشئهم يقسمون أنفسهم إلى ولد قحطان، وهم عرب الجنوب، الذين يقال أنهم أصفى عروبة من ولد عدنان وهم عرب الشمال؛ ربما بسبب كون الأخيرين من أجناس اختلط فيها العرب مع الذين ينسبون أنفسهم إلى اسماعيل (عن طريق عدنان ومضر).

 

وهناك نظرية تربط بين العرب والهكسوس، تقول أن الهكسوس (الصيغة اليونانية من "حكا -خازو")، وهم قوم رعاة قد جاءوا إلى منطقة ما بين النهرين (ربما كانوا من أصول قوقازية) ثم طوردوا، أو لم يطب لهم العيش فيها، فتسرب البعض منهم إلى مصر عبر حدودها الشرقية. وإذ كانت مصر تمر بعصر ضعف تمكن هؤلاء من حكم الدلتا لمدة ١٥٣ سنة فيما بين ١٧٠٠ و ١٥٤٧ ق م، من عاصمتهم أفاريس. ثم استجمعت مصر قوتها في الجنوب حول العاصمة "طيبة"، وطاردتهم علي عهد أحمس. ويبدو أن المقام قد انتهى بهم في شبه الجزيرة، إذا لاحظ العلماء أن اسم منطقة الحجاز مشتق من (حكا خازو). كما أن اسم أحد ملوكهم (خمودي) أصبح يطلق على فرع منهم (ثمود) في شمال الحجاز.

 

(ملحوظة: لو كان العرب الذين غزوا مصر في القرن السابع تجري فيهم دماء هكسوسية كثرت أم قلت، فمعنى ذلك أنهم عادوا إليها ونجحوا فيما فشل فيه أجدادهم فحكموها لقرون إلى أن "لهفها" منهم المماليك هؤلاء العبيد الذين استجلبوهم لحمايتهم...)

 

وقد بدأ اسم "العربية" كمنطقة يظهر حوالي 530 ق م في سجلات للفرس باللغة المسمارية. أما الإغريق فقد عرفوا العرب في القرن الثالث ق م، وأشاروا إلي ديارهم باسم "أرابيا" علي وزن "إيطاليا"، ولكن بعض الكتابات تشير إلى البدو الساميين في كل صحراوات الشرق الأدني علي كونهم "عرب" أو "أعراب" (بنفس الطريقة التي يختص بها البدو عادة حتى اليوم).

 

الخلاصة إذن هي أن "العرب" أمة حديثة جدا، والزعم بأنهم أصل سكان مصر هو نوع من التشنج العنصري الذي يستدعي لتفسيره تشنجات جيولوجية وتاريخية يصعب اثباتها. فهم على الأغلب موجة متأخرة من الموجات التي جاءت من الشرق (القوقاز وما حول بحر قزوين). ولعلها لم تستقر في بلاد ما بين النهرين أو الشام الكبير لأنها وجدت فيها أقواما منظمة أقوى منها بأسا وأعلى حضارة، أو لعلها آثرت حياة البدو والرعي التي ألفتها في مهدها الجبلي الأول، فنفذت إلى الفراغ الكبير في شبه الجزيرة، حيث استقرت مكتفية بروابط العصبية القبلية والطوطمية العشائرية كأساس للتماسك الاجتماعي.

 

سابعا: اللغة العربية، بلهجاتها العربية الجنوبية والشمالية، هي لغة سامية تربطها وشائج قربي من اللغات العبرية والارامية والفينيقية والأشورية والأكادية الخ. وقد اندثرت لهجات العربية فيما عدا الحجازية لغة قريش. ويبدو أنها لم تعرف التدوين إلا متأخرا، حيث أن أقدم نص معروف يرجع إلى 328 ق م. وهو شاهد قبر امرؤ القيس، أي بعد أربعة آلاف سنة من بدء الكتابة في مصر ثم في سومر. ومجموعة اللغات السامية تمثل فرعا في شجرة اللغات. ومن هذه الشجرة تمثل مجموعة اللغات الحامية (كالمصرية) فرعا، ومجموعة اللغات الإندو-أوروبية فرعا آخر. وعن طريق هذا الفهم يمكن تفسير وجود جذور مشتركة لكثير من الكلمات عبر فروع الشجرة.

 

ثامنا: الحضارة لا تأتي إلا مع الاستقرار وهو ما عرفته شعوب أودية الأنهار في بابل والشام ومصر فابدعت حضارات هناك شواهد محددة عليها، يعرفها الناس وخاصة دارسو الآثار وعلم الإنسان (الأنثروبولوجي) بكافة فروعه. أين هي آثار الحضارة القديمة في شبه الجزيرة؟ هناك بالطبع آثار إرهاصات حضارية في الطرف الجنوبي (حضارة سبأ وحُمَير)، وهناك آثار حضارات نبتت وانطفأت سريعا مثل مملكة النبطيين وعاصمتها بترا في الأردن الحالي وشمال شبه الجزيرة (حتى منتصف القرن الثالث الميلادي).

 

ومع هذا فليس لأحد أن ينكر علي العرب الأقدمين نبوغهم في البلاغة وبالذات في الشعر الذي استقرت قواعده حوالي القرن الخامس الميلادي، بأعمدته الرئيسية: المديح والهجاء والفخر والغزل. ولكن المؤسف، إن أردنا الحديث عن الجينات الحضارية والثقافية التي ورثها العرب المحدثون عن الأقدمين، أن نجدها قد شَكّلت عقولهم بصورة مدمرة، مُحدِثة ما يشبه العاهات الفكرية. فقد أصبحت البلاغة والمبالغة هي الخلفية الثابتة في العقل العربي إذ تحل محل التحليل والفحص بل والفعل. ووصل المديح مبالغةً إلي النفاق المُقزّز والتأليه. والهجاءُ تحول إلى منظومة متكاملة تبدأ بالردح والقدح وتنتهي بالتخريب وما أكثر منه. أما الفخر فقد صار حالة مستعصية من النرجسية المرضية مع مُركّب زيادة هو في الحقيقة مركب نقص بالمقلوب. وانتهي الغزل إلي الهوس بالجنس، كبتا وانفجارا (دنيا وآخرة).

 

تاسعا: لا يمكن لمنصف إلا أن يلاحظ أن تاريخ العرب مع العنصرية قديم. فمثلا، كان محورُ الفتنة الكبرى في صدر الإسلام هو الصراع بين دعاة السيادة للعرب (وبالذات قريش، خير العرب الذين هم خير الناس) ودعاة السيادة والحكم للمسلمين. وقد انتصر الأولون فحكم بنو أمية حوالي قرن من الزمان (مُتَّخذين بالمناسبة- دمشق المتحضرة عاصمة لدولتهم...) حتى أزاحهم العباسيون.

.....

ختاما، تأمل في أحوال"العالم" العربي لتجده يشترك في الجوار وفي اللغة، كلاماً ووعاءً للثقافة، وفي الكثير من المصالح المشتركة، ولكنه يعجز عن أن يتوحد أو أن يتقدم فيصب جام غضبه على "الأشورية العراقية والفينيقية اللبنانية والفرعونية المصرية.." الخ (انظر أعلاه). ثم يلجأ دعاة التشنج العنصري إلى اختلاق وتلفيق الشذرات معا لإنتاج أساطير تصبح حقا مبينا لا يقبل النقاش، يجري تكرارُه بفخامةٍ وتعالٍ وتأفف ممن يجرؤ علي مناقشته.

ثم تأمّل، في المقابل، الاتحاد الأوروبي الذي يتكوَّن من 25 دولة لها 20 لغة رسمية؛ أما عن الأصول العرقية والإثنية فحدث ولا حرج. ولكن أحدا هناك لا يهتم بهذه "التفاصيل" إلا على سبيل المزاح والتندر أو من باب البحث العلمي من جانب المتخصصين. فالمهم في الوحدة الأوروبية هو وحدة المصالح ووحدة القيم: قيم الحرية واحترام الإنسان الفرد واحترام القانون والديموقراطية، وإدراكٌ راقٍ بأن في التعددية ثراء وقوة وحيوية.

 

هل المشكلة أن القيم الرئيسية التي تجمع العرب، الذين يقال أنهم "ظاهرة صوتية" تطورت مؤخرا لتصبح "ظاهرة ارهابية"، هي قيم التخلف؛ وأحد دلائله ذلك التمسك الأبله بأهداب العنصرية وعراقة الجينات؟؟

guindya@yahoo.com

 

 

للتعليق على هذا الموضوع