14 فبراير 2005

إعادة تنظيم حركة السلام العربية

في حقبة ما بعد الانتفاضة

د. ابو خولة (*)

 

 

"انتهت الانتفاضة" كان العنوان الرئيسي للصفحة الأولى بجريدة "يدعوت احرانوت " الصادرة بتاريخ الثالث من شهر فبراير الجاري. و في نفس السياق تم الإعلان الرسمي يوم الثلاثاء 7 فبراير بشرم الشيخ عن النهاية الرسمية للعنف المسلح بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي.

 

والاهم من هذه الإعلانات ، تعطش أغلبية الفلسطينيين إلى إنهاء العنف المسلح كما أكدت على ذلك نتائج استطلاعات الرأي خلال الأسابيع الماضية . وقد أدى هذا إلى ضغط كبير على الحركات الرئيسية للعنف المسلح وعلى رأسها حماس والجهاد . وهو ما يفسر قبولها بالأمر الواقع ،

و التوقف الفعلي عن القيام بعمليات انتحارية الذي نشهده خلال هذه الأيام.

 

إذن انتهت الانتفاضة ونحن الآن على أبواب حقبة تاريخية جديدة : حقبة ما بعد الانتفاضة.

و هي حقبة تمثل طيا للماضي تماما كما هو الحال بالنسبة لحقبة ما بعد الاشتراكية في دول وسط أوربا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في نهاية الثمانينات من القرن الماضي. لكن وتيرة تقدم العملية السلمية في هذه الحقبة ستعتمد على عدة عوامل داخلية وخارجية . لقد بدات بنشاط مشهود بدا بزيارة وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس للمنطقة وإبلاغها الرئيس الفلسطيني تفاصيل رؤية الرئيس بوش للسلام ، بالإضافة للخطوة العملية المتمثلة في تعيين قائد قوة حفظ السلام التابعة لقوات الحلف الأطلسي بالبوسنة الجنرال وليام وورد كمنسق امني بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي في عملية السلام.

 

كما ستشهد الفترة المقبلة زيارات لواشنطن للرئيس الفلسطيني ورئيس الوزراء الإسرائيلي، الاجتماع القادم للجنة الرباعية للسلام بالشرق الأوسط، وانعقاد المؤتمر الدولي في لندن مطلع مارس المقبل للتحضير لإقامة الدولة الفلسطينية . و ياتي هذا بالتزامن مع إعلان طلب الرئيس بوش من الكونجرس لمبلغ 350 مليون دولار كمساعدة للفلسطينيين . و من الواضح ان كل هذه المبادرات تصب في اتجاه توفير الدعم الخارجي لكي تكتب الديمومة لحقبة ما بعد الانتفاضة.

إذن نحن لسنا فقط أمام انتهاء حقبة العنف الفلسطيني المسلح كوسيلة للحصول على مكاسب سياسية، وهي السياسة التي فشلت فشلا ذريعا بوصول شارون للسلطة، وفقدان الفلسطينيين للرأي العالمي ودعم الحكومة الأمريكية العامل الخارجي الوحيد القادر على ان يفعل أي شيء وبناء الجدار الفاصل. ناهيك عن الانسحاب الإسرائيلي من غزة الذي سيضع حدا للتصادم بين الفلسطينيين و الاسرائليين جنود ومدنيين على حد سواء -.

 

فما العمل اذن و الامور بكل هذا الوضوح ؟ لقد أعطانا إعلان كوبنهاجن الصادر سنة 1997 الجواب : " السلام أمر هام جدا كي يترك بأيدي الحكومات فقط " .

 

لكن ما يمكن للمفكرين والنشطاء والمنظمات غير الحكومية أن تفعله بالضبط ؟

 

في الحقيقة تحديد نوعية التحرك يجب أن تترك للجميع ، كل حسب ظروفه. لكن تقديم المقترحات التالية قد يساعد على التقدم نحو الهدف المنشود:

 

1.      نشر ثقافة السلام

ويعني هذا مواجهة ثقافة الكراهية والتحريض ، ناهيك عن التكفير، وهي المنظومة الثقافية التي أدت إلى شلال الدم في سوريا الثمانينات, مصر التسعينات, سودان العقدين الاخيرين, جزائر نحر المائتي ألف, السعودية, الكويت, اليمن ...

 

وبامكان الجميع ، كل حسب موقعه وقدراته ، المساهمة في هذه " العملية الثقافية " الموعودة لان من أهم سمات الثقافة تنوعها ولا مركزيتها . فليس من الضروري أن تكون إمام مسجد ، أو كاتب مسرحي ، أو كاتب مقالات صحفية ، ليتسنى لك المشاركة ، بل الباب مفتوح للجميع بالرد على فقه الظلام داخل الأسرة والحي والمقهى والمدرسة ومكان العمل ...

 

 

2.      الضغط بهدف إصلاح النظام التعليمي

ليس من الصدفة أن قام جمع من الشباب الجزائري خلال اــ 15 سنة الاخيرة بنحر ما يزيد عن مائتي ألف من بني جلدتهم. فقد فعلوا ذلك تنفيذا للتعاليم التكفيرية التي تلقوها في المدارس ، بدليل أن حركات أصولية شبيهة حاولت أن تفعل نفس الشيء بجيران الجزائر تونس والمغرب ولم تحقق نتائج تذكر نتيجة اختلاف النظام التعليمي خصوصا بتونس - .

 

وليس من الصدفة ايضا أن تعرضت مصر للعمليات الجهادية في التسعينات من القرن الماضي ، فالسبب الأساسي هو تعاليم الجهاد والتكفير, وهي نفس التعاليم التي استوردتها الجزائر منذ بداية الاستقلال في كارثة ما سمي انذاك بتعريب التعليم, وهي نفس التعاليم التي قام بنشرها الاخوان المسلمون الذين هاجروا الى دول الخليج حيث اندسوا بوزارات التعليم و الثقافة. و اليوم و قد بان دمار سياسة التساهل و غظ الطرف هذه, سيكون بامكان الجميع -أولياء أمور ومواطنين- الضغط على صناع القرار بهدف تحقيق الاصلاح التعليمي المنشود.

 

لقد حصل هذا الى حد كبير في الجزائر، حيث تبلور الرفض الشعبي للتعليم الرسمي العروبي/ السلفي/ الارهابي ببروز ظاهرة المدارس الفرانكوفونية غير المنظمة والتي أدى توسعها بالتوازي مع ظاهرة قطع الرأس إلى مراجعة شاملة لمناهج التعليم هناك. وقد ساعد هذا العمل على انحسار ظاهرة الإرهاب حيث انهار عدد المتمردين المسلحين من أكثر من 25 ألف في منتصف التسعينات من القرن الماضي الى اقل من 500 حاليا ، وهم في طريقهم للانقراض .

 

لم يعد سرا على احد مدى اختراق وزارات التربية والتعليم في دول المشرق من طرف الحركات الأصولية وفي مقدمتها الإخوان المسلمين مما ادى إلى مناهج فيها الكثير من المعاداة للآخر والتكفير والدعوة للإقصاء والعنف . وهذه مناهج تحتاج إلى مراجعة جذرية . ولا يسعنا هنا إلا أن نشير إلى التجربة التونسية الناجحة في هذا المجال التي قادها الأستاذ / المستنير محمد الشرفي في بداية التسعينات ، و التي يمكن أن تقدم نموذجا لما يجب أن تكون عليه مناهج التعليم خصوصا مادتي التربية الإسلامية والتاريخ . بل نوصي الدول العربية الأخرى باعتماد هذه المناهج على اعتبار ذلك الطريق الأسرع والانجع والأصح.

 

ومن أولى استحقاقات حقبة ما بعد الانتفاضة مراجعة شاملة لمناهج التعليم الفلسطينية المحشوة بعديد من المفاهيم الداعية للتكفير والتعصب وسفك الدماء . لهذا أوصينا في مقال سابق ( مصطلح " الجهاد الأكبر " من الحبيب بورقيبة إلى محمود عباس ) بإعطاء الأولوية التي تستحقها لإعادة تنظيم جامعة الأزهر بغزة ، هديا بعملية الإصلاح البورقيبية لجامعة الزيتونة في عام 1965 التي ادت الى إغلاقها ( عندما اتضح أن العقار لم يعد ينفع فيما أفسده الدهر ) واستبدالها بجامعة الزيتونة في زيها الجديد, التي أصبحت كلية دينية بالمفهوم الحديث تدرس الديانات المقارنة وعلوم الالسنيات واللغات الحية . وهي على هذا الأساس تشبه إلى حد كبير كليات العلوم الدينية بالدول المتقدمة ، ويتخرج منها اليوم دعاة الإصلاح والسلام والمحبة لا فقهاء قطع الرأس وسفك الدماء .

 

ولا يفوتنا هنا الا أن نرفع توصية للممولين الأجانب وفي مقدمتهم الوحدة الأوربية وحكومات أمريكا واليابان بضرورة إعادة توجيه دعمهم أخذا بالاعتبار التقدم الحاصل على صعيد الثقافة والتعليم في غزة والضفة الغربية والعمل على تمويل كل البرامج الداعمة لنشر ثقافة السلام بهذه الربوع.

 

3.      إعادة الروح لحركة السلام العربية

ونقصد هنا بالتحديد ما سمي بمجموعات كوبنهاجن، التي انطلقت من المؤتمر الذي انعقد بالعاصمة الدانمركية العام 1997، لينحسر عملها بعد الانتفاضة.

 

إعادة الروح إلى هذه المجموعات يتطلب عديد المبادرات وعلى عديد الأصعدة ، من بينها :

-       الدعم المعنوي لنشطاء السلام العرب من خلال المقالات والمداخلات لدى وسائل الإعلام بالتأكيد على أهمية ما يقومون به .

-       الاتصال بهذه المجموعات ( المصرية الأردنية الفلسطينية ) بهدف الشد على أيديها. على سبيل المثال, يمكن الاتصال بالمجموعات المصرية على العنوان : cairopeace@yahoo.com, كما يمكن الاتصال بالمجموعات الفلسطينية عن طريق د.رياض المالكي مدير مركز بانوراما للديمقراطية على العنوان : panorama@panoramacenter.org.

-       الإشادة بالأعمال التي يقوم بها نشطاء السلام العرب ونشر المعلومات عنها عوض التعتيم الإعلامي الحاصل الآن.

-       توسيع حركة السلام بتنظيم مجموعات عربية للسلام بالدول العربية الأخرى وبذلك تتكون حركة عربية للسلام تستطيع أن تعمل مع نظيرتها الإسرائيلية السلام الآن - .

-       التعريف بالدور الذي لعبته " مجموعات كوبنهاجن " حتى الآن ومطالبة الدول التي تقدم يد العون لمثل هذه المبادرات ( حكومة الدانمرك، الحكومة السويسرية ...) بزيادة دعمها.

 

إنها حقا لأيام رائعة في تاريخ السلام . وإذا ما أحسنا العمل ، فسيكون من الممكن تحقيق هذا الهدف السامي وفي اقرب الآجال .

 

 

(*) ناشط حقوقي و الرئيس السابق لفرع تونس لمنظمة العفو الدولية, البريد الالكتروني: abu451@hotmail.com.

 

للتعليق على هذا الموضوع

 

"yassin" <marieurope@hotmail.com>

CC: mufaker_idia@yahoo.com

Date: Fri, 26 Jan 2007 06:52:12 -0800

قدلا اتفاجأ حقا اذا صحوت في يوم من الايام واجد نفسي انا وثقافتي نستمر في قوقعه محدودة المعالم بعيده كل البعد عن جوهري والصوره الخلغيه التي رسمت من الماضي العربي واقصد هنا ثقافة الاوائل والمفكرين العرب لاكن لااعرف كيف ارضى ذالك لابنتي ربيعه التي لم تتجاوز السنه الاولى من عمرها وقد افكر بان اكون انا المدرسه لها ولا ارسلها الى اي مدرسه في حينا