12 يوليو 2006

 

 

 

 

 

 

ميشيل كيلو: من بعد أن أكلوا لحمك حياً.. هل يصحون؟

أُبيّ حسن

 

يستطيع أحدنا أن يتفهم أن طبيعة النظام السوري الشمولية, تدفعه لفعل أي شيء بغية بقائه في السلطة, "مستهديّاً" بمقولة معاوية بن أبي سفيان لولده يزيد: "صه.. إنها السلطة, والله لو كانت في صدرك لانتزعتها منك". وهذا الإفراط في الحرص على السلطة هو ما دفع بنظام الرئيس الراحل حافظ الأسد كي يُبعد الشيوعيين(حلفاءه في الجبهة) وكذلك ذوي الميول الإسلامية من سلك التعليم إلى وزارات ومؤسسات الدولة المختلفة في أوائل حكمه, ففي عام 1970 كان بإمكانك أن ترى مدرساً للفلسفة يعمل مراقباً للتموين لمجرد كونه شيوعياً أو إسلامياً, أو أن تراه كاتباً في دائرة نفوس!

أوائل سبعينات القرن الماضي لم يكن النظام يشكو الضعف الذي يعيشه الآن, وبرغم أنه كان نظاماً متجبراً إلا أنه لم يقدم على فصل خصومه ومعارضيه من وظائفهم حائلاً بينهم وبين مصدر رزقهم كما حصل منذ فترة قريبة لعدد من موقعي إعلان بيروت - دمشق (والعكس).

خطوة النظام تلك لاتخفى دلالتها على أحد, فقد أصبح اللعب, منذ مدة لابأس بها, بين السلطة و المعارضة من جهة, والسلطة والخارج من جهة أخرى, على المكشوف (كما يقال). وإن كانت خطوة  النظام تلك قد تُؤتي أُكلها بالنسبة إليه من زاوية ارضاخ المجتمع وإسكاته, غير أنها خطوة, عدا عن كونها خطأ كبيرا, مبالغ فيها من ناحية خوفه من المجتمع, فالمجتمع الذي يعاني من عطالة تاريخية- وحدها كفيلة في بث الاطمئنان في أوصال النظام- لايُخشى منه ولايحتاج إلى ضربات وقائية أو مسبقة من قبل نظامه.

مجدداً, استطيع أن أتفهم كل تصرفات النظام الطافحة "حكمة ودراية" و"رؤى ثاقبة" و ماشابه, غير أني لم أستطع حتى لحظة كتابة هذه الأسطر أن أتفهم ماهي الغاية من نشر فيروس العداء وتوسيع دائرة التجني والافتراء التي تطال ميشيل كيلو في الساحل السوري, والأخطر من ذلك أنها تنتشر, بعناية ودراسة, في أوساط الشباب (جامعيين وحملة شهادات, مع الأسف).

لن نجد صعوبة كي ندرك أن السبب الرئيس في حملة الافتراء تلك هو مايمثله ميشيل كيلو من حراك ونشاط يصبان في خدمة المجتمع السوري الذي يريده البعض راكداً كعقولهم الآسنة, و إن كان ما قد طفا على السطح يقول إن السبب كامن في المقال الذي نشره ميشيل في إحدى الصحف العربية بعنوان "نعوات سورية", وهو مقال أَوّله كل حسب هواه. فمنهم من رأى في المقال استهزاء واحتقاراً  لبعض مكونات المجتمع السوري! هذا ماترجمته بعض مقالات الانترنت من قبل حفنة من الكتّاب "الغيارى" على الساحل السوري وريفه, فضلاً عن أنه ما لمسناه في تعليقات القرّاء على مقالات وأخبار بعض المواقع الالكترونية, أثناء تطرقها لميشيل وقضيته, التي فتحت المجال واسعاً لإظهار رائحة التفسخ الثقافي والاجتماعي والأخلاقي في كيان هذا المجتمع الذي بدا وكأنه يفتقد إلى أدنى مقومات الرُقي والتمدن في تعامله مع المختلف معه.

من حق أي قارئ أن يتفق أو يختلف مع طروحات وأفكار أي كاتب, لكن الذوق الأدبي و الأمانة العلمية تفرضان أن يطلع هذا المجادل أو ذاك من القرّاء, على الموضوع المثارة الضجة حوله كي يكون بالإمكان إبداء رأي سلبي أو ايجابي منه! ومن المؤسف أن معظم من قابلتهم في الساحل السوري (تحديداً في مدينتي طرطوس واللاذقية) لم يكونوا قد قرأوا مقال ميشيل المذكور(وقد علمت في مابعد أن جلّهم لم يقرأ حرفاً من كل ماخطّه قلم ميشيل!), ومع ذلك لم يردعهم رادع أخلاقي أو علمي عن انتقاد ميشيل ومقاله بطريقة تثير الاشمئزاز أكثر ماتدعو للشفقة.

بمعزل عن إن كان ميشيل قد أخطأ أم أصاب في مقالته تلك, إلا انه من حقي أن أتساءل مستغرباً: أهكذا تكافئ بعض فئات المجتمع كاتباً ومفكراً أفنى عمره وهو يدافع عنها وعن قضاياها ضد عسف السلطة وجورها؟ وفي حال كانت الغيريّة على هذه الشريحة الاجتماعية أو تلك(وهذا ما استبعده جملة وتفصيلا) هي دافع من يذكون نار التحريض – من أية جهة كانوا- ضد ميشيل محاولين تشويه سمعته وتاريخه النضالي والوطني في أوساط المضطهَدين والمهمشين وصولاً إلى أدعياء الثقافة والعلم, يحق لي آنئذ أن أسألهم أين كانت غيرتهم تلك عندما شَتم أحد رموز العهد السابق المجاهد صالح العلي؟ نعم أين كانوا عندما أُهين أحد الرموز الوطنية في سورية؟ ناهيك عن المكانة الدينية العريقة التي يتبوأها الشيخ صالح العلي وعائلته في الوعي الجمعي لمعظم أبناء الساحل! لعلها من محاسن الصدف أن الذي تطوع للدفاع عن أحد أطراف الشرف الوطني المثلوم لسورية سنتذاك هو الضمير الأسير ميشيل كيلو, إذ كتب مقالة عام(1979) في جريدة "نضال الفلاحين" بعنوان: "علي زيود يَشتم صالح العلي ويهرب الحشيشة من لبنان", ويفرض عليّ الواجب القول إن متاعب عدة لحقت بميشيل جرّاء مقالته تلك, في حين كوفئ الشاتم.

لعله من السخف أن يسرد أو يُعرّف أحدنا بميشيل كيلو وبما قدّمه للمجتمع السوري! مع هذا فإني أستميح القارئ عذراً إن ذكرت حادثتين تكشفان عن جانب من جوانب ميشيل كيلو الإنسان المثقف. الحادثة الأولى: كنت في عزاء المفكر الراحل انطون المقدسي وبصحبتي شاب من الساحل انتهى عقد عمله في دائرة الآثار السورية التي يشغل الدكتور ميشيل المقدسي (نجل الأستاذ انطون المقدسي) مكاناً بارزاً فيها. في العزاء قدمت صاحبي إلى الأستاذ كيلو الذي كان يراه للمرة الأولى والأخيرة, شرحت له على انفراد وضعه, فما كان منه إلا أن التفت إلى نجل الراحل انطون المقدسي طالباً منه بذل مساعيه في سبيل ذلك الشاب. لم تنته القصة هنا, فبعد حوالي أسبوع أصادف ميشيل كيلو في المقهى, بعد السلام يسألني مباشرة عن صديقي وان كانت أموره قد حُلّت كما ينبغي أم لا.. يسألني عن موضوع صديقي في وقت كنت أنا شخصياً قد نسيته تماماً! تماماً كما كنت قد نسيت, منذ قرابة السنتين, قصة السائقين السوريين (من محافظة طرطوس) المعتقلين (سابقاً) في العراق من قبل القوات الأمريكية, ولعلها كذلك من محاسن الصدف أن الذي أثار قضيتهم في وسائل الإعلام حينها هو ميشيل كيلو وسط صمت مطبق من قبل الحكومة السورية وأجهزة إعلامها.

الحادثة الثانية, وأعتذر مسبقاً من الخالة وديعة والأعزاء أيهم وشذا وحنا لذكرها, كنا مرة نجلس حول الطاولة في المقهى, أُفاجأ بأحد الجالسين يقول لميشيل كيلو: "هيك أحسن, لكان سنة ونص مابتحكي معه!". عندئذ علمت أن ميشيل كان متخاصماً مع أحد ولديه لاقترانه بأجنبية لاعربية, وبقي عاماً ونصف العام لايكلّمه!

لعل الحادثتين سابقتي الذكر, ومثلهما الكثير(هل أستطيع أن أنسى أفضاله عليّ؟) تلقيان بقع ضوء على جانب من ذلك الضمير الأسير الذي أراد بعض من في المجتمع الذي نذر ميشيل كيلو حياته لخدمته, وكثير ممن في السلطة من أولئك الذين يحتكرون الوطنية والقومية(وثروات سورية طبعاً) أن يأكل لحمه وهو حي, من خلال مايسوقونه بحقه من تهم ما أنزل الله فيها من سلطان! تصوروا: إن إحدى التهم الموجهة لميشيل كيلو هي إثارة النعرات الطائفية؟! فعلاً مجنون يحكي وعاقل يسمع..

عود على بدء, سواء إن كانت بعض الفئات الاجتماعية أدركت خطأها أم لم تدركه أثناء طريقة تعاطيها مع اعتقال ميشيل كيلو وردود أفعالها على مقالته, إلا أنه من المفترض أن يكون النظام قد أدرك خطأه (وهذا هو الأهم) في اعتقاله لميشيل وبقية الأصدقاء (أنور البني, محمود مرعي....وشو بدنا نعد حتى نعد؟). وبما أن القضية أُحيلت إلى القضاء العادي على غير العادة, ستكون فرصة أمام النظام السوري كي يصحح خطأه ذاك من جهة, ومن جهة أخرى هي فرصة أمامه يثبت في سياقها استقلالية القضاء الذي أنهكه الفساد وتدخلات الأجهزة الأمنية, لابل وهي فرصة أما القضاة أنفسهم عسّاهم يستغلوها بغية النهوض بقضائهم من مستنقع صارت روائحه تزكم الأنوف, فهل هم فاعلون هذا؟ وهل هم مطلقون سراح ميشيل ورفاقه؟ نأمل أن يصحو ضميرهم, ولو متأخراً.

 

 * نشر هذا المقال في جريدة السفير مجتزأ وهذه نسخة كاملة منه.

 للتعليق على الموضوع