22 يناير 2006

 

لماذا حكومة الوحدة الوطنية في العراق؟

د. عبد الخالق حسين

 

 

وأخيراً أعلنت النتائج الرسمية للانتخابات العراقية التي جرت يوم 15 كانون الأول/ديسمبر 2005، وكما توقعنا، كانت مقاربة، إن لم نقل مطابقة، للنتائج الجزئية التي أعلنت قبل أكثر من ثلاثة أسابيع. ولم نكن نتوقع أن تمر هذه الانتخابات وإعلان نتائجها بطريقة سلسة كما في الدول الديمقراطية العريقة، فالشعب العراقي لم يمارس في تاريخه الديمقراطية ولم يعهد له المشاركة بانتخابات بمثل هذه الحرية والشفافية والتعددية رغم تهديد الإرهاب له. وقد شارك أكثر من 11 مليون مواطن بالتصويت من مجموع 15 من الذين يحق لهم، أي بنسبة 70% وهذه النسبة تعتبر جيدة جداً. كما وكان متوقعاً أن تحتج الجماعات التي لم تحقق فوزاً وفق حساباتها الخاطئة على النتائج، فلجأت إلى إثارة الضجيج والتشكيك وتوجيه تهمة التزوير ومطالبة الأمم المتحدة والجامعة العربية بالتدخل، بل وراحت بعض الجماعات إلى التهديد بإشعال حرب أهلية والاستقواء بالأمة العربية والويل والثبور وعظائم الأمور... إلى آخره. وفي الحقيقة كان هدف هؤلاء يتلخص في المثل العراقي (لو ألعب لو أخرب الملعب! أو عليَّ وعلى أعدائي يا رب)، أما أن يكون هم الفائزين بحكم العراق وإلا فالنتائج مزورة!! ونؤكد لهؤلاء ما أكدناه مع غيرنا مراراً وتكراراً إلى حد الملل، عليهم أن ينخرطوا في العملية السياسة الديمقراطية ويتقبلوا نتائج صناديق الاقتراع بروح رياضية. فالمشروع الديمقراطي في العراق خاصة، ومنطقة الشرق الأوسط عامة، لا يقبل التراجع ولا بد له أن ينجح ولا يمكن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء مهما بلغت الصعوبات والتضحيات لأن في نهاية المطاف لا يصح إلا الصحيح.

ومن يتأمل تعقيد الوضع العراقي وكثرة الأحزاب والكيانات السياسية وعدد المرشحين الذي تجاوز 6100 للمنافسة على 275 مقعداً وكان هناك 6230 مركز انتخابي و33 ألف محطة انتخابية ونحو 200 ألف موظف، في بلد يجتاحه الإرهاب، يعرف جسامة المسئولية الملقاة على (الهيئة العليا المستقلة للانتخابات) والتي في نفس الوقت اعتبرت اضعف حلقة في هذا الصراع السياسي لأنها مستقلة وغير مدعمة من قبل الكيانات السياسية، فتلقت الكثير من الاتهامات معظمها باطلة. ونتيجة لهذا التشكيك بالنتائج، تشكلت جبهة باسم (مرام) ضمت 137 حزباً سياسياً منفرداً وما يقارب الخمسين كياناً سياسياً. وتطلب الأمر دعوة فريق دولي من الخبراء من قبل الأمم المتحدة والجامعة العربية للنظر في الشكاوى وبعد ما يقارب الثلاثة أسابيع من التحقيق أصدر الفريق تقريره والذي جاء فيه: حصلت عمليات تزوير وانتهاكات أخرى، وجرى توثيقها في نظام الشكاوى (..) وربما لم يمكن رصد بعض الانتهاكات، لكن يتعذر تحديد مدى اتساع نطاق هذه الانتهاكات في ظل الظروف الحالية. ومع ذلك اعتبر الفريق الدولي انه لم يتلق أدلة قاطعة تفيد بحدوث تقصير مؤثر في العملية الانتخابية. وقد أدى التحقيق الى الغاء 227 صندوق اقتراع من اصل 31500 صندوق اقتراع في كل العراق أي اقل من 1% مشيرة الى ان ذلك لن يؤدي الى تغيير مهم في النتائج النهائية..".

فهل تقتنع جبهة (مرام) بهذا التقرير؟ نأمل ذلك لا سيما وهناك بعض الأصوات ضمن هذه الجبهة مثل الحزب الشيوعي العراقي، دعت إلى تبني العقلانية والقبول بحكم الهيئة الدولية مهما كان والسير قدماً في العملية السياسية لتشكيل الحكومة الدائمة. وهذا هو الموقف الوطني السليم. نعم، المصلحة الوطنية في هذه الظروف الشائكة والمعقدة تتطلب من جميع الأطراف اعطاء الأولوية للمصلحة الوطنية ونبذ المصالح الشخصية والفئوية والتحلي بالحكمة والصبر والأناة لإيصال السفينة العراقية إلى ساحل الأمان.

وبعد هذه الانتخابات صدرت دعوات من مختلف الأطراف العراقية والأجنبية من المسئولين الأمريكيين والبريطانيين وغيرهم من الحريصين على مصلحة الشعب العراقي وانتصار الديمقراطية، إلى تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، تجمع مختلف الأطياف السياسية والقومية والدينية والمذهبية من مكونات الشعب العراقي دون تهميش أحد، مبنية على الجمع بين مبدأي التوافق والاستحقاق الانتخابي. لاشك أن تكوين هكذا حكومة لا يخلو من تناقضات وصعوبات كثيرة، ولكنها ليست مستحيلة، لأن الظروف العصيبة التي يمر بها العراق تفرض ذلك وفي نهاية المطاف يجب على العراقيين أن يتعلموا فن التعايش بسلام مع بعضهم البعض وقبول الآخر المختلف، وتبني الشعار (العراق أولاً والعراق للجميع).

 

لماذا حكومة الوحدة الوطنية:

يدرك الجميع أن شعب العراق، يتكون من عدة أعراق وأديان وطوائف، شئنا أم أبينا، فهو شعب غير متجانس وفي حالة صراع وشك وريبة من بعضها البعض. ومظالم النظام الفاشي المقبور قد وسع الفرقة وأجج الصراع العرقي والطائفي بين مكونات الشعب العراقي، وظهرت بشكل واضح بعد سقوط النظام البعثي حيث توفرت لهذه المكونات الحرية للتعبير عن مكنوناتها المحتقنة ومواقفها ومشاعرها. لذلك تصاعدت الأصوات العاقلة بمطالبة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية ودون تهميش أي طرف من هذا الطيف العراقي. ومن هذه الأصوات ما جاء في تقرير الفريق الدولي في التحقيق بنتائج الانتخابات بالقول "ان نتائج هذه الانتخابات رسخت في وجدان الفريق ان هذه المرحلة من تاريخ العراق تؤكد على الحاجة الملحة لقيام وحدة وطنية حقيقية تتمثل فيها جميع مكونات الشعب العراقي بلا استثناء ولا تهميش وان تعطى هذه المكونات الفرصة الحقيقية للمشاركة في صنع القرار وخاصة في القضايا المصيرية التي تمس حاضر ومستقبل العراق".

قد يعترض البعض على تشكيل هكذا حكومة بأنها استهانة بالاستحقاق الانتخابي. ففي الأنظمة الديمقراطية تكون الجبهة الفائزة بأغلبية الأصوات والمقاعد هي التي تشكل الحكومة وتتحمل مسئولية الحكم. نعم هذا في البلدان الديمقراطية العريقة، خاصة إذا كانت الأحزاب علمانية وليست مبنية على أسس عرقية وطائفية وتضم في عضويتها مختلف الأعراق والأديان والمذاهب، والتقسيم الديني والعرقي والطائفي لا يشكل هاجساً من هواجسها. بينما في العراق وفي المرحلة الراهنة على الأقل، فكل شيء صار وفق الاستقطاب العرقي والطائفي، شئنا أم أبينا. إضافة إلى ذلك، ففي العراق ليس هناك أي حزب استطاع أن يحصل على الأغلبية المريحة لكي يشكل ويدير الحكومة لوحده. فحصة الكيانات السياسية من المقاعد موزعة بشكل لا يؤهل أي كيان بتحمل المسئولية لوحده كما هو واضح في الرسم البياني أدناه والمقتبس من تقرير bbcarabic .com:

 

وفي نفس الوقت فلكل كيان سياسي في حكومة الوحدة الوطنية، نسبة تمثل استحقاقه الانتخابي، أي حسب ما حصل عليه من مقاعد في البرلمان. لذلك فتشكيل حكومة الوحدة الوطنية وفق مبدأ التوافق لا يتعارض مع الاستحقاق الانتخابي، أي يمكن الجمع بين الاثنين من أجل تحقيق الأفضل ومشاركة الجميع في العملية السياسية دون تهميش أي طرف من الأطراف الراغبة بالمشاركة في بناء العراق السياسي الديمقراطي. وهذه هي محاسن الحكومة الائتلافية في الظرف الحالي.

 

مساوئ الحكومة الإئتلافية

 

لا شك أن الحكومة الائتلافية هي أضعف من حكومة الحزب الواحد أو الكيان السياسي الواحد وذلك بسبب عدم الانسجام بين الوزراء والتناقضات في برامج الأحزاب السياسية التي يمثلونها. كما ويتناقض مع الديمقراطية التي تقتضي الالتزام بالاستحقاق الانتخابي. كذلك من المفيد أن تكون مقابل الحكومة الديمقراطية جبهة معارضة في البرلمان لمحاسبة الحكومة على كل صغيرة وكبيرة. فالحكومة الجيدة تحتاج إلى معارضة جيدة. ولكن يجب أن نضع في الحسبان أن هذا الكلام صحيح في الدول الديمقراطية العريقة والمستقرة ولا تعاني من أي تهديد لأمنها. وحتى هذه الدول المستقرة تلجأ إلى تشكيل حكومة الوحدة الوطنية في حالة تعرضها للخطر، كمخاطر الحروب. أما العراق وبوضعه الحالي فالديمقراطية هشة ومازالت في مراحلها الجنينية وتحتاج إلى رعاية فائقة من قبل الجميع لكي تنمو وتنضج وتترسخ في الوعي الشعبي وتصبح تقليداً يلتزم به الجميع. كذلك فالعراق اليوم أصبح ساحة للحرب على الإرهاب وهناك منطقة رمادية بين الإرهاب والمعارضة. وقد شاهدنا بعَيْد إعلان نتائج الانتخابات كيف هدد البعض في جبهة (مرام) بالحرب الأهلية. ومن هنا رحنا نقلق على بعض الكيانات المخلصة في مرام مثل الوفاق والحزب الشيوعي العراقي أن تجد نفسها في خندق واحد مع المقاومة اللاشريفة وترى أن (مرام) ما هو إلا فخ نصب لإيقاع الكيانات الوطنية في حبائلها. ولكن تصاعدت الأصوات الخيرة من داخل جبهة مرام، تدعو إلى التهدئة والقبول بحكم الهيئة الدولية والعمل على تشكيل الحكومة الائتلافية. وهذا هو الموقف الصحيح.

ومن الأخبار المفرحة أن أعلن زعماء الائتلاف الوطني العراقي (الشيعي) الذين يترأسون أكبر تكتل في البرلمان العراقي الجديد أنهم سيشكلون ائتلافا حكوميا تشارك فيه الأحزاب السنية، لكنهم اشترطوا لتحقيق ذلك قيام هذه الأحزاب ببذل جهود أكبر في المواجهة مع المسلحين. وهذا حق يؤده كل مخلص للعراق. إذ لا يمكن للأحزاب السنة أن تكون لها رجل في الحكومة وأخرى مع المقاومة "الشريفة". عليهم أن يحسموا أمورهم بشكل نزيه وواضح ويساهموا مع بقية القوى الوطنية المخلصة لإلحاق الهزيمة بالإرهاب وإعادة بناء العراقي الديمقراطي المزدهر.

 

للتعليق على هذا الموضوع