3 فبراير 2006

 

 

 

صدام الثقافات والكاريكاتير المسيء
د.عبدالخالق حسين

 

إن ما يجري في البلدان الإسلامية من احتجاجات عنيفة ضد الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة إلى النبي محمد (ص) والتي نشرتها صحيفة دانيماركية، يدعو إلى الحزن والأسى بقدر ما يدعو إلى التأمل والتفكير فيما آلت إليه الشعوب الإسلامية من تخلف. ليس الاعتراض هنا على احتجاج العرب والمسلمين على هذه الرسوم، فالرسوم مسيئة والاحتجاج عليها حق مشروع، سواءً في الدول الإسلامية أو الغربية، ولكن الاعتراض هو على الأسلوب غير الحضاري لهذا الاحتجاج والذي اتسم بالعنف غير المبرر.

 

إن حكاية الرسوم الكاريكاتيرية هذه باتت معروفة ولكن نعيدها هنا فقط لإكمال الصورة وملخصها أن قام رسام كاريكاتير بنشر عدد من الرسوم المسيئة إلى النبي محمد (ص) قبل ثلاثة أشهر في صحيفة دانيماركية. (نكرر، قبل ثلاثة أشهر.. صح النوم أيها المحتجون). وفي وقتها لم ينتبه لها أحد ولم تثر هذه الرسوم أية زوبعة، لا في وسط المسلمين في أوربا ولا في العالم الإسلامي. ولكن يبدو أن أناساً أو حتى منظمات، لا يحلو لها أن تمر هذه المناسبة بسلام، فعملوا على إثارتها وأعادوا نشرها من جديد ونظموا لها الندوات والسجالات وحركوا مسلمي الدنيمارك للقيام بمظاهرات احتجاجية لتنبيه الشعوب الإسلامية عنها، كما وقامت صحف أوربية وغير أوربية بإعادة نشرها، منها بحجة التضامن مع الرسام والصحيفة الدنيماركية وحرية التعبير، ومنها احتجاجاً على نشر تلك الرسوم وربطها بالمقالات الاحتجاجية لتذكير القراء بها. كل ذلك من أجل إثارة انتباه العالم وبالتالي إشعال فتيل الصدام بين المسلمين والغرب. وانتشرت الشرارة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي كالنار في الهشيم، حيث انفجرت ردود الأفعال العنيفة ضد هذه الفعلة على شكل مظاهرات وأعمال عنف خارج السيطرة، ضد جهات لا علاقة لها بهذه الرسوم، لا من قريب ولا من بعيد. وإلا فما ذنب مسيحي العراق بهذا الكاريكاتير حتى يستغل الإرهابيون الإسلاميون المناسبة بتفجير كنائسهم وقتل وجرح الأبرياء منهم؟ وما ذنب الحكومة الدنيماركية والحكومات الأوربية حتى تواجه الاعتداءات على مواطنيها وسفاراتها في الدول الإسلامية؟ وما علاقة مكاتب الوحدة الأوربية في غزة حتى يتجاوز المتظاهرون على موظفيها؟ فيإعتداءاتهم هذه على الأوربيين والمسيحيين دون تمييز بسبب رسام كاريكاتير دنيماركي، فقد تجاوز المسلمون على أهم مبدأ من مبادئ دينهم (لا تزر وازرة وزر أخرى).

إضافة إلى قيام بعض الدول العربية بدعوة سفراءها في كوبنهاغن بل وحتى قيام البعض بسحب سفرائها مثل ليبيا وسوريا ومقاطعة البضائع الدنيماركية. ولم يشفع اعتذار الحكومة الدنيماركية واعتذار الصحيفة ذاتها، بل وحتى طرد الرسام من وظيفته..الخ. وهل الإسلام الذي يدين به أكثر من مليار نسمة، صار وجوده مهدداً برسوم كاريكاتيرية؟ فهل يستحق الأمر كل ذلك؟

 

والسؤال الملح هو: لماذا لم يتحرك أحد من المسلمين عندما نشرت هذه الرسوم المسيئة إلى مشاعر المسلمين قبل ثلاثة أشهر؟ ولماذا أثيرت حولها سجالات حديثاً وأعيد نشرها ليس في الصحيفة الدنيماركية وحدها بل وفي العديد من الصحف الأوربية ومواقع الإنترنت؟ لست من المؤمنين بنظرية المؤامرة، ولكن هذا لا يعني أنه ليست هناك مؤامرات وأناس يخططون في الخفاء لإشعال الحرائق والاضطرابات والصدام بين المسلمين والشعوب الأوربية والمسيحية في العالم وفي هذا الوقت المتأزم بالذات حيث تفشي موجة الإرهاب الإسلامي في العالم.

 

نعم، إن الرسوم الكاريكاتيرية تلك مسيئة جداً لمشاعر المسلمين، ولا يمكن تبريرها بذريعة حرية التعبير التي تلتزم بها الدول الديمقراطية كثمرة من ثمار الحضارة الغربية. ولكن حرية التعبير ليست مطلقة بلا ضوابط، إذ هناك قوانين تنظم هذه الحرية وإلا عمت الفوضى وصار كل إنسان مهدد بالتسقيط وتشويه سمعة وعرضة للابتزاز في أية لحظة. وهناك حوادث كثيرة تورطت بها صحف غربية في نشر افتراءات على شخصيات سياسية معروفة مما اضطر الضحايا مقاضاة هذه الصحف قانونياً، دفاعاً عن سمعتها ومعاقبتها بغرامات مالية كبيرة. ولكن في نفس الوقت يجب أن يعرف العرب والمسلمون أن الحكومات الأوربية لا سيطرة لها على صحافتها، وأن الناس يتمتعون بحرية التعبير، وإن الحكم للقانون ودور رجال الحكم ينحصر في تطبيق القانون فقط وليس غير. ولكن هذه الحقيقة لا تفهمها الشعوب الإسلامية مع الأسف. وهذا هو أحد الجوانب الكبرى في الاختلاف بين ثقافات الشعوب الإسلامية والغرب.

 

أجل، لقد أخطأ الرسام في رسومه الكاريكاتيرية المسيئة كما أخطأت هيئة تحرير الصحيفة الدنيماركية في نشرها. ولكن في جميع الأحوال فإن ردود أفعال المسلمين كانت أسوأ تأثيراً بكثير على الإسلام وسمعة المسلمين من تلك الرسوم ووضعت المسلمين في الغرب في موقف صعب. كذلك جعلت المسلمين في حالة مواجهة مع 80% من البشرية. وهذا يذكرنا بما حصل لرواية (الآيات الشيطانية) للروائي البريطاني سلمان رشدي قبل عشرين عاماً. كان رشدي قبل نشر هذه الرواية كاتباً مغمورا لم يسمع به إلا القليل. ولكن ردود الأفعال العنيفة من قبل المسلمين وفتوى الخميني بقتله بسبب روايته تلك، جعلت منه أشهر من نار على علم. وصارت دور النشر العالمية تتنافس على نشر رواياته السابقة واللاحقة وترجمتها إلى مختلف اللغات. أما رواية (الآيات الشيطانية) فراح حتى المسلمون أنفسهم يستنسخونها ويوزعونها سراً في البلاد الإسلامية كما لو كانت منشورات سرية، فكل ممنوع متبوع. وهذا بالضبط ما حصل للرسوم الكاريكاتيرية المشار إليها.

 

لذلك ففي الوقت الذي ندين فيه هذه الرسوم ونشرها، كذلك يجب على عقلاء المسلمين إدانة العنف والأسلوب غير الحضاري في التعامل مع هذه الحالات. إذ هناك أساليب حضارية أفضل في التعبير عن الاحتجاج، مثل المظاهرات السلمية ومخاطبة السفارات الدينماركية بالتي هي أحسن على شكل مذكرات...الخ، لإعطاء الوجه الحضاري للإسلام وليس حرق الأعلام والاعتداء على المسيحيين وتفجير كنائسهم والتهديد باختطاف الأوربيين وقتلهم. 

 

إن هذه الرسوم مسيئة للرسول وجارحة لمشاعر المسلمين، ونشرها في هذا الوقت بالذات يعطي الذريعة للمتطرفين الأصوليين في تأجيج المشاعر لتجنيد المزيد للإرهاب. ولكن في نفس الوقت أعطى المسلمون للعالم انطباعاً بأنهم سريعو الغضب والانفعال وغير قادرين على السيطرة على انفعالاتهم، مما جعلهم في حالة مواجهة مع العالم. فكما تساءل مذيع بريطاني، أيهما أكثر قسوة وإهانة للمشاعر الإنسانية وإثارة للقرف، رسوم كاريكاتيرية تافهة أو ذبح المدنيين الأوربيين الأبرياء المختطفين من قبل إرهابيين إسلاميين وأمام الكاميرات وبمنتهى الوحشية وبدم بارد تبثها الفضائيات العربية؟

 

إن ردود الأفعال هذه تثبت صحة نظرية صموئيل هاتنغتون حول (صراع الحضارات) والتي يحاول البعض التهكم عليها ووصفها بالخرافة. ولعل هاملتون أخطأ فقط في التسمية. فالصراع هو بين الثقافات cultural clashes  وليس بين الحضارات. لأن هناك تعدد الثقافات ولكن حضارة واحدة وهي الحضارة البشرية التي ساهمت فيها جميع الأمم ولو أنها تسمى اليوم بالحضارة الغربية لأن الشعوب الغربية أكثر رقياً من جميع الشعوب الأخرى وهي التي ساهمت في الخمسة قرون الأخيرة ببنائها وتطورها وبلوغها إلى هذا المستوى من الرقي.

خلاصة القول، إن الرسوم الكاريكاتيرية مسيئة رغم أنها تعتبر طبيعية وفق الأعراف الغربية، ولا ذنب للحكومة الدنيماركية بها، ولكن الطريقة التي عبر المسلمون بها عن احتجاجهم أساءت للإسلام والمسلمين أكثر وشوهت صورتهم في العالم.

 

للتعليق على هذا الموضوع