7 يونيو 2005

 

من الخطأ "تطهير" كتب التراث

تعقيباً على الأستاذ أشرف عبدالقادر

د. عبدالخالق حسين

 

الأستاذ أشرف عبدالقادر من كتاب إيلاف المتميزين وأنا واحد من الذين يتابعون كتاباته بشغف. وقد أجاد في مقالته الأخيرة (هل الأخضر هو مؤلف المجهول في حياة الرسول؟ ) في إيلاف يوم 4/6/2005، حيث فضح فقيه الإرهاب راشد الغنوشي رئيس منظمة (النهضة) الإسلامية الأصولية، الذي ألصق تهمة تأليف الكتاب المذكور بالمفكر الكبير العفيف الأخضر. والقصد من هذه التهمة الباطلة، بطبيعة الحال، تحريض الإرهابيين الإسلاميين على قتل المفكر وهو على فراش المرض. كما أحسن الكاتب باستشهاده بالآية الكريمة (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين" (الحجرات 6). وكذلك أثبت بالأدلة الدامغة التي تنفي كون الأستاذ العفيف هو مؤلف الكتاب (المجهول في حياة الرسول) ولا ينكر هذه الأدلة إلا من كان في قلبه مرض مثل فقهاء الإرهاب ومن يتبعهم من الإرهابيين الضالين.

إلا إني أختلف مع الأخ الكاتب عندما يوجه نداءً " إلى علماء الإسلام بأن يطهروا البخاري ومسلم ومسند أحمد بن حنبل من هذه الأحاديث الكاذبة والمؤذية للإسلام ورسوله والتي اعتمد عليها القس مؤلف الكتاب والتي تطعن الإسلام ورسوله وأم المؤمنين عائشة في الصميم.".

أولاً، من الصعوبة بمكان أن يثبت لنا أن الكتاب المذكور وكتب أخرى ذكرها السيد الكاتب من تأليف القس، وفي هذه التهمة خطورة كبيرة خاصة لحساسية الموقف في مصر حيث عانت الطائفة القبطية كثيراً من تعسف الأصوليين الإسلاميين. فقد يتخذ المتطرفون هذه التهمة ذريعة لتفجير الوضع ضد الأقباط.

 

ثم يتوجه الكاتب بندائه : (لفضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر د. محمد سيد طنطاوي بأن يؤلف لجنة من المفكرين المسلمين المستنيرين، لتنظيف كتب الحديث والتفسير من جميع الأحاديث التي اعتمد عليها المبشر مؤلف كتاب "المجهول في حياة الرسول" وغيرها من الكتب المعادية للإسلام التي تتجاوز الأربعة عشر كتاباً....).

أعتقد هناك خطورة كبيرة في هذه الدعوة. فالبخاري إمام كبير محترم وموثوق به من قبل جمهرة واسعة من المسلمين وقد انتقى الأحاديث الشريفة من بين مئات الألوف من الأحاديث المشكوك بصحتها واختار منها حوالي سبعة آلاف حديث، وسمي كتابه بصحيح البخاري، وهو أحد الصحاح الستة المعتمدة عند معظم المسلمين ومن جميع المذاهب، السنية والشيعية. وكذلك صحيح مسلم ومسند أحمد بن حنبل الذي هو إمام ومؤسس مذهب الحنبلية. فهل يصح لأبناء هذا العصر أن يسطوا على جهود أئمة فجر الإسلام ويتلاعبوا بكتبهم وصحاحهم لأن هناك من يستغل هذه الأحاديث لأغراض لا تلائم مزاجيتنا؟ وإذا وافقنا الأخ أشرف على دعوته هذه، فأين ستقف عملية تطهير وتنظيف الكتب هذه؟

إن هذه الكتب تبحث في التراث العربي-الإسلامي، وتعتبر من المصادر الإسلامية المهمة الموثقة في الإسلام، وليس من حق أبناء أي جيل آخر التلاعب بها. لأن كتب التراث أشبه بالآثار التاريخية القديمة. فهل يحق لمهندس معماري معاصر أن يغيِّر بعض المعالم الأثرية في مصر أو العراق لأن هذه الآثار لا تلائم ذوق معماريينا المعاصرين؟

في الحقيقة، ليس هناك أية جهة مخولة وتملك الحق لإجراء أي تغيير أو تعديل أو "تطهير" على كتب التراث والسيرة والتفسير، وبالأخص الصحاح الستة التي انتقت الأحاديث الشريفة من بين أكوام من الأحاديث المشكوك بصحتها، بغض النظر عن طريقتهم في اختيار هذه الأحاديث.

نعم يمكن للأستاذ أشرف عبدالقادر أن يطالب بشيء واحد وهو أن تقوم لجنة بجمع الأحاديث التي تؤمن بصحتها في كتاب حسب (المعقول والمنقول) وفق معايير هذا الزمان وأن يطلقوا على هذا الكتاب أي اسم من عندهم، ولكن بدون أن يمسوا كتب الصحاح أو أي كتاب تراثي آخر، لا من قريب ولا من بعيد،.

 

هناك اعتراض آخر، فأين ستقف عملية التطهير والتنظيف هذه؟ إذ ليس هناك إجماع على معظم الأمور في الإسلام. فبإمكان أي شخص إثارة الشكوك ضد أغلب الأحاديث، أو إعطاء تفسير مختلف للآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، ولذلك هناك مذاهب متعددة في الإسلام وكل فرقة تدعي أنها هي وحدها الناجية.

ثم ماذا عن القرآن الكريم، ففيه عشرات الآيات التي تسمى بآيات السيف والجهاد والتي يعتمد عليها الإرهابيون في ذبح الأبرياء في العراق والجزائر ومصر والسعودية وغيرها. فهل نطالب ب"تطهير" القرآن من آيات السيف، معاذا الله؟ علماً بأن فقهاء الإرهاب يقولون أن آيات السيف نسخت آيات الرحمة واللين مثل لا إكراه في الدين... وغيرها.

من هنا نعرف أن مطالبة الأزهر أو أية جهة إسلامية بتنظيف كتب التراث من الأحاديث "الكاذبة" تعتبر مطلباً غير واقعي وغير عادل ومخالف للمنهج العلمي، ولا يمكن تطبيقه.

 

إذنْ ما الحل: اعتقد أن الحل يكمن ليس بتطهير كتب التراث مما لا يعجبنا، فهذا مخالف للأمانة العلمية، بل في التوعية ونشر ثقافة التسامح ومحاربة ثقافة العنف والكراهية التي اعتمدها الأصوليون في كراهية كل من يختلف عنا في الدين والمذهب. المطلوب هو قراءة التراث بروح عصرية وبعقلية منفتحة لا بروح التعصب والانغلاق وتكفير الآخرين. أما الافتراءات على هذا النبي أو ذاك وهذا الدين أو ذاك فهي ليست جديدة، لأنها حصلت منذ نزول الوحي على نبينا محمد (ص) إلى يومنا هذا ولم يستثنى نبي منها، و يجب أن لا نتطير منها لأن في نهاية الأمر وكما جاء في القرآن الكريم فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.

 

للتعليق على هذا الموضوع