4 مارس 2005

سوريا والإرهاب

د. عبد الخالق حسين

 

لا أبالغ إذا قلت أن كلمة (البعث) صارت مرادفة للإرهاب والعنصرية. فالبعث بالتأكيد حركة فاشية وعنصرية، وقد ناقشت هذا الموضوع وأثبته في مقال سابق لي بعنوان (البعث تنظيم إرهابي وعنصري)[i]. لقد أثبتت التجارب التي عاشها الشعبان، العراقي والسوري، اللذان ابتليا بهذا السرطان الخبيث، أن الإرهاب جزء لا يتجزأ من آيديولوجية حزب البعث. فمنذ تأسيس هذا الحزب وفق آيديولوجية القومية العربية بنسختها البعثية المتطرفة التي صاغها ميشيل عفلق والذي يشك في أصله، هل هو حقاً مواطن سوري أم فرنسي، وهذا الحزب جعل من القتل والغدر واغتيال الخصوم والإرهاب وسيلة للوصول إلى السلطة والاستمرار فيها. وتنظيم البعث في الواقع هو أقرب إلى عصابة غارقة في الإجرام على غرار عصابات المافيا السرية منه إلى حزب سياسي. وقد اغتصب البعثيون السلطة لنهب ثروات البلاد وقتل كل من يقف بوجوههم. هذا ما حصل في العراق وما يجري لحد الآن في سوريا.

 

وقد تبنت هذه العصابة الإرهاب، سواء كانت في الحكم أم خارجه، وغلَّفت أفكارها الشريرة بعناوين جذابة خدعت بها السذج من الشباب القوميين العرب المتحمسين للأهداف القومية، وشحنتهم بأفكار عدوانية تدفعهم لتدمير شعوبهم وأوطانهم باسم القومية. فشعارات البعث (الوحدة والحرية والاشتراكية، وأمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة) إلى آخره من الشعارات البراقة الخادعة تعني عكس المضمون المعلن عنها.

 

فالوحدة العربية من المحيط إلى الخليج، معناها التمزق، إذ لم يحافظ حكم البعث حتى على الحد الأدنى من التضامن العربي، وبلغت العداوة أشدها بين دولتين بعثيتين مثل سوريا والعراق في عهد صدام. أما الحرية فصارت عبودية وسحق الإنسان الفرد وإذلاله وتجريده من كرامته والحث على عبادة الشخصية وتأليه "القائد الضرورة". أما الاشتراكية فتحولت إلى فقر مدقع حتى في أغنى بلد في العالم طاف على بحر من النفط مثل العراق. 

 

ولما تخلص الشعب العراقي من الطاعون البعثي بفضل نضاله وتضحياته والتحالف الدولي بقيادة أمريكا، راح النظام البعثي في سوريا يؤدي ما كان يقوم به البعث الصدامي في العراق. فحزب البعث لا يستطيع البقاء في الحكم في أجواء سلمية طبيعية. لذلك يعمل البعثيون، سواء في سوريا أو في العراق، على توتير الأجواء وخلق حالة توتر مستمرة في المنطقة بحجة محاربة الاستعمار والصهيونية. لذلك لم يكتفِ النظام البعثي السوري بدعم الإرهاب في العراق فحسب، بل راح يعمل على تصعيد التوتر في مناطق أخرى في المنطقة مثل لبنان وفلسطين وتشكيل تحالفات مع الإرهابيين الإسلاميين مثل القاعدة وغيرها، أما حزب الله اللبناني فأساساً مدعوم من قبل سوريا وحليفتها إيران.

 

وبعد صدور القرار الدولي 1559 القاضي برحيل القوات السورية من لبنان، وقعت جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري وسبعة آخرين من مرافقيه يوم 14 فبراير، كما حصلت محاولة اغتيال السياسي مروان حمادة، المحسوب على كتلة الزعيم الدرزي وليد جنبلاط قبل ذلك بأشهر، وكل هؤلاء هم من مناوئي الاحتلال السوري للبنان. ومعظم وسائل الإعلام في العالم، عدا الصحف الإيرانية، وجهت إصبع الاتهام في جريمة إغتيال الحريري إلى سوريا وعملائها في لبنان.

 

كذلك لا يستطيع النظام السوري البقاء في الحكم واضطهاد شعبه بدون استمرار الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. فليس من صالحه حل هذه المشكلة لأن هكذا نظام، كغيره من الأنظمة العربية المستبدة، يبرر استمرار تسلطه على الحكم بحجة التحرير قبل الديمقراطية. والحقيقة لا يمكن لأي شعب مضطهد أن يحقق نصراً بقيادة حكومة مستبدة. لهذا السبب، تعمل سوريا على إفشال مشروع الحل السلمي للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي وتعمل على تدمير مهمة الرئيس محمود عباس (أبو مازن) المعروف بالاعتدال ورغبته في حل الصراع سلمياً. فكان صدام حسين يدعم العمليات الانتحارية في الضفة الغربية ويدفع 25 ألف دولار لعائلة كل انتحاري. ويبدو أن سوريا هي التي تقوم اليوم  بدور صدام حسين في دعم العمليات الانتحارية. لذلك، فاتهام إسرائيل لسوريا كونها وراء تفجير مطعم ليلي في تل أبيب جدير بالتفكير. خاصة وقد "قال مصدر إسرائيلي ان وزارة الامن الاسرائيلية ستوفد، اليوم، ثلاثة مبعوثين الى كل من واشنطن وباريس ولندن، لاطلاع المسؤولين على أدلة تزعم اسرائيل انها تثبت صدور الاوامر بتنفيذ عملية تل ابيب عن مقر الجهاد الاسلامي في دمشق." (تقرير إيلاف، 28/2/2005).

 

من الطبيعي أن تنفي سوريا هذه التهمة وغيرها وتردد القول "ما هي فائدة سوريا من وراء هذه الأعمال؟". فائدتها، كما أسلفنا أن هكذا نظام بوليسي جائر تديره المخابرات لا يدوم إلا في حالة تصعيد وإدامة التوتر في المنطقة. فحكام سوريا كانوا دائماً وأبداً ينفون دورهم في دعم الإرهاب في العراق وحتى وجود قياديين من فلول البعث العراقي في بلادهم. وبعد تصاعد الضغوط على الحكومة السورية من الحكومة العراقية والأمريكية، وكثرة الاتهامات ضدها كدولة مارقة تدعم الإرهاب، اضطر النظام السوري إلى تسليم الإرهابي سبعاوي إبراهيم الحسن، الأخ غير الشقيق لصدام حسين، إلى الحكومة العراقية. وسبعاوي هذا كان ضمن قياديين آخرين يديرون ويمولون الإرهاب في العراق من قاعدتهم في حلب وحسكة السوريتين. كما وتفيد الأنباء، أن الاستخبارات السورية ساعدت العراق على إلقاء القبض على عشرات التنظيمات الإرهابية والكشف على مخابئ أسلحتهم في الموصل، كعلامة حسن النية للتقرب من أمريكا لتفادي الضربة المحتملة.

 

وهذا التجاوب السوري ليس بالأمر الغريب، فالسوريون يتبعون سياسة حافة الهاوية وتطبيق مبدأ الرئيس الراحل حافظ الأسد، ومفاده أنه يجب التضحية بكل شيء في سبيل البقاء في الحكم. وفعلاً تم تطبيق هذا المبدأ بأوضح ما يمكن أيام حافظ الأسد نفسه عندما حشدت تركيا قواتها على الحدود السورية قبل سنوات وطالبت بطرد زعيم ب الحزب العمالي الكردي PKK عبدالله أوجلان وإلا الحرب. فسارع الأسد الأب بالإذعان إلى المطلب التركي صاغراً تفادياً للضربة الماحقة للحفاظ على نظامه. لذا فبعد اشتداد الضغوط على النظام السوري من كل جانب، وكثرة الاتهامات الموجهة ضده بضلوعه بدعم الإرهاب في العراق وفلسطين، واحتمال تورطه في اغتيال رفيق الحريري، وصار مصيره مهدداً كمصير صدام حسين، سارع بتسليم سبعاوي والبقية تأتي.

 

وهذا يثبت بشكل لا لبس فيه ما كنا نقوله حول ضلوع سوريا في الإرهاب في العراق وغيره رغم نفي المسؤولين السوريين. ولكن هل يتخلى البعث السوري عن ممارسة الإرهاب في المنطقة أم هو تكتيك وقتي وانحناء أمام العاصفة؟

 

كما ذكرنا أعلاه، نعتقد أن الإرهاب مبدأ أساسي من مبادئ عصابات البعث، لذا فالنظام البعثي السوري لا يمكن أن يتخلى عن هذا المبدأ، كما لا يمكن حل أية مشكلة في المنطقة وتحقيق الأمن والسلام ونشر الديمقراطية فيها ما لم يتم زوال هذا النظام الفاشي وإلحاقه بالنظام البعثي الصدامي المقبور.

 

 

للتعليق على هذا الموضوع



[i] - البعث تنظيم إرهابي وعنصري

http://www.sotaliraq.com/new/article_2005_01_13_4622.html