20 يناير 2005

لماذا لا يصلح النظام الملكي للعراق؟

د. عبدالخالق حسين

 

مقدمة

ابتلى الشعب العراقي بعوامل عديدة يمكن استغلالها لتفرقة صفه وتمزيق وحدته الوطنية، مثل التعددية الأثنية والدينية والمذهبية... الخ. وفي الظروف الطبيعية الحضارية يمكن توجيه هذه التعددية إلى عوامل قوة ورص الصف ووحدة الشعب وتقدمه، وهذا يعتمد على سياسة الحكومة الرشيدة إذا ما تبنت سياسة عدم التمييز بين مكونات الشعب والاعتراف بالهويات الثانوية إلى جانب التركيز على الهوية الوطنية والولاء للوطن ومعاملة الجميع سواسية في الحقوق والواجبات. ولكن في الظروف غير الطبيعية كالتي مر بها الشعب العراقي منذ تأسيس الدولة العراقية وخاصة خلال حكم البعث الفاشي الساقط، تم استخدام هذه التعددية للشر وتحويلها إلى أداة تفرقة ضد وحدة الشعب عملاً بسياسة (فرق تسد)، حيث استخدمت السلطة الحاكمة شريحة معينة من الشعب العراقي لدعم احتكارها للسلطة مقابل منح هذه الشريحة معظم الامتيازات والثروة والمناصب وحرمان الفئات الأخرى من حقوقها في الوطن.

 

ثم تدخل عامل آخر ليزيد في الطين بلة وهو تسييس الدين، وهل نريد بعد حكم صدام نظاماً ديمقراطياً أم نظاما إسلامياً؟ ونظراً لما تتمتع به الديمقراطية من زخم وقوة جذب في العالم، خاصة بعد سقوط الأنظمة الشمولية، ظهر حماس شديد لدى الشعب العراقي للديمقراطية بعد كل المصائب والمظالم التي نالها من الأنظمة الاستبدادية المتعاقبة، لذلك ولحسن الحظ تخلت الأحزاب الإسلامية عن شرطها في استفتاء الشعب لقيام نظام إسلامي. ولا ندري إن كان هذا تكتيكاً مؤقتاً كانحناء أما العاصفة إلى أن تمر، أم ستراتيجية بعيدة المدى. المهم أن نأخذ بالمعلن إلى أن يثبت العكس. ولكن ما أن تخلصنا من هذا العامل إلا وبرز أمامنا عامل آخر للتفرقة، ألا وهو هل نريد نظاماً جمهورياً أم ملكياً.. وهكذا ربما تخرج علينا فئة أخرى تطالب بنظام أخر.. من يدري!

 

دعاة الملكية

بدءً، من حق أية جماعة الدعوة لما تريد على شرط أن تستخدم الوسائل السلمية المشروعة وتلتزم بالموضوعية لنشر دعوتها. ففي فرنسا توجد لحد اليوم جمعية صغيرة مغمورة تدعو إلى عودة الملكية.. ولا ضير من ذلك، ولكن ما هو نصيب تحقيق هدف هذه الجماعة، في رأي لا يتجاوز الصفر. كذلك وبعد هزيمة النظام الفاشي العراقي في حرب الخليج الثانية وطرده من الكويت ظهرت جماعة عراقية في لندن تدعو إلى إعادة الملكية في العراق، وراحت تروج للعهد الملكي أنه كان عهد الازدهار والديمقراطية إلى أن جاء عبدالكريم قاسم فاقتلع هذه النبتة اليانعة في إنقلاب 14 تموز حيث بدأت مرحلة الإنقلابات العسكرية وتسييس العسكر ومحنة العراق منذ ذلك اليوم!!. وراحت هذه الجماعة إلى أبعد من ذلك، إذ ألقت تبعات كل جرائم صدام حسين على الزعيم عبدالكريم قاسم. أود في هذه المداخلة مناقشة هذه الادعاءات وفيما إذا كان النظام الملكي يصلح للعراق الديمقراطي الفيدرالي أم لا؟ فكلما اقتربت الانتخابات برزت عوامل أكثر لتأجيج الصراع وتعقيد الوضع، منها بالرصاص والتفجيرات ومنها برشقات الكلام. لذا نقرأ هذه الأيام حملة من دعاة الملكية وجولات الشريف علي بن الحسين، الحالم بعرش العراق، يحاولون تسويق النظام الملكي وتزويقه وربط الظلم والاستبداد كصفة ملازمة للنظام الجمهوري، محاولة منهم لإعادة عجلة التاريخ إلى الوراء وبعث الملكية في العراق. فهؤلاء لا يرون من الألوان سوى الأسود والأبيض، فالنظام جمهوري في رأيهم شر مطلق ونسخة من صدام حسين، والنظام الملكي خير مطلق، فلا يرون في الملكية سوى الملك فيصل الأول والنظام الجمهوري غير صدام حسين، ناكرين فضائل عبدالكريم قاسم الجمهوري وجرائم عبدالإله ونوري السعيد في العهد الملكي.

 

نبذة تاريخية عن الملكية

لو درسنا تاريخ تطور المجتمعات البشرية منذ المشاعة البدائية، مروراً بالعصور اللاحقة إلى الآن (عصر الإنترنت والثورة المعلوماتية) لوجدنا أن هذه المجتمعات بدأت على شكل مجموعات تتكون ما بين 10-20 شخصاً في تنقل دائم وراء الصيد، ثم استقر البعض منهم على سواحل الأنهر، مثل وادي الرافدين والنيل وأماكن أخرى من العالم، وتكاثرت هذه المجموعات البشرية لتكون عشائر لها شيوخ، ثم ظهور القبائل، وأخيراً ظهور دول المدن، وتحول الشيخ إلى ملك-إله مستبد. وهكذا نرى كل مرحلة تمثل مرحلة متقدمة على التي قبلها في سلم التطور الاجتماعي. وكانت الأنظمة الملكية هي استبدادية بشكل مطلق حتى وقت قريب في معظم أنحاء العالم، ولحد الآن في بعض الدول المتخلفة. واستمر هذا الوضع إلى مراحل متقدمة حيث انتشار الثقافة والوعي بين الجماهير، فكانت الثورة الفرنسية على النظام الملكي-الإقطاعي في باريس يوم 14 تموز/يولو 1789، وسقوط الملكية في هذا البلد إلى الأبد وإعلان الجمهورية. ومنها بدأت تنتشر الأنظمة الجمهورية الحديثة وتتقلص الأنظمة الملكية كعامل ملازم لعملية التطور والتقدم. وينقل عن الملك فاروق قوله أنه في النهاية سيبقى ملكان في العالم فقط: ملك ورق البوكر وملك بريطانيا، كدليل على تعلق الشعب البريطاني بالمحافظة والنظام الملكي. ولكن حتى في بريطانيا هذه يوجد اليوم أكثر من 30% يطالبون بإلغاء الملكية، مقارنة بما قبل 30 عاماً حيث لم يجرأ أحد طرح مثل هذا السؤال حول بقاء أو إلغاء الملكية في هذا البلد. وهكذا نعرف أن النظام الجمهوري هو شكل متقدم على النظام الملكي الذي هو شكل متخلف موروث من العهود الغابرة.

وقد سمي القرن العشرين، بحق، بقرن الشعوب. ففي هذا القرن بدأت الشعوب تتحرك وتثور وتطالب بحقوقها وتدك قلاع الأنظمة الملكية المستبدة وتسقطها الواحد بعد الآخر وحتى إسقاط الحكومات الجمهورية إذا كانت جائرة. وقد بقيت بعض الأنظمة الملكية في الدول الأوربية الديمقراطية المتطورة مثل بريطانيا وهولندا والسويد وبلجيكا وغيرها، إلا إن بقاء هذه العائلات المالكة على رأس الدولة لا يتجاوز دور الرمز ونوع من التعلق بالتراث التاريخي لتلك الشعوب، ودروها أشبه بالعلم الذي هو مجرد قطعة قماش ولكن ألوانه تمثل رمزاً للدولة. ولا يحق للملك في هذه الدول التدخل بالسياسة مطلقاً وحتى إبداء مجرد رأي في أي موضوع سياسي، كما وصارت العائلات المالكة في هذه الدول موضوعاً للتندر في المسلسلات الكوميدية.

والنظام الملكي الوحيد الذي عاد بعد سقوطه هو في أسبانيا، حيث قام الدكتاتور الفاشي فرانكو بإعادة الملكية وهو على فراش الموت. لذلك أعتقد أن الشخصي الوحيد الذي كان قادراً على إعادة الملكية إلى العراق هو صدام حسين. ولكن هذا الدكتاتور المعروف بنرجسية مفرطة وجنون العظمة، كان قد خطط قبيل سقوطه بتنصيب ابنه قصي لتولي "العرش" من بعده حيث قام بتعديل الدستور وتنقيص عمر رئيس الجمهورية الوريث إلى دون الأربعين ليناسب عمر قصي، على غرار ما قام به حافظ الأسد الذي نصب ابنه بشار رئيساً من بعده، كإبداع جديد لأنظمة الجمهوريات-الملكية المستبدة في الزمن العربي العاهر. وهذا السلوك المتخلف لا علاقة له بالنظام الجمهوري وإنما نتيجة لآيديولوجة القومية العربية وخاصة بنسختها البعثية الفاشية، كشكل من أشكال عبادة الشخصية والهيام في تقديس الاستبداد. وعبادة الشخصية موجودة في الأنظمة الملكية أيضاً. وهذا الدفاع عن شخصية الشريف علي من قبل حاشيته واستماتهم في توريثه عرش العراق لدليل على ذلك.

 

شرعية الأنظمة الملكية

لا نأتي بجديد إذا قلنا أن النظام الملكي يتضارب مع الدين الإسلامي ومع الديمقراطية. فالإسلام اختار الخليفة عن طريق الشورى ولم يقر انتقال السلطة عن طريق الوراثة. وهكذا تم اختيار الخلفاء الراشدين عن طريق الشورى. ولما نقول الشورى، لا نعني أن كل الجماهير كانت تشترك في التصويت، بل النخبة فقط، حيث كانت الديمقراطية في فجر الإسلام تمر في مراحلها الجنينية، وهذا مقبول وفق معايير تلك المرحلة. ولم تتحول الخلافة إلى وراثة إلا بعد أن قام معاوية بذلك وكان عمله هذا مخالفة كبرى لمبدأ جوهري من مبادئ الإسلام. إذ ينقل عن الرسول (ص) قوله: ( الخلافة ثلاثون عاماً ثم تصير ملكاً عضوضاً). ومعاوية الأموي هو الذي أحالها إلى ملك عضوض وراثي بعد أن اغتصبها من الخليفة الشرعي الإمام علي (ع)، المنتخب من الجماهير وليس من النخبة فقط .

كذلك يقول الله تعالى في محكم كتابه المجيد: (إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة). ولذلك نعتقد أن الإسلام ضد النظام الملكي. ولهذا السبب أيضاً، فعندما نجحت الثورة الإسلامية في إيران بقيادة آية الله روح الله الخميني، اختار الإسلاميون النظام الجمهوري.

أما الديمقراطية الحديثة فتعني، (الحكم للشعب ومن الشعب وإلى الشعب)، أي أن الشعب هو مصدر السلطات يختار الحكام عن طريق الانتخابات الحرة والنزيهة. فالناس إما أن يختاروا رئيساً تنفيذياً للجمهورية، إضافة إلى انتخاب أعضاء البرلمان (مجلس نواب الشعب) كما في فرنسا وأمريكا ودول ديمقراطية أخرى، أو ينتخبون أعضاء مجلس البرلمان والذي بدوره يختار رئيس الجمهورية، وفي هذه الحالة يكون منصب الرئيس شرفي وليس تنفيذي، كما هي في الهند وألمانيا وإيطاليا وغيرها. ونعتقد أن النوع الأخير هو الأنسب للعراق. (راجع مقالنا: أي نظام رئاسي يصلح للعراق؟).

قد يعترض دعاة الملكية فيقولون،: وهذا بالضبط ما يريدوه الملكيون، أي استفتاء الشعب في اختيار النظام الملكي أو الجمهوري. ولكن مهلاً، وماذا عن ولي العهد الذي سيخلف الملك المنتخب؟ فهل سيقوم الشعب بانتخاب ولي العهد والذي يليه كلما مات ملك؟ فالأنظمة الملكية لا تسمح بذلك، بل الذي يقرر ولي العهد هو نسبه إلى الملك وليس عمله وكفاءته. وقد أثيرت هذه المسألة في الأيام الأولى من تأسيس الدولة العراقية في بداية القرن الماضي. وكان هناك اتجاه جمهوري لدى البعض من قادة ثورة العشرين.

 

يدعي دعاة الملكية أن الشعب العراقي هو الذي اختار النظام الملكي بعد ثورة العشرين والأمير فيصل بن الشريف حسين تحديداً ليكون ملكاً على العراق. في الواقع إن البريطانيين لعبوا دوراً أساسياً بتأسيس الدولة العراقية وإقامة النظام الملكي في مؤتمر القاهرة الذي حضره تشرتشرل وأعلن ترشيح الأمير فيصل ملكاً على العراق بناءً على تأكيدات المس بيل، أما الاستفتاء فكان مجرد إجراء صوري. (عبد الرزاق الحسني، تاريخ العراق السياسي الحديث، ج1، ص 218). وكان هناك نشاط عند البعض لقيام نظام جمهوري، وعلى رأسهم السيد توفيق الخالدي الذي صار وزيراً للداخلية لفترة محدودة. وخلافاً لما قاله أحد دعاة الملكية أن الخالدي كان حراً في دعوته للجمهورية ولم يحاسبه أحد، في الحقيقة، قتل الخالدي في مساء اليوم 22 شباط 1924 ولم يعتقل القاتل. (عبد الرزاق الحسني، تاريخ العراق السياسي، ج3 ص29).

أما موقف نقيب الأشراف السيد عبد الرحمن النقيب من ترشيح الأمير فيصل للعرش العراقي، فتقول مس بل في المذكرة التي رفعتها إلى الحكومة البريطانية في شباط 1919، ونشرها أي. تي. ولسن في كتابه أن النقيب صرح لها قائلاً: "أما بالنظر إلى الحكومة العراقية فإن مقتي للإدارة التركية الحالية معروف لديكم، إلا إني أفضل عودة الترك ألف مرة على أن أرى الشريف أو أحد أنجاله يحكمون هذه البلاد" (نفس المصدر، ج1، ص205). كما وينقل الحسني عن أمين الريحاني قوله: (إن فضل الحكومة البريطانية في تتويج فيصل يوازي في الأقل فضل العراقيين الذين بايعوه)، (أمين الريحاني، في كتاب ملوك العرب، ج2، ص276- هامش من كتاب الحسني, ص234). كما رفض المرجع الديني الشيعي الأعلى السيد كاظم اليزدي إعطاء رأي قاطع عن نوعية النظام الذي سيكون عليه العراق إلى أن توفي رحمه الله. وهذا يعني أنه لم يكن راضياً عن قيام نظام ملكي، وكان الرجل بتجنب المواجهة، كما هو معروف عنه.(نفس المصدر).

خلاصة القول، إن دور العراقيين في اختيار النظام الملكي والأمير فيصل ملكاً على العراق كان هامشياً. على أي حال هذا لا يقلل من الدور المشرف الذي لعبه الملك فيصل الأول في الدولة العراقية وإرساء مؤسساتها، ولكن الذين جاءوا من بعده قد ساهموا مساهمة فعالة في هدمها. وهذه الشهادة ليست تزكية للنظام الملكي، كما حاول مرة الدكتور حسين أبو السعود أن يلوي عنق الحقيقة، فاعتبر ثنائي على الملك فيصل الأول وبعض الإيجابيات عن العهد الملكي، كما كتب الصديق عزيز الحاج المضمون ذاته، فاستغل الكاتب موقفنا هذا وكتب مقالاً في إيلاف بعنوان (بعد عزيز الحاج د. عبدالخالق حسين يزكي الملكية). والأمر لم يكن كذلك، بل يدل على مدى التزامنا بالموضوعية، وهذا هو الفرق بيننا وبين دعاة الملكية الذين يرون النظام الجمهوري كله شر والملكي كله خير.

 

تأسيس الدولة العراقية

لقد تم تأسيس الدولة العراقية بعد تحريره من الاستعمار التركي المتخلف الذي دام أربعمائة سنة. وكان مخططاً أن يفرض عليه الإنكليز استعماراً استيطانياً، وذلك بجلب حوالي ثلاثة ملايين هندي وإسكانهم في العراق في الوقت الذي كان تعداد الشعب العراقي بدابة القرن الماضي لا يتعدى مليون ونصف المليون نسمة. وبذلك كانوا يحولون الشعب العراقي إلى أقلية في وطنه كما هي الحال في جزيرة فيجي. ولكن ثورة العشرين هي التي غيرت عليهم حساباتهم فقرروا تأسيس دولة عراقية وحكم وطني وملك عربي وهم يحكمون من وراء الكواليس وفق معاهدات خاصة. لذا فالإدعاء بأن الملك فيصل الأول هو مؤسس الدولة العراقية، قول يجانب الحقيقة. نعم، نحن لا نريد أن نغمط دور الرجل، فهو أحد المشاركين في تأسيس الدولة العراقية، والجهة التي جاءت بفيصل ملكاً على العراق هي بريطانيا وبتوصية وجهود المس بيل. ولكن والحق يقال، كان الملك فيصل يتمتع بالحكمة والخبرة، خاصة بعد فشله الذريع في سوريا وطرده منها على أيدي القوات الفرنسية في واقعة ميسلون.

لذلك فقول الأخ مصطفى قراداغي أن الملك فيصل الأول هو مؤسس الدولة العراقية الحديثة "والذي لولاه ما كان لهذه الدولة الفتية أن ترى النور.. "مغالطة فضيعة ضد الحقائق التاريخية واستهانة بالشعب العراقي. فما هو دور الملك فيصل في تأسيس الدول العربية الأخرى في القرن العشرين؟ وإذا استطاعت تلك الشعوب أن تؤسس دولها الوطنية، فلماذا لم يستطع الشعب العراقي إقامة دولته بدون الملك فيصل؟ علماً بأن فيصل حاول تأسيس دولة في سوريا وفشل وطرد منها. ومن هنا نعرف أن كلام السيد قره داغي خال من أي سند تاريخي، بل هو يبني استنتاجاته على العواطف والتمنيات أسوة بأنصار الملكية الآخرين.

ويركز الأخ قره داغي في أحقية الشريف علي بالعرش العراقي على أنه: (... سليل هذه العائلة الكريمة العراقي المولد والأصيل النسب والنقي السريرة والرفيع الخلق والثقافة بشهادة كل من التقى به وعرفه". أليس هذا الكلام عاطفي بحت؟ إن صدام حسين هو الآخر أدعى أنه سليل أهل البيت, ومتى كان النسب يشكل سبباً لتبوئ المناصب؟ ويتوصل الكاتب إلى بيت القصيد فيقول: (لذا فأن نظام ملكي دستوري وملك مصون غير مسؤول كسمو الشريف علي بن الحسين سيشكلان الضمانة الوحيدة لبناء عراق موحد ديمقراطي دستوري مستقر ولكبح جماح أي شخص أو حزب قد يفكر أو يسعى في يوم ما للسطو على السلطة في ليلة ظلماء لاختطاف العراق وادخاله في نفق مظلم جديد كذلك النفق المظلم الذي دخله العراق صبيحة الرابع عشر من تموز عام 1958). والجواب على ذلك نقول: إن العراق كان يحكمه ( نظام ملكي دستوري وملك مصون غير مسؤول....) ولكنه فشل في (.. بناء عراق موحد ديمقراطي دستوري مستقر وكبح جماح أي شخص أو حزب قد يفكر أو يسعى في يوم ما للسطو على السلطة في ليلة ظلماء...). إذ كان العهد الملكي حافلاً بانتفاضات في كل العراق وكذلك الثورة الكردية حيث تم نفي البارزانيين إلى روسيا..الخ. وإذا فشل النظام الملكي أن يكون صمام أمان في القرن العشرين فلماذا نعيد التجربة ذاتها في القرن الحادي والعشرين. وهذا يعني، فيما لو أعيد النظام الملكي، فسوف يبدأ العراق من المربع الأول مرة أخرى ونعيد جميع الكوارث التي مر بها العراق في القرن الماضي. وعليه، فالحكمة تقولك (لا يلدغ العاقل من جحر مرتين). وبناءً على ما تقدم، نعتقد أن عودة الملكية لا حظ لها من النجاح وإن تحققت فهي كارثة ووصفة لإعادة الكوارث التي مرت بالعراق. ودعاة الملكية يعرفون ذلك جيداً، والظروف التي يعيشها العراق في بداية القرن الحادي والعشرين تختلف كثيراً عن تلك في بداية القرن الماضي. فلماذا يعيد العراق نظاماً أثبت فشله مسبقاً.

بعد تأسيس الحركة الملكية في لندن، نشر أحد نشطاء الحركة كتاباً قال في مقدمته أنه مسودة لدستور النظام الملكي القادم بعد سقوط نظام صدام حسين. وراح في هذا الكتاب يتهجم على منجزات ثورة 14 تموز والقوانين التقدمية التي أصدرتها الثورة ومنها قانون الإصلاح الزراعي. فاقترح المؤلف أنه عند قيام النظام الملكي يجب إلغاء هذا القانون وإعادة الأراضي الزراعية من الفلاحين إلى الإقطاعيين وتعويض الملاكين (الإقطاعيين) عن جميع الأضرار المادية التي لحقت بهم منذ صدور القانون في أيلول 1958 وحتى الآن!!!!

مسكين هذا الشعب، محكوم عليه بلعنة التعويضات، ليس لدفع مئات المليارات إلى العالم نتيجة الحروب العبثية البعثية، بل وحتى إلى الإقطاعيين في الداخل، وهذا يعني أن الشعب العراقي محكوم عليه بالفقر المدقع إلى الأبد. هل هذا هو ما تبشرون به في عودة النظام الملكي؟ أم إنه دعاية للترحم على عهد صدام حسين؟

 

لماذا حصلت ثورة 14 تموز؟

يجب على أولئك الذين يشتمون اليوم ثورة 14 تموز 1958، أن يحكموا على الأحداث التاريخية الكبرى بمعايير زمن وقوع الحدث التاريخي الكبير، فالأمور مقرونة بأوقاتها. وليس من حقهم مصادرة حقوق جيل الخمسينات بمعايير اليوم، جيل القرن الحادي والعشرين، ويحملوا ثورة تموز بجرائم حكم البعث الغاشم. فقوانين حركة التاريخ أشبه بقوانين الطبيعة، وثورة 14 تموز، كأي ثورة أخرى، كانت أشبه بالبراكين والزلازل الطبيعية في حركة التاريخ والتحولات الإجتماعية، لا أحد كان بإمكانه إيقاف انفجارها. فلكل فعل رد فعل، كما هو معروف في القاعدة الفيزيائية، لذا فثورة تموز كانت رد فعل على المظالم التي حصلت في العهد الملكي، وكانت مطلباً شعبياًً بدليل التأييد العارم الذي تلقته الثورة من الشعب بعد ساعات من اندلاعها ولم تخرج أية جماعة للدفاع عن النظام الملكي. أما ما حصل بعد ذلك فمرتبط بدرجة نمو الوعي السياسي للقوى السياسية، والصراع الدولي أيام الحرب الباردة وقوى الشر الخارجية والداخلية التي تكالبت على الثورة فتم اغتيالها يوم 8 شباط 1963 الأسود. فكانت الثورة ضحية من ضحايا الصراع الدولي خلال الحرب الباردة.

هناك حقيقة تفيد أن كل مرحلة تاريخية هي وليدة المرحلة السابقة، لذلك فمن نافلة القول أن بذور ثورة 14 تموز قد نمت في رحم العهد الملكي نفسه. والثورات لا يمكن تفجيرها "حسب الطلب" أو بفرمان من أحد وإنما هي نتيجة لانفجار تراكمات ومظالم ومتطلبات سياسية واجتماعية واقتصادية، وعند غياب الوسائل السلمية الديمقراطية لتحقيق التحولات المطلوبة، وتتوفر لها الظروف الموضوعية والعوامل الذاتية، يحصل التغيير بالعنف الثوري الدموي وما يصاحب ذلك من هزات عنيفة واضطرابات خطيرة في المجتمع.

كذلك يجب التوكيد على إن ثورة 14 تموز كانت الوريثة الشرعية لثورة العشرين (30 حزيران 1920) مضموناً وفكراً، والتي كانت السبب المباشر لتأسيس الدولة العراقية. إلا إن الإستقلال السياسي بقي ناقصاً دون طموحات الشعب وقواه السياسية، لذلك فالعهد الملكي لم يكن عهد استقرار وازدهار كما يدعي دعاة الملكية، وبعض الذين صفقوا لثورة تموز ثم انقلبوا على أعقابهم بعد اغتيالها وراحوا يشتمونها ويلقون عليها تبعات جرائم النظام البعثي الفاشي. فالعهد الملكي لم يكن ديمقراطياً ولا مستقراً، بل كان عهداً استمرت فيه الإنتفاضات الشعبية والوثبات الوطنية والإنقلابات العسكرية.وكانت ثورة 14 تموز تتويجاً لتلك الإنتفاضات والحركات السياسية ومكملةَ لثورة العشرين فحققت طموحات الشعب العراقي في إنجاز إستقلاله السياسي الكامل وسيادته الوطنية ومهدت السبيل للسيطرة على ثرواته الطبيعية لاحقاً.

وقد حققت الثورة خلال عمرها القصير (أربع سنوات ونصف) من الإنجازات والمكاسب للشعب العراقي ضعف ما أنجزه الحكم الملكي خلال 38 عاماً. إن ثورة 14 تموز 1958، كانت حتمية تاريخية والذي جعلها كذلك والمسئول الأول والأخير عن اندلاعها هو النظام الملكي نفسه ونوري السعيد وعبد الإله تحديداً، اللذان وقفا ضد الديمقراطية والتحولات الاجتماعية وأمعنا في انتهاك حقوق الجماهير الديمقراطية وأعاقا التطور السلمي التدريجي وبذلك جعلا من النظام الملكي ضد قانون حركة التاريخ وعقبة كأداء أمام التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي فرضتها قوانين التطور إلى أن استنفد دوره وسقط وفق قانون البقاء للأصلح. ولذلك فعند سقوطه لم تخرج أية جماعة تدافع عته.

 

لذا فمن الخطأ إلقاء اللوم على عبد الكريم قاسم، فلولا هذا الرجل الوطني المسالم النزيه على رأس قيادة الثورة لكان غيره وربما كان هذا الغير من الدمويين.إذ كانت هناك عدة تنظيمات عسكرية، ومنها بعثية، تخطط للقيام بإنقلاب عسكري.وربما كان من حسن حظ العراق آنذاك أن يكون عبد الكريم قاسم على رأس الجماعة التي قامت بالثورة، حيث اتسمت بالحد الأدنى من العنف. فالرجل، وحسب اعتراف أكثر الباحثين المحايدين، وحتى من كان في صفوف أعدائه، يعترفون بنزاهته ووطنيته وأنه كان رجل سلام واعتدال، حتى وصفه الكاتب الروائي الراحل ذو النون أيوب بحمامة سلام في ثوب نسر.وكان إصلاحياً ديمقراطياً أكثر منه ثورياً، في وقت كان العنف هو السائد على ذهنية الشارع العراقي بما فيه القوى السياسية. لذلك فلولا الزعيم عبد الكريم قاسم، لكان من المحتمل أن تحصل مجازر في يوم 14 تموز لا تقل بشاعة ودموية عن تلك التي حصلت في انقلاب 8 شباط 1963 الأسود الذي تسبب في الكوارث اللاحقة ولولاه لكان العراق في مصاف الدول المتقدمة الآن.ولا ننسى أن رجال العهد الملكي قد ساهموا مساهمة فعالة إلى جانب الإستخبارات الأجنبية في توظيف حزب البعث والتيار القومي لضرب الثورة. خلاصة القول، إن ثور 14 تموز كانت حتمية وامتداداً لثورة العشرين، بمثل ما كان انقلاب 1968 الذي جاء بنظام البعث الصدامي للحكم للمرة الثانية هو امتداد لانقلاب 8 شباط 1963.

تسييس العسكر وتدشين الإنقلابات

إن إلقاء تهمة تسييس العسكر وتدشين مرحلة الانقلابات على ثورة 14 تموز أو على النظام الجمهوري لم يصمد أمام أية مناقشة منصفة. إذ لم يكن العسكر غرباء عن الدولة العراقية في عهدها الملكي، فأغلب المساهمين في تأسيس الدولة العراقية كانوا من العسكر، سواءً الذين عرِفوا بالضباط الشريفيين من خريجي المدرسة العسكرية التركية ومنهم نوري السعيد نفسه الذي كان برتبة جنرال والذي تولى رئاسة الحكومة 14 مرة.كذلك الفريق جعفر العسكري والفريق نوري الدين محمود كانوا عسكريين وتسنموا رئاسة الحكومة في العهد الملكي، أو غيرهم من الضباط العراقيين في الجيش العثماني. لا بل تأسس الجيش العراقي قبل تأسيس الدولة العراقية، بمعنى أنهم كانوا مسيّسين قبل تأسيس الدولة ولهم دور كبير في تأسيسها. ولأن العراق كان يعيش وضعاً متخلفاً كأي بلد في العالم الثالث، لذلك كانت الدولة تابعة للجيش وليس الجيش تابعاً للدولة، وبقيت الحالة هكذا إلى يوم 9 نيسان 2003، يوم سقوط الفاشية.

لذلك فمرحلة الإنقلابات العسكرية لم تبدأ بيوم 14 تموز 1958، ولم يكن النظام الملكي صمام أمان ضد الإنقلابات واستحواذ البعض على السلطة كما يدعي الملكيون. فقد دشنت مرحلة الإنقلابات في العهد الملكي نفسه بإنقلاب الفريق بكر صدقي عام 1936، وكان الملك غازي مشاركاً به كما يعتقد البعض، حيث كان موالياً للنازية ضد الحلفاء، وما تلاه من خمسة إنقلابات عسكرية أخرى وأحداث مارس 1941 بقيادة العقداء الأربعة والتي عرفت بحركة رشيد عالي الكيلاني. وكانت هناك محاولات انقلابية عسكرية لم يكتب لبعضها النجاح، كلها حصلت في العهد الملكي أي قبل 14 تموز 1958. ولذلك فإن تسييس العسكر قد حصل في العهد الملكي وإن ثورة 14 تموز هي نتيجة وليست سبباً لتسييس العسكر. كما وقد حاول الزعيم عبد الكريم قاسم إبعاد الجيش عن السياسة برفعه شعار (الجيش فوق الميول والإتجاهات) ولكنه فشل، لأن المرحلة كانت مرحلة العنف وتسيس العسكر.

 

ديمقراطية العهد الملكي

يقول الباحث د.كمال مظهر أحمد: وفي الواقع إن أكبر خطأ قاتل ارتكبه النظام (الملكي) في العراق يكمن في موقفه من الديمقراطية، فعلى العكس من منطق الأشياء، سار الخط البياني لتطور الديمقراطية في العهد الملكي من الأعلى إلى الأسفل، لا من الأسفل إلى الأعلى، ويتحمل الجميع وزر ذلك، ولكن بدراجات متفاوتة. أعتقد أن نوري السعيد وعبدالإله يتحملان الوزر الأكبر وكان بإمكانهما تجنب الكوارث التي حصلت بسبب تهورهما واستهانتهما بالجماهير واضطهادهما للقوى الوطنية التي كانت تشكل معارضة ديمقراطية ولم تلجأ يوماً إلى العنف عدى المظاهرات التي كانت سلمية وكانت السلطات هي التي تواجهها بالعنف الدموي. وعلى سبيل المثال لا الحصر قام نوري السعيد بحلَّ البرلمان عام 1954 بعد يوم واحد فقط من افتتاحه بخطاب العرش، وذلك بسبب فوز أحد عشر نائباً من المعارضة من مجموع مائة وخمسة وثلاثين نائباً. فما هو تأثير أحد عشر نائباً معارضاً من مجموع 135 نائباً على قرارات السلطة الحاكمة؟ أليس هذا دليل على استهتار العهد الملكي بالديمقراطية؟ كذلك حكاية السيد عبدالكريم الأزري باتت معروفة ومفادها أنه تلقى صباح أحد الأيام مكالمة هاتفية من قريب له يهنئه على فوزه نائباً عن مدينة الديوانية وهو لم يرشح نفسه لأية دائرة انتخابية.

 

يقول الشاعر محمد مهدي الجواهري عن وضع البرلمان آنذاك وكان نائباً فيه:(لقد وقف نوري السعيد ذات يوم وقد ضاق صدره من هذا المعارض أو ذاك ليقول بالحرف الواحد: "هل بالإمكان أناشدكم الله، أن يخرج أحدنا مهما كانت منزلته في البلاد، ومهما كانت خدماته في الدولة، ما لم تأت الحكومة وترشحه؟ فأنا أراهن كل شخص يدعي بمركزه ووطنيته، فليستقيل الآن ويخرج، ونعيد الانتخاب، ولا ندخله في قائمة الحكومة، ونرى هل هذا النائب الرفيع المنزلة الذي وراءه ما وراءه من المؤيدين يستطيع أن يخرج نائباً" .[*] وأكد هذه الرواية كل من حسين جميل ومجيد خدوري في مؤلفاتهما.

ويضيف الجواهري: " هكذا كانت الأوضاع في العراق وهكذا كانت الديمقراطية. ولا شك إن أوضاعاً كهذه لا بد أن تخلق حالة من الكبت الجماهيري الذي يبحث عن مفجر".

 

كذلك الحال بالنسبة للدستور. نعم كان هناك دستور ديمقراطي، ولكنه كان حبراً على ورق وملقىً على الرفوف العالية يقابله دستور طائفي وعنصري غير مدون هو الذي كانت السلطة تحكم به العراق. فالعبرة ليست بوجود دستور مدون، رغم أهميته، بل العبرة بتطبيقه والالتزام به. فهذه بريطانيا العظمى، قلعة الديمقراطية، لحد الآن لا يوجد لها دستور مدون!!

وقد لخص الشاعر معروف الرصافي الوضع قائلاً:

علم ودستور ومجلس أمة كل عن المعنى الصحيح محرف

 

محاسبة الضحية بجريرة الجاني

لا استغرب هجوم دعاة الملكية على ثورة 14 تموز وتحميلها جرائم الفاشية البعثية، فالأمر معروف، ولكن الذي حيرني وأصابني بالدهشة هو هجوم الصديق العزيز القاص إبراهيم أحمد الذي كثيراً ما أتحفنا بمقالاته الموضوعية القيمة في مقارعة أيتام الفاشية المقبورة. نعم، ذهلت مما قاله في مقاله الأخير(الفاسدون يتحدون)، والذي كنت أتوقع منه أن يشخص لنا أسباب هذا الفساد الإداري المتفشي الآن في العراق بعد سقوط الفاشية ويضع إصبع الاتهام على الداء ويصف له الدواء الناجع. إلا إنه ومع الأسف ترك الموضوع المهم وفاجئنا بإقحام ثورة 14 تموز كسبب في هذا الفساد بقوله : (إنهم العسكر الظامئون للسلطة الذين داسوا يوم 14 تموز المشئوم من عام 1958 على دستور الدولة ووضعوا مكانه جزمتهم العسكرية لتفوح منها عفونة الدم والتهور والجنون !لقد ظل ،هؤلاء العسكر همجاًً رغم بذلاتهم العسكرية ورتبهم العالية وأبوا أن يعيدوا الدولة العراقية لبناة المجتمع المدني رغم ادعاءهم أن ثورتهم كانت ضد الظلم والتعسف والفساد...). من حسن الطالع أن الصديق إبراهيم أحمد ليس من دعاة الملكية. ولكن من الواضح أن إقحامه ثورة تموز في هذا الفساد يصب في خدمة هؤلاء، وإني أفهم وأتفهم سبب غضبه وشعوره بالإحباط مما جرى ويجري من تخريب وفساد على أيدي شذاذ الافاق من أيتام العهد البعثي البائد، حيث كان الكاتب نفسه ينتمي إلى القوى السياسية التي ساهمت مساهمة فعالة في التحضير لثورة تموز وصفقوا لها وساندوها. فأي دستور هذا الذي سحقه العسكر بالجزمة؟ ومن هم الذين قرروا إلغاءه؟ أيها الصديق، ليس العسكر الذين الغوا الدستور الملكي وكتبوا الدستور المؤقت، بل هم من خيرة المدنيين المتضلعين في القانون في ذلك الوقت من أمثال حسين جميل وغيره من أعضاء الحزب الوطني الديمقراطي وأحزاب جبهة الاتحاد الوطني آنذاك.

فالثورة قد هيأت لها القوى السياسية المدنية المنضوية في جبهة الاتحاد الوطني، بعبارة أخرى، مؤسسات المجتمع المدني. أما دور الجيش فكان أداة التنفيذ فقط. وكما يقول حنا بطاطو إن ما حصل في فجر يوم 14 تموز 1958، كان انقلاباً عسكرياً في ساعاته الأولى فقط. ولكن بعد ساعات، حولته الجماهير الشعبية بقيادة القوى السياسية إلى ثورة عارمة وبقيت هكذا إلى يوم اغتيالها في 8 شباط 1963. كما ويقول المستشرق الفرنسي المعروف مكسيم رودنسون:(إن ثورة 14 تموز هي الثورة الوحيدة في البلاد العربية).

كذلك ذكر الباحث الدكتور ليث عبد الحسن الزبيدي في بحثه (رسالة ماجستيرعن ثورة تموز)، أن اللجنة العليا للضباط الأحرار قد رشحوا الراحل كامل الجادرجي لرئاسة حكومة الثورة فرفض، وطلب الزعيم عبد الكريم قاسم من حسين جميل أن يترأس الوزارة فرض العرض أيضاً، وأصرت قيادة حزب الوطني الديمقراطي على أن تكون رئاسة الحكومة بيد العسكر، وهكذا اضطر الزعيم عبد الكريم قاسم أن يترأس الحكومة بنفسه حيث كان رئيساً للجنة العليا لتنظيم ضباط الأحرار. لذلك فالذي يتحمل إجهاض ثورة تموز هم قادة الأحزاب الوطنية الذين خذلوا ثورتهم وأشعلوها صراعات دموية فيما بينهم بعد نجاح الثورة من أجل المصالح الفئوية مما مهد السبيل إلى تكالب الأعداء على العراق من الخارج والداخل، كما هي الحال اليوم، إلى أن اغتالوها. فكان الأجدر بالصديق الكاتب أن يلقي اللوم على فرسان انقلاب 8 شباط 1963 الذين اغتالوا الثورة، ولكنه ومع الأسف الشديد صب جام غضبه على الضحية وترك الجاني.

أنا لا أريد الدفاع عن العسكر ولا أود عودة الإنقلابات العسكرية، معاذ الله، فذلك العهد قد ولى إلى غير رجعة. ولكن الانقلابات العسكرية كانت جزءً من النضال الوطني في تلك الحقبة من تاريخ النضال السياسي في القرن العشرين، شئنا أم أبينا، حيث كانت الأحزاب السياسية تتنافس بشراسة على كسب العسكر إلى جانبها لاستخدامهم لٌلانقلابات العسكرية، بسبب غياب الوسائل السلمية لتداول السلطة، ومن هذه الأحزاب، حزب الوطني الديمقراطي بقيادة الديمقراطي الليبرالي كامل جادرجي نفسه والذي لعب دوراً مهماً في انقلاب بكر صدقي وكذلك في ثورة تموز كما هو معروف. أما استنكارنا الآن لدور الجيش في السياسة ونحن في القرن الحادي والعشرين، فهذا أمر جديد في حقبة تاريخية جديدة ولم يحصل إلا بسبب الكوارث التي جلبه نظام البعث الفاشي على العراق وانتهاء الحرب الباردة وسيادة القطب الواحد.

لقد حصل انقلاب عسكري في البرتغال في السبعينات من القرن الماضي، والعسكر هم الذين مهدوا للديمقراطية بعد عام من انقلابهم ونجحت الديمقراطية في البرتغال. ولكن فشلت ثورة 14 تموز في تحقيق الديمقراطية في العراق بسبب عدم النضج السياسي وتخلف القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني التي ساعدت على اغتيال الثورة قبل تحقيق أهدافها الوطنية.

نعم، كانت الانقلابات العسكرية تعتبر العلاج الناجع الوحيد المتوفر في تلك المرحلة التاريخية لإزاحة الحكومات المستبدة، أشبه بدواء كان يستخدم قبل ثلاثين عاماً وكان مصحوبات بمضاعفات جانبية side effects، والآن حل محله دواء أفضل. لذا ليس من حقنا مقاضاة طبيب استخدم ذلك الدواء في تلك الفترة لأنه يوجد اليوم دواء أفضل. كذلك الخيار بين الديمقراطية والانقلاب العسكري، لم تكن الديمقراطية أو الوسائل السلمية متوفرة في العهد الملكي لتحقيق التغيير المنشود عدا اللجوء إلى العسكر. وحتى الآن، فالديمقراطية (الدواء الجديد) ليست مضمونة النجاح رغم إسقاط النظام البعثي الفاشي، فهذا الذي يجري في العراق اليوم من إرهاب ويحصد أرواح خيرة أبناء شعبنا من سياسيين ورجال الشرطة والأمن والمدنيين الأبرياء، يؤكد ذلك وهو أشبه برد فعل المريض الذي يعطى حقنة من البنسلين ثم تظهر عليه أعراض الحساسية المفرطة ضد هذا الدواء ويمكن أن يقتله. وتأكيداً لهذا فقد قرأنا قبل أيام بياناً وقعته فلول البعث الإرهابية والتي انتحلت لها أسماء منظمات إسلامية مثل: "أنصار السنة" و"الجيش الإسلامي في العراق" و"جيش المجاهدين"..الخ أعلنوا فيه (إن الديمقراطية كمبدأ تعتبر "لا اسلامية"، وان مراكز الاقتراع هي في الواقع "مراكز للكفر" وان الانتخابات ستؤدي الى استصدار قوانين "منافية للاسلام."). فما العمل في هذه الحالة؟ هل نستجيب لهؤلاء الإرهابيين ونتخلى عن الديمقراطية لأن هناك شريحة من الشعب العراقي تقف ضدها وإن إسقاط نظام صدام حسين كان خطأ؟

 

هل كان نظام البعث عسكرياً؟

يجب أن نكون منصفين في إصدار أحكامنا. فهل من العدالة أن نعتبر نظام البعث عسكرياً؟ وهل كان صدام حسين عسكرياً رغم اغتصابه رتبة مهيب ركن وهو لم يخدم يوماً واحداً في الجيش؟ الحقيقة هي إن حزب البعث الذي هو حزب سياسي مدني (أي محسوب على المجتمع المدني)، قد تسلط على السلطة وعلى الجيش وأهان العسكر وأذلهم وحط من كرامتهم إلى أسفل السافلين. فلماذا نلوم الجيش على سياسة البعث؟ فالجيش هو الآخر كان ضحية الفاشية، حيث أعدم النظام البعثي خيرة الضباط الكفوئين وعمل على أدلجة الجيش وقتل وطرد أغلب من رفض آيدبولوجة البعث.

كذلك يجب أن لا ننسى إن أعظم رواج للديمقراطية ومؤسسات المجتمع المدني قد حصل في عهد ثورة 14 تموز، حيث أجيز أكثر من 700 جمعية وحزب سياسي وفق قانون الجمعيات الذي أصدرته حكومة الثورة، وكان الزعيم عبدالكريم قاسم، على عكس عبد الناصر، نصيراً للأحزاب الوطنية وقد شكل لجنة من المتضلعين بالقانون لكتابة مسودة الدستور الدائم والتحضير للانتخابات البرلمانية في حزيران 1963 وافتتاح المجلس الوطني (البرلمان) في الذكرى الخامسة للثورة من نفس العام، لذلك عاجل القوميون بتنفيذ إنقلابهم في 8 شباط من تلك السنة لإجهاض العملية الديمقراطية، لأنهم كانوا، كما الآن، يعرفون جيداً أن لا حظ لهم بالفوز بالسلطة عن طريق الإنتخابات الديمقراطية. إن تاريخ العراق الحديث يخبرنا أن جميع الذين يحاربون العراق اليوم هم الذين حاربوا ثورة 14 تموز والزعيم عبدالكريم قاسم. فأعداء العراق هم نفس الوجوه في عهد قاسم والعهد الحالي.

 

ألم يكن الإنقلاب العسكري خياراً ضد البعث؟

كذلك يجب أن لا ننسى أن المعارضة العراقية في عهد البعث حاولت استخدام العسكر لإسقاط النظام الصدامي. ولما فشلت المحاولات في كسب العسكر لتنفيذ العملية، لأن النظام جعل كل إنسان في العراق جاسوساً على الآخر، لذا لجأت المعارضة إلى الاعتماد على العامل الخارجي باستخدام القوات الأجنبية، (الأنكلو-أمريكية) لإسقاط الفاشية. فأيهما أفضل، لو سقط نظام صدام على يد الجيش العراقي مع التحول التدريجي السلمي نحو الديمقراطية أم على يد الجيش الأمريكي وهذه الفوضى العارمة؟ الجواب معروف. فإذن، إلى حد وقت قريب كان الانقلاب العسكري، خياراً من خيارات إسقاط النظام المعادي للديمقراطية. وشتان بين ما يجري الآن من الإرهاب وما حصل بعد ثورة 14 تموز. إذ تفيد المعلومات من الإحصاء المركزي العراقي أنه لم تحصل أية جريمة عادية خلال العام الذي أعقب ثورة 14 تموز 1958. قارن هذا بما يجري الآن بعد سقوط الفاشية يوم 9 نيسان(أبريل) 2003. كل هذا يدل على أن ثورة تموز كانت مطلباً شعبياً ومنسجماً مع قوانين حركة ومسار التاريخ.

نعم، أغتيلت ثورة 14 تموز بانقلاب 8 شباط 1963 الدموي الأسود، وسارت الأمور نحو الأسوأ.

ومقارنة بجرائم حكم البعث الصدامي، يظهر نوري السعيد ملاكاً، ولكن هذا لا يبرر مظالم العهد الملكي وأن كان على الشعب العراقي أن يسكت ويتحمل خوفاً من الأسوأ، فهذا مخالف لمنطق التاريخ. لذا فهناك مغالطة كبيرة ومتعسفة في تبرير هذه المقارنة، لسببين: أولاً، من حق الشعب العراقي، كأي شعب آخر، أن يتمرد على الظلم مهما كان درجة هذا الظلم ويناضل في سبيل حياة أفضل. ثانيا، من هو هذا العبقري العالِم بالغيب ليعرف أنه بعد أربع سنوات ونصف من ثورة تموز سيحصل انقلاب دموي تقوم به مجموعة من الضباط القوميين المهووسين بالسلطة، بدعم من عبدالناصر والإستخبارات الأجنبية، يغامرون بمستقبل العراق ويدخلونه في نفق مظلم من الكوارث المتواصلة؟

فالآن، حيث الأوضاع بعد سقوط النظام البعثي هي أسوأ بكثير مما كانت عليه في عهد صدام، إذ ليس هناك أمن ولا خدمات، إضافة إلى تفشي الجريمة المنظمة في القتل والاختطاف والنهب وغيرها من الجرائم التي لم يعرفها الشعب العراقي من قبل. فهل نلوم الذين أسقطوا النظام ونظل نشتم الحكومة الحالية والأمريكان وكل الذين ساهموا في إسقاط صدام ونظامه الجائر ونترحم على عهد صدام، لأن النتائج لم تأتي بما تشتهي السفن!!؟؟

يلخص لنا الكاتب والفنان التشكيلي العراقي محمود صبري، قانون حركة التاريخ بالفقرة التالية: (الناس يصنعون التاريخ عادة دون علمهم. وحتى حينما يعتقدون أنهم يصنعون التاريخ يشكل واع مقصود، فإن النتائج غالباً ما تكون في اتجاه آخر لم يخططوا له أو يحلموا به. هيغل تكلم عن الروح الخفي المطلق المحرك للتاريخ. وماركس وانجلز تكلما عن دور قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج واصطراعمها كقوى محركة للتاريخ. وما نشهده اليوم في العالم الاشتراكي هو دليل على مدى تأثر هذه القوى المحركة التي تتجاوز (بل وحتى تسخر من) إرادة البشر الواعية، وتدفع التاريخ في الاتجاه الذي تفرضه. إنه قانون حركة المجتمع، يعمل بمعزل عن تمنيات ورغبات البشر حينما تفقد هذه الرغبات والتمنيات انسجامها وتطابقها معه.).

وهذا الكلام لا ينطبق على الثورات والأحداث السياسية فقط، بل وحتى على الاكتشافات الجغرافية والعلمية التي جاءت كنتائج ثانوية غير مقصودة أو مخططة في أعمال المغامرين أو المكتشفين. كرستوفر كولومبس توجه بأسطوله نحو الغرب في الأطلسي لاكتشاف أقصر طريق إلى الهند الصينية، ولكنه اكتشف أمريكا.

طبعاً لا أتوقع من دعاة الملكية أن يفهموا هذا الكلام أو يقبلوا به، لأنهم لا يقرؤون التاريخ ولا قوانين التطور، وإن قرأوا فلا يفهمونه ولن يعترفوا به، فهم يحكمون على الأشياء بعواطفهم و"دغدغاتهم" ولا يعترفون بالقوى المحركة لمسار التاريخ ما لم تكن النتائج وفق تمنياتهم ورغباتهم.

 

المذابح بدأها العهد الملكي:

نشر الدكتور حسين أبو السعود في إيلاف يوم 26 حزيران/يونيو 2003، مقالة بعنوان (عراق بلا ملكية=المزيد من المذابح والمقابر الجماعية). وكعادة أنصار الملكية، أحرق الكاتب الأخضر بسعر اليابس فتغلبت عليه العاطفة على الموضوعية، وربط النظام الجمهوري بالمقابر الجماعية، والملكي بجنة عدن. فكتبتُ رداً عليه في نفس الموقع بتاريخ 5/7/2003، بعنوان (المذابح بدأها النظام الملكي)، ذكرت فيها أن الجرائم التي ارتكبها صدام حسين لها جذورها في العهد الملكي، كما يجب أن لا ننسى أن التمييز العرقي والطائفي دشنه العهد الملكي وباعتراف الملك فيصل الأول نفسه. وعندها ردّ عليَّ أبو السعود قائلاً وما ذنب الملك أو النظام الملكي بجرائم ارتكبت في عهده؟ ولكنه في نفس الوقت لن يتردد بإلصاق الجرائم التي ارتكب في العهد الجمهوري بالنظام الجمهوري. لذا وبنفس المنطق أنا إذ أسأل، وما ذنب عبدالكريم قاسم أو النظام الجمهوري بما حصل من مجازر في الموصل وكركوك والرجل أدانها وحاكم مرتكبيها ووصفهم بالمغول..الخ. كذلك فما ذنب النظام الجمهوري بصورة عامة بجرائم البعث الفاشي؟

وتعميماً للفائدة أجتزئ أدناه بعضاً مما قلت في تلك المقالة، عملاً بالقول (وذكر إن نفعت الذكرى):

( فقد تم في العهد الملكي إسقاط الجنسية عن مناضلين وتهجيرهم وأعدم قادة سياسيون لمجرد الإختلاف في المعتقد السياسي، وأطلق النار على المشاركين في مظاهرات سلمية بسبب الإحتجاج على معاهدات اعتبرت جائرة في وقتها وتم قتل عمال مضربين في مجزرة كاور باغي في كركوك والبصرة، وتعذيب المعتقلين وقتل السجناء السياسيين وحتى قصف العشائر بالطائرات. وقد ارتكب النظام الملكي مجزرة واسعة ضد الآشوريين الذي قتل فيها ثلاثة آلاف على أقل تقدير بينما يضع البعض عدد القتلى 30 ألفاً. وقد حصلت هذه المجزرة عام 1933 أي قبل وفاة فيصل الأول. كما أعلنت الأحكام العرفية 16 مرة والتي استغرقت بما يقارب أكثر من 50% من فترة الحكم الملكي. بعبارة أخرى، أن نصف مرحلة الحكم الملكي كان حكماً عسكرياً.

( كذلك ليس من الإنصاف تحميل ثورة 14 تموز جرائم صدام حسين ولا النظام الجمهوري جرائم البعثيين. فلو عدنا إلى التاريخ لوجدنا أن ما حصل في عهد صدام حصل أيضاً في فجر الإسلام. فعلى سبيل المثال لا الحصر، كانت الكعبة المكرمة مقدسة عند العرب حتى في العهد الجاهلي. ولما جاء الإسلام جعلها قبلة يحج إليها ويصلي نحوها المسلمون. ولكن في عهد الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان، قام الحجاج بضرب الكعبة بالمنجنيق. كذلك ارتكب يزيد بن معاوية مجزرة رهيبة ضد أهل البيت في وقعة كربلاء، واستباح المدينة المنورة وقتل الألوف من سكانها وهتك الأعراض. فهل نلقي اللوم على الإسلام ونحاسبه على جرائم يزيد والحجاج والمطالبة بالعودة إلى العهد الجاهلي؟

كذلك الحال بالنسبة للعهد الجمهوري. فالجرائم التي ارتكبت في عهد صدام لا علاقة لها بكون النظام جمهوري أو ملكي. بل ترتبط مباشرة بشخصية المسؤولين وإخلاقهم وآيديولوجية السلطة، هل هي دموية أم إنسانية. فهناك عشرات الأنظمة الجمهورية التي تتمتع بالديمقراطية مثل الهند وفرنسا وأمريكا وسويسرا وغيرها. كذلك هناك أنظمة ملكية ديمقراطية في أوربا الغربية.. بينما أغلب الأنظمة الملكية في الدول العربية والإسلامية هي إستبدادية. وحتى الأنظمة الملكية العربية التي تتمتع بهامش من الديمقراطية الشكلية، فالملوك هم سياسيون يتصرفون كما لو كانت البلاد ملكاً خاصاَ لهم رغم ادعائهم بالدستورية والديمقراطية. ولذلك فلن نتوقع أن النظام الملكي في العراق، إن حصل وهو مستبعد، سيكون مثل النظام الملكي في السويد أو بريطانيا، بل سيكون بالضبط على غرار الأنظمة الملكية الديكتاتورية في البلاد العربية، أي نظاماً ديمقراطياً في الشكل وديكتاتورياً إقطاعياً أوتوقراطياً في الجوهر.

 

خلاصة القول: لا يصلح النظام الملكي للعراق، لأنه يتنافى مع الإسلام ومع الديمقراطية، ولأنه جرب حظه في هذا البلد وفشل، فلماذا نعيد نظاماً أثبت فشله، كذلك لم يكن النظام الملكي صمام أمان للديمقراطية والاستقرار ومانعاً ضد الانقلابات العسكرية أو تسلط فئة على مقاليد الشعب، فعهد الانقلابات قد ولى وإلى غير رجعة على أي حال. كما إن النظام الملكي في البلدان الإسلامية لم تكن ديمقراطية إلا بالاسم، لذلك فعودة النظام الملكي كارثة على الشعب العراقي ومعناه الرجوع إلى المربع الأول وتكرار جميع الكوارث التي مرت على العراق منذ بداية القران الماضي ولحد الآن. وكما تقول الحكمة: (التاريخ لا يعيد نفسه وإن عاد فعلى شكل مهزلة).

 

للتعليق على هذا الموضوع



[*]-محمد مهدي الجواهري، ذكرياتي، ج2