27 نوفمبر 2005

 

 

المقاومة والإرهاب وجهان لعملة واحدة فاسدة

د.عبدالخالق حسين

 

 

يكثر الحديث هذه الأيام وخاصة بعد مؤتمر القاهرة عن "المقاومة الشريفة"!! في العراق. والسؤال الذي يطرح نفسه هو، هل حقاً المقاومة في العراق وطنية وشريفة؟ وإذا كانت شريفة، فهل تحتاج إلى كل هذه الضجة وهذا الإعلان بالشرف والإلحاح على إلصاق كلمة "الشرف" بها؟ يقول بلزاك: "حذار من إمرأة تتحدث عن الشرف كثيرا ". فالشريف الحقيقي لا يحتاج إلى كتابة لافتة على باب بيته "بيت شريف"!! إن إصرار هؤلاء السادة على إلصاق كلمة "شريفة" بما يسمى بالمقاومة ما هو إلا اعتراف ضمني بفقدان هذه المقاومة للشرف والوطنية. فعبارة "المقاومة الوطنية الشريفة" هي تعبير مضلل لإضفاء الشرعية على الإرهاب البشع الذي يذبح العراقيين وأصدقائهم من الأجانب يومياً ويدمر مؤسساتهم الاقتصادية تحت شعار زائف (المقاومة). الحقيقة هي أن المقاومة والإرهاب في العراق وجهان لعملة واحدة.

 

فقد نشرت صحيفة الحياة اللندنية تقريراً جاء فيه: (بعد مؤتمر القاهرة، أكد زعيم الحزب الإسلامي محسن عبدالحميد لـ الحياة أن السنة سيشكلون هيئة خاصة للتفاوض مع المقاومة الشريفة التي قال انها ستتعهد تأديب جماعة تنظيم القاعدة بزعامة أبي مصعب الزرقاوي والبعث الصدامي ميدانياً) . وتضيف الصحيفة قولها:(... وفي توجه شيعي لافت للمصالحة مع السنة وجذبهم الى المشاركة في العمل السياسي عقد زعيم  "منظمة بدر" الشيعية مؤتمراً صحافياً مشتركاً مع نائب الأمين العام لـ مؤتمر أهل العراق (سني) محمد الدليمي، اعترف خلاله بأن المقاومة حق مشروع في العراق (الحياة، 24/11/2005). كما جاء في البيان الختامي لمؤتمر المصالحة في القاهرة صيغة ملتوية تفيد: " مع ان المقاومة حق مشروع للشعوب كافة، بيد أن الإرهاب لا يمثل مقاومة مشروعة، وبناء عليه ندين الإرهاب وأعمال العنف التي تستهدف المدنيين والمؤسسات الإنسانية والمدنية ودور العبادة، ونطالب بالتصدي له فورا." (الشرق الأوسط، 22/11/2005). وقد فسرت هذه الصيغة على أن قتل المدنيين العراقيين إرهاب ولكن المقاومة ضد قوات التحالف حق مشروع.

وهكذا بين عشية وضحاها تحول الإرهاب الفاشي في العراق إلى مقاومة شريفة حسب تعبير السيد محسن عبدالحميد، ومعترف بشرعيتها حسب ما صرح به السيد هادي العامري، زعيم منظمة بدر الشيعية وقادة العراق كما جاء في بيان مؤتمر القاهرة للمصالحة.

 

ومن فمك أدينك، كما يقول العرب، فقد وعد السيد محسن عبدالحميد أن السنة سيشكلون هيئة خاصة للتفاوض مع المقاومة الشريفة التي قال انها ستتعهد تأديب جماعة تنظيم القاعدة بزعامة أبي مصعب الزرقاوي والبعث الصدامي ميدانياً). وهذا اعتراف ضمني من السيد عبدالحميد أنه وحزبه كانوا قادرين على تشكيل مثل هذه الهيئة منذ مدة لمنع الإرهاب الصدامي-الزرقاوي وإنقاذ حياة عشرات الألوف من العراقيين الأبرياء من الذبح والتفجيرات ولكنهم لم يعملوا. ألا يعتبر هذا تواطؤاً مع الإرهاب؟ إننا لا نلوم السيد محسن عبدالحميد على موقفه وتصريحاته هذه، فقد كان الرجل منسجماً مع نظام البعث الفاشي ولم يكن معارضاً، ولم يدخل يوماً سجناً ولم يعانِ من التشريد والغربة، بل كان رئيساً لقسم اللغة العربية في كلية التربية في جامعة بغداد، الكلية التي منع فيها منعاً باتاً تعيين حتى منظف أو فراش ما لم يكن بعثياً. ولكن ماذا نقول عن السيد هادي العامري الذي كان لاجئاً في إيران ورأسه مطلوب من النظام الفاشي وحتى الآن من فلوله؟ وماذا عن القادة العراقيين في مؤتمر القاهرة الذين أقروا بشرعية المقاومة في قتل جنود قوات متعددة الجنسيات؟

 

فالمقاومة لها خطاب سياسي وبرنامج مرحلي وبعيد المدى، يسعى المقاومون لتحقيقه. فما هي أهداف هذه المقاومة المسلحة؟ كذلك من المعروف أن المعارضة الوطنية لا تلجأ إلى المقاومة المسلحة إلا بعد أن تستنفد كل الوسائل السلمية لتحقيق أهدافها. فهل استنفدت هذه المعارضة أو المقاومة الوسائل السلمية حتى تلجأ إلى السلاح؟ ففي العراق منذ سقوط النظام البعثي الفاشي هناك ديمقراطية وانتخابات حرة وعادلة ونزيهة بشهادات المراقبين الدوليين. فلماذا ترفض هذه "المقاومة" العتيدة استخدام الوسائل السلمية لتحقيق أهدافها إذا كانت فعلاً لها أهداف وطنية؟ فالمقاومة الوطنية لا تقتل المصلين في المساجد ولا تفجر المستشفيات والمدارس، ولا تفجر أنابيب مياه الشرب ومجاري الصرف الصحي. والمقاومة في جميع أنحاء العالم لم تلجأ يوماً إلى تدمير المؤسسات الاقتصادية للبلد. إذنْ، ماذا يجري في العراق؟ إن الذي يجري هو عمل إرهابي شنيع وليس مقاومة.

 

إذنْ، ماذا يعني الإعتراف بشرعية المقاومة ومنحها هذا الشرف العظيم؟ ما ذا يعني كل هذا الهراء؟ يعني أنهم يقولون لعائلات آلاف ضحايا الإرهاب إن ذبح عشرات الألوف من أبنائكم على أيدي القتلة الصداميين والزرقاويين كان مقاومة وطنية مشروعة وعملاً شريفاً والضحايا كانوا خونة. ونحن إذ نطرح على هؤلاء السادة والقادة وضع بلد مثل العراق عانا الكثير من جور النظام البعثي الفاشي نحو 35 عاماً وقد حاول الشعب العراقي إسقاطه عدة مرات سواءً عن طريق إنقلابات عسكرية أو انتفاضات شعبية مسلحة، كلها باءت بالفشل وانتهت بالمقابر الجماعية والأنفال والكيمياوي في حلبجة والأهوار. لذلك فقد تأكد لدى القاصي والداني أن تغيير نظام الحكم في العراق من قبل الشعب العراقي ومعارضته الوطنية التي كان معظمها في الخارج غير ممكن إلا بالاعتماد على الدعم الخارجي، أي قوات التحالف الأمريكي والبريطاني تحديداً، وبنفس الطريقة التي حررت بها هذه القوات أوربا من الفاشية والنازية واليابان من الدكتاتورية العسكرية في الحرب العالمية الثانية. وهذه القوات تتمتع الآن بشرعية وجودها في العراق بقرار مجلس الأمن الدولي وموافقة الحكومة العراقية المنتخبة. والقادة العراقيون يعلمون جيداً أن بقاء هذه القوات هو لصالح العراق من أجل حماية أرواح الناس وممتلكاتهم وتدريب القوات العراقية ومنع وقوع حرب أهلية طائفية. وسوف تغادر هذه القوات العراق فوراً حالما تستطيع القوات العراقية ضمان حماية أمن المواطنين. فلماذا إذنْ مقاومة هذه القوات ؟ ولماذا تعتبر مقاومة هذه القوات الصديقة عملاً شرعياً وشريفاً؟ أفتونا يرحمكم الله تعالى!!!!!!!!

 

ليس هذا فحسب، بل راح السيد هادي العامري رئيس مليشيات فيلق بدر يغالط نفسه ويخدع الآخرين عندما قال: على رغم تحفظنا على مصطلح ميليشيا المتداول فنحن حررنا العراق بحسب الرئيس جلال طالباني (الحياة، 26/11/2005).

 

نقول للسيد العامري، كذبت ورب الكعبة. أما إذا كان السيد طالباني قال مثل هذا الكلام في مناسبة ما، فهذا لا يغير من الواقع شيئاً، وهو قول للمجاملة ليس غير ولن يؤخذ مأخذ الجد والسيد طالباني يعرف ذلك جيداً. فالذي حرر العراق كما ذكرت أعلاه هو القوات متعددة الجنسيات بقيادة أمريكا وبريطانيا، وكل إدعاء يخالف ذلك هو هراء في هراء ومثير للسخرية. ولو لا القوات الأمريكية وحلفائها لكنتم ومازلتم لاجئين في إيران كالأيتام على موائد اللئام، ولكان صدام حسين مازال يمارس هوايته المفضلة في نشر المقابر الجماعية في العراق، ولكنكم للحق كارهون وللجميل ناكرون.

 

قتل المدنيين العراقيين إرهاب وقتل الجنود الذين يحمون العراقيين ويحاربون الإرهاب مقاومة!! عجيب أمركم، فأي منطق مفلوج وأعوج هذا؟ هذا الموقف يشبه موقف الدول العربية التي تعتبر جرائم الإسلامويين في بلدانها إرهاباًُ وفي العراق مقاومة. مرحى لحكومتنا الرشيدة على هذا الاستسلام. إنه نصر كبير لعمرو موسى والإرهابيين حيث استطاع أن يحصل على اعتراف القادة العراقيين بشرعية الإرهاب وهذا كل ما هو مطلوب من مؤتمر القاهرة للمصالحة.

 

هذا انتصار للذين أسندوا الإرهاب وازدروا الانتخابات وتنكروا لصناديق الاقتراع وقرروا تدمير الحكومة المنتخبة. وما هذا الاعتراف بشرعية قتل الجنود الأجانب إلا الخطوة الأولى في سلسلة من الخطوات اللاحقة لتجريد الانتخابات والحكومة المنتخبة من الشرعية. وهذه التنازلات من قبل الحكومة ستتبعها تنازلات أخرى لا تنتهي إلا بعودة البعث للحكم وهو المطلوب من ممثلي الإرهاب أو ما يسمى بالمقاومة الشريفة، فما أشرفكم!!

 

يطالب الإسلاميون من السنة والشيعة على وضع جدول زمني لانسحاب القوات متعددة الجنسيات. إن هذا الجدول مستحيل وغير عملي، لأن بقاء هذه القوات مرهون بقدرة القوات العراقية على حفظ الأمن. أما خروجها قبل الأوان فهذا ما يسعى إليه الإرهابيون من الصداميين والزرقاويين وبارك له ممثلوهم في مؤتمر القاهرة، وبالتالي لتحويل العراق إلى خرائب وأنقاض كما الحال في الصومال بعد موت محمد زياد بري.

 

ليعلم هؤلاء، أن الشيء الوحيد المانع لاشعال حرب أهلية وتدمير العراق هو وجود القوات الدولية في العراق. وهذا الإلحاح على جدول زمني لانسحاب هذه القوات لهو دليل على نوايا المطالبين السيئة المبيتة لحرق العراق والتمهيد لعودة البعث الفاشي للحكم، وعند ذلك نقرأ على العراق السلام.

 

للتعليق على هذا الموضوع