Middle East Transparent

16 اكتوبر 04

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

 

 

هل مازال صدام يحكم العراق؟

د. عبدالخالق حسين

 

حكم صدام حسين الشعب العراقي بالقبضة الحديدية لمدة35 عاماً وهي أطول فترة حكم بها أي حاكم آخر في تاريخ العراق الحديث.ونجح الطاغية في إخضاع العراقيين لإرادته لأنه استخدم القسوة المتناهية، من خلال أجهزته الإستخبارتية القمعية، وحزبه الذي تحول هو الآخر إلى جهاز استخباراتي تجسسي يحصى على الشعب أنفاسه. كما اعتمد صدام في حكمه على الوهم عن طريق تماثيله وصوره المنتشرة في طول البلاد وعرضها وفي كل مدينة وشارع وبيت ومكتب، يلاحق بها المواطنين حتى في غرف نومهم وأحلامهم يبث فيهم الرعب ويوحي لهم أنه القدر الذي يلاحقهم في كل مكان. إضافة إلى الإعلام الموجه وسيطرته المطلقة على التعليم والتوجيه والتثقيف، حيث منع الناس من أي اتصال بالعالم الخارجي، من الفضائيات والإنترنت، وحتى آلة الطباعة العادية كانت ممنوعة على العراقيين.وبهذه الأساليب القمعية استطاع صدام أن يدخل الوهم في روع كل عراقي بأنه القدر الذي خلاص منه ولاغالب له وأنه يتمتع بقدرات خارقة تفوق إمكانيات البشر وما عليهم إلا الطاعة وإلا مآلهم الموت الزؤام. وساعدته في ذلك آيديولوجية القومية العربية بنسختها البعثية المتطرفة في سحق كيان الإنسان كفرد وتأليه "القائد الضرورة" وعبادة المستبد.

 

ولترسيخ هذا الوهم في روع الإنسان العراقي، عمل حزب البعث على تدمير عقلية الناس ونشر الجهل ووضع معايير جديدة مشوهة للقيم الإنسانية والاخلاقية والوطنية والشرف، فشجع على تفشي الجريمة وفساد الاخلاق والذوق وتفتيت البنية الاجتماعية والقضاء على الشعور بالمواطنة والولاء للوطن وسعى لتكريس الأنانية والطائفية والقبلية وإعادة المجتمع إلى ما قبل الثورة الصناعية وتدمير قدرة الإنسان على التفكير السليم والتمييز بين الحق والباطل والصواب والخطأ، وبذلك تمكن صدام حسين أن يقنع العراقيين أنه السويرمان أو الإنسان الأعلى الذي لا يُقهر وأن وجودهم مرتبط بوجوده هو في الحكم، والشعب لم يكن شيئاَ بدونه، لا من قبله ولا من بعده، كما أكد ذلك في مقولته الشهيرة "أن الذي يحكم العراق من بعده سيستلمه خرائب بلا بشر".

 

يقدم أرسطو نصائح للحاكم المستبد كي ينجح في إحكام قبضته على الشعب، فيقول: "على المستبد أن يختار رجال حمايته من المرتزقة الديماغوجيين الجهلاء، وكسب السلطة والحفاظ عليها بكيل الوعود لهم. يجب عليه أن يمنع صعود أي شخص ذو إمكانيات استثنائية، إما بإعدامه أو باغتياله إذا دعت الضرورة. يجب منع الولائم والتجمعات الأدبية وإشاعة أي رأي أو ثقافة من شأنها إثارة مشاعر معادية. كما ويجب على المستبد منع الناس من التعرف على بعضهم البعض جيداً... وأن يستعين بالجواسيس حتى من النساء، وأن يفقر رعاياه وينشر بينهم النزاعات وإشغالهم بالأعمال الشاقة مثل فرعون الذي أشغل رعاياه في بناء الأهرامات. يجب الاستفادة من النساء والعبيد بجعلهم مخبرين وجواسيس. على المستبد إثارة الحروب لإلهاء رعاياه وجعلهم في حالة التهب الدائم لأوامر القائد.". هذه النصائح تذكرنا بتعاليم ماكيافيلي للأمير، وهل ترك صدام حسين شيئاً من هذه التعاليم دون تطبيق؟

 

 

وأخيراً سقط صدام ونظامه الدموي، لا بثورة شعبية، لأن ذلك لم يكن بمقدور الشعب بسبب وحشية القمع، بل سقط بحرب شنتها عليه قوات التحالف الدولي بقيادة أمريكا. وانهارت الدولة بجميع مؤسساتها لأنها كانت مختزلة بشخص صدام وحده، فكما قال لويس الرابع عشر: (أنا الدولة والدولة أنا). إذ كانت الدولة العراقية أشبه ببناء قائم على عمود واحد وهو صدام، فما أن سقط هذا العمود أنهار البناء كله.

 

ولكن رغم سقوط صدام ونظام حكمه وحزبه وأجهزته الاستخباراتيه، إلا إنه ترك إرثاً مدمراً وثقيلاً من الصعوبة التخلص منه بوقت قصير. لقد سقط صدام وبقي الوهم والخراب الإخلاقي والوعي الزائف والجهل والأنانية واللا أبالية. سقط صدام وبقي النفاق والشغب والمراوغة والمداهنة والنفاق والخوف من قول الحقيقة والوقوف بوجه الأشقائية والبلطجية لمنعهم من التخريب. سقط صدام وبقي الانهيار الفكري والاخلاقي والتفتيت الاجتماعي على أسوأ ما يكون. والاخطر من كل ذلك أنه حتى أجهزته القمعية والحزبية بقيت محافظة على تشكيلاتها وأبنيتها وسجونها المجهولة وغرف التعذيب السرية، كلها مازالت بأيدي فلول البعث التي بقيت تمارس نشاطاتها الإرهابية تماماً كما كانت في عهده المظلم. نعم، تصلنا أخبار مقلقة من بعض العراقيين الذين تم اختطافهم وسلموا من الذبح فأطلق سراحهم بعد دفع الفدية، أو نسمع من أقاربهم، أنهم سيقوا إلى أماكن لا تختلف كثيراً عن تلك التي كانت تمارس فيها أعمال التعذيب في عهد حكم البعث. يقول أحد الضحايا أنه اقتيد معصوب العينين إلى بناية في بغداد، مصممة خصيصاً لهذا الغرض، فاحتجز في غرفة بدون نوافذ ولها باب حديدي سميك. وتم التحقيق معه وهو معصوب العينين لمدة ثلاثة أيام من قبل عدة أشخاص يتناوبون في التحقيق معه في منتهى الدقة تتصف بالحرفية الاستخباراتية العالية لا يجيدها إلا المحترفين في هذا المجال. وهذا فقط جزء ضئيل من الواقع المؤلم. ونحن نعرف أن الأجهزة الإستخباراتية في عهد صدام حسين قد توسعت وتشعبت كالإخطبوط وبشكل معقد وامتلكت مئات المساكن في الأحياء السكنية بأسماء وهمية في طول البلاد وعرضها، استخدمتها لقمع المواطنين. فليس مستبعداً أن تكون هذه الأبنية مازالت تحت تصرف ذات الأجهزة وتستخدم لحد الآن لذات الأغراض الدنيئة ضد أبناء الشعب من خصوم البعث ودون علم الحكومة الجديدة، تنفذ أوامر حزب البعث الفاشي.

 

نعم، رغم سقوط صدام وانهيار حكمه، إلا إنه من الصعوبة التخلص من تركته الثقيلة في فترة قصيرة، بل ربما ستبقى هذه التركة الشريرة تلاحق العراقيين وترعبهم وتنغص عليهم معيشتهم لسنوات طويلة ولأكثر من جيل ما لم تتخذ إجراءات صارمة ومكثفة تساعد فيها منظمات دولية مختصة للتخلص منها. لقد سقط النظام الجائر وصدام قابع في السجن وكذلك معظم زبانيته إما في السجون أو فارين من وجه العدالة أو مقتولين، ولكن أجهزته القمعية والكثير من البعثيين مازالوا طليقين ينشرون الرعب بين المواطنين كما كانوا في عهد حكمهم الساقط.

 

كذلك ترك صدام نوعاً آخر من الإرث الثقيل لا يقل ضرراً من فلوله وتنظيماته القمعية، ألا وهو ظهور التيار الإسلامي المتطرف كرد فعل لسياسة البعث الطائفية البغيضة. فقد برزت فئات دينية متطرفة غريبة على اخلاقية الشعب العراقي تقوم بفرض إرادتها على المجتمع بالقوة وإرعاب الآخرين، وهذا ما يسمى بالاستبداد الاجتماعي. لقد برز هذا الاستبداد على شكل عصابات دينية منفلتة تشبه عصابات الخوارج التي أباحت لنفسها ذبح كل من اختلف معها في العقيدة وممارسة الطقوس الدينية في غابر الأيام.قامت عصابات الخوارج الجدد بفرض الحجاب على النساء وحتى على غير المسلمات واضطهاد السافرات وفرض عزل الطالبات عن الطلاب في المدارس والجامعات على طريقة السلفية في بعض البلدان الإسلامية، وتفجير محلات الخمور وقتل أصحابها واضطهاد وقتل غير المسلمين وإجبارهم على ترك دياناتهم وإعلان إسلامهم بالقوة أو دفع الجزية وتجاوز هذا الإرهاب حتى بلغ تفجير الكنائس من قبل الإرهابيين. ونتيجة لهذا التعسف ترك العراق منذ سقوط الفاشية أكثر من أربعين ألف مسيحي، وهذا عار يتحمل وزره الجميع. كذلك قامت هذه الفئات بفرض صور أئمة الشيعة والأولياء الصالحين في الدوائر الحكومية والمحلات العامة، بل وحتى في مراكز وأكاديميات الشرطة دون أي رادع، تماماً كما كان يجري في عهد الدكتاتور صدام مع الفارق أن الصور هذه المرة تعود لرموز دينية بدلاً من صور صدام حسين.

 

كما استغلت هذه العصابات الدينية المتطرفة الإنفلات الأمني بعد السقوط فقامت بتغيير أسماء المدن والأحياء السكنية والشوارع والمستشفيات، وأطلقت عليها أسماء شخصيات دينية بالقوة مدعية أنها نفذت إرادة الشعب. بطبيعة الحال، هذه الظاهرة لها مخاطر جسيمة ونتائجها معكوسة ليس على المجتمع فحسب بل وعلى الدين نفسه، لأن هذه الأعمال ستنفر الناس تدريجياً من الدين كما هي الحال في إيران تحت حكم الملالي. ولا نستبعد أن تكون هناك عصابات من أيتام صدام تشجع هذه الأعمال الهدف منها جعل الناس يترحمون على عهده المقبور.

 

ومن مظاهر الاستبداد الاجتماعي والانفلات الأمني هو اختفاء حرية التعبير. وهذه مفارقة في عهد المفترض منه أن يتمتع فيه الشعب بحرية التعبير والتفكير والقضاء على احتكار الدولة لوسائل الإعلام. ولكن المعلومات التي تصلنا من الداخل تثير قلق المخلصين من أنصار الحداثة والديمقراطية وحرية الرأي. إذ تفيد الرسائل التي تصلنا من الداخل أنه رغم زوال الرقابة الحكومية على الإعلام ورغم تعددية الصحافة التي فاقت المائتين في بغداد وحدها والفضائيات العراقية العديدة وعشرات الإذاعات، إلا إن معظم العراقيين لا يولونها أي اهتمام بل يتجهون إلى الفضائيات العربية ولا يقرؤون الصحف العراقية لأن أغلب موادها لا تعبر عن طموحاتهم وتطلعاتهم الفكرية والثقافية ولا تشبع نهمهم في الإطلاع على المعلومات الجديدة، وأن المصدر الوحيد الذي يعتمدون عليه هو مقالات العراقيين والعرب التنويريين في الخارج التي تنشر على مواقع الإنترنت. ويواصل الأصدقاء قولهم أنهم يطبعون ويستنسخون هذه المقالات من الإنترنت ويوزعونها على أصدقائهم ومعارفهم كما لو كانت منشورات سرية!! إن امتناع الصحف العراقية عن نشر المقالات النقدية والحداثوية ليس نتيجة الخوف من الحكومة كما أسلفنا، بل الخوف من التفجيرات التي تقوم بها فلول صدام حسين والعصابات الدينية المتطرفة لكل من يتعرض لها بالنقد، كما حصل لصحيفة الصباح ورئيس تحريرها إسماعيل الزاير في العام الماضي.

 

كذلك هناك نفور المجتمع العراقي من الفضائيات العراقية رغم تنوعها وتعددها، فالناس يفضلون عليها الفضائيات العربية المثيرة ببرامجها رغم أن البعض منها تبث السموم ضد العراقيين وتعمل على تشويش عقولهم وبلبلة أفكارهم. إلا إن أكبر نجاح حققه صدام حسين هو تدمير الاخلاق وتشويه ساكولوجية الإنسان العراقي والاستهانة المفرطة بحياة الإنسان. فما أسهل قتل الإنسان في العراق اليوم وبثمن بخس ولأسباب تافهة. فهناك قتلة للإيجار ولو بعشرة دولارات والثمن يصعد حسب أهمية الشخص المرشح للقتل. فأعلى سعر لأهم إنسان في العراق لا يتعدى الألف دولار حتى أصبح القتل من الأحاديث اليومية المألوفة في "هذا البلد الأمين!!". ففي حوار يثته هيئة الإذاعة البريطانية -القسم العربي- حول الإعلام العراقي ونفور العراقيين منه رغم تعدديته المفرطة، استطلع البرنامج آراء عدد من العراقيين في الشارع، فكان الجميع ساخطون على الإعلام العراقي. ولكن مما أثار استغرابي وتألمي هو طريقة تعامل العراقيين مع الاختلاف. فحق الاختلاف مشروع ومعترف به في عراق اليوم، ولكن العدوانية مدانة. فبعد أن عبر أحد العراقيين عن سخطه وغضبه على الفضائيات العراقية، أضاف قائلاً: (... أما مقدم نشرة الأنواء الجوية في الفضائية العراقية فيستحق الإعدام!!) وراح يحلف: (والله والله.. لو التقي به لأطلق عليه الرصاص وأقتله.. والله والله!!). أقول، من حق الأخ أن يتضايق من مقدم نشرة الأنواء الجوية لأسباب لا نعرفها، ولكن بأي حق يهدد ويحلف بأغلظ الأيمان على قتله؟ فهل مقدم نشرة الأنواء الجوية مسؤول عن حرارة الصيف الحارقة في العراق أو عن الإنفلات الأمني وغيره من المشاكل المستعصية؟ وربما لا نأخذ تهديدات صاحبنا مأخذ الجد... ولكن إطلاق مثل هذه التصريحات العدوانية وبهذه الصراحة وفي برنامج إذاعي واسع الانتشار يستمع إليه الملايين، يدل على مدى الخراب النفسي الذي ألحقه الحكم البعثي بالعراقيين ومدى رخص قيمة حياة الإنسان. ففي البلدان المتحضرة، يحق لمقدم نشرة الأنواء الجوية في هذه الحالة، مقاضاة الشاب على تهديداته له بالقتل ولديه تسجيل إذاعي موثق لا يقبل أي شك. إن ظاهرة الخراب البشري والنزعة العدوانية المتفشية في المجتمع العراقي، تحتاج إلى معالجة جادة من قبل المسؤولين والمثقفين والمتخصصين في مختلف المجالات. أعتقد أن أمام الحكومة الحالية والمنتخبة القادمة، مهمات عسيرة وعلى رأسها السيطرة الكاملة على مخلفات الأجهزة الاستخباراتية الصدامية الخارجة عن سيطرة الدولة في الوقت الحاضر والتي وجهت كل نشاطاتها لتدمير البلاد والعباد، إضافة إلى الحاجة إلى حملة ثقافية واسعة لاستئصال آيديولوجية البعث وثقافة الموت من المجتمع العراقي وإشاعة ثقافة إنسانية وروح التسامح والديمقراطية والتعايش مع الاختلاف والعالم بسلام.

 

http://www.sotaliraq.com/abdulkhaliq.html

 

 

للتعليق على هذا الموضوع