4 سبتمبر 2005

 

فاجعة جسر الأئمة، من المسؤول عنها؟

د.عبدالخالق حسين

 

 

نعم إنه الموت الرخيص، بل المجاني ودون أن يكلف الجناة حتى ولا رصاصة واحدة، كما حصل في هلاك ما يقارب ألف عراقية وعراقي، معظمهم من النساء والأطفال والشيوخ على جسر الأئمة. حياة الإنسان العراقي أصبحت رخيصة عند الجناة البعثيين الذين يصرون على أن يهلكوا الحرث والنسل في العراق طالما لم يحكموه هم. من المسؤول عن هذه الكارثة المروعة؟ سؤال يبحث عن جواب ويلاحق كل من في موقع المسؤولية في العراق.

 

بدءً، أعرب عن بالغ الحزن والغضب، بهذه المأساة الإنسانية الكبرى و أتقدم بعزائي الحار ومواساتي إلى ذوي الشهداء الذين سقطوا صرعى فاجعة جسر الأئمة يوم 31/8/2005 والتي يندى لها جبين الإنسانية، إنها إضافة ألف شهيد آخر إلى جحافل شهداء شعبنا الأبرار، كما وأدعو للجرحى بالشفاء العاجل، والله في عون هذا الشعب المبتلى بالكوارث وهو يواجه الغول البعثي-السلفي المتوحش الذي لا يشبع نهمه من دماء الأبرياء.

 

فمن نافلة القول إن مجزرة جسر الأئمة هي كارثة من صنع البشر، على خلاف إعصار كاترينا الذي هو من صنع الطبيعة والذي عصف بمدينة نيوأورليان الأمريكية وأحالها إلى خرائب. والسؤال الذي يجب طرحه هو: إذا لم يكن بالإمكان تجنب الكوارث الطبيعية مثل إعصار كاترينا، فهل كان بالإمكان تجنب الكوارث التي هي من صنع البشر مثل كارثة جسر الأئمة؟

 

الجواب، يقيناً نعم، فطالما كانت الكارثة من صنع البشر فلا بد أنه كان بالإمكان منعها بواسطة البشر أيضاً. ونحن هنا لا نناقش من أجل إقناع الإرهابيين القتلة من فلول البعث الصدامي وحلفائهم السلفيين من أتباع الزرقاوي ومطالبتهم بالتخلي عن ممارسة هذه الجرائم البشعة، لأن هكذا نقاش أشبه بمن يحاول إقناع وحوش الغاب على التخلي عن غرائزها الحيوانية الوحشية والعيش بسلام مع الحمل الوديع، وهي محاولة ساذجة إن لم نقل غبية. فالإرهابيون تسيرهم غرائزهم البدائية لا يمكن إقناعهم بالمنطق بل بمواجهتهم بالأسلوب الوحيد الذي يفهمونه وهو سحقهم عن آخرهم وخلاص البشرية من شرورهم. ولكن دعنا نناقش أهل الحل والعقد من الزعماء السياسيين والدينيين الذين نتوسم فيهم الفهم وهم في مواجهة مع الإرهاب ويحتلون الآن موقع المسؤولية في العراق.

 

نعم، كان بالإمكان منع الظروف التي توفر للإرهابيين الفرصة لتنفيذ إرهابهم. لماذا تم تنظيم هذه المسيرات المليونية في مثل هذه الظروف العاصفة بالإرهاب حيث من السهولة بمكان تسلل الإرهابيين إلى صفوف الجماهير. نعم، كان بالإمكان منع هذه الكارثة فيما لو أبدى زعماء أحزاب الإسلام السياسي الشيعي شيئاً من العقلانية والحرص على أرواح الناس وعدم توظيف الشعائر المذهبية لخدمة أغراضهم السياسية، خاصة وهم يعلمون أن حشد هذه الجماهير المليونية في مكان واحد محصور سيوفر فرصة ذهبية للإرهابيين للانقضاض على ضحاياهم من الشيعة وتحقيق مآربهم الإجرامية. هذا ما حصل مع المواكب الحسينية في كربلاء والنجف والكاظمية وفي المساجد الشيعية (الحسينيات) إثناء صلاة الجمعة في المسيب وبغداد وراح ضحيتها الألوف من الأبرياء وبشكل عشوائي وعلى الهوية الطائفية فقط .

 

الكل يعلم، أن البعثيين وحلفائهم السلفيين القاعديين، يبذلون قصارى جهودهم لإشعال حرب طائفية بين السنة والشيعة لا تبقي ولا تذر. كما نعلم أن حزب البعث، رغم علمانيته، لم يترك مجالاً إلا وطرقه من أجل إدامة حكمه حيث تبنى في سنواته الأخيرة ما أسماه بالحملة الإيمانية ليركب الموجة الدينية ولتأجيج الطائفية وحتى شجع على نشر السلفية التي تؤمن إيماناً قاطعاً بوجوب قتل الشيعة "الروافض، المشركين من عبدة القبور". وراح البعثيون الآن يستغلون العقيدة السلفية لتنفيذ جرائمهم في إبادة الشيعة وإصدار بياناتهم بأسماء تنظيمات إسلامية.

 

حدثني صديق، وهو عربي سني عانى كثيراً من نظام البعث حتى فر وعاش في دولة أوربية، رجع إلى العراق بعد التحرير على أمل أن يعيش مع أهله بسلام، بقى هناك حوالي ستة أشهر ولكنه اضطر للعودة إلى أوربا بسبب الوضع الأمني المتدهور، فعاد تواً، وهو من المنطقة التي أطلق عليها مؤخراً ب"مثلث الموت" الواقعة جنوب بغداد، بين المحمودية واللطيفية واليوسفية، قال أن هناك شريحة واسعة من الشباب بين 16 و25 عاماً من العمر، قد تم غسل عقولهم وتشربوا بتعاليم مزيجة من البعثية والسلفية، يعتقدون بشكل مطلق أن قتل الشيعة فرض ديني على كل مسلم، ويجب تطهير العراق منهم وإبادتهم أو يتخلوا عن شيعيتهم ويعودوا إلى "الإسلام الصحيح" أي السلفي. وهؤلاء الشباب قد تمردوا على آبائهم ولم يصغوا لأية نصيحة من عقلائهم وحتى آباؤهم يخافون منهم، ويتلقون التحريض والتعليمات من أئمة المساجد السلفيين المتطرفين والبعثيين. وهناك تنظيمات بعثية تمدهم بالمال والسلاح وتسهل لهم ارتكاب جرائمهم. وقام هؤلاء بنسف قبور الأولياء المنتشرة في الريف العراقي والتي كان يزورها القرويون البساط من السنة والشيعة على حد سواء. فهذه هي الظروف التي يعيشها الشعب العراقي الآن.

 

وفي ظل هذه الأجواء استغل الإرهابيون المواكب الحسينية خلال العامين الماضيين وقتلوا المئات من زوار العتبات المقدسة عن طريق الانتحاريين العرب، كما حصل في تفجيرات النجف وكربلاء والحلة والكاظمية وغيرها، ناهيك عن حوادث القتل بالعشرات يومياً في مختلف مناطق العراق. والسؤال هو: لماذا لا يتخذ زعماء الشيعة، السياسيون منهم والدينيون، إجراءات لمنع تكرار هذه المجازر؟ ومن المسؤول عن مجزرة جسر الأئمة هذه؟ في رأيي أن القادة السياسيين الشيعة الذين يشجعون هذه المسيرات ويستغلون المناسبات والطقوس المذهبية لأغراضهم السياسية يتحملون قسطاً كبيراً من المسؤولية. فهؤلاء يستغلون هذه المواكب الحاشدة ويتبارون في إلقاء الخطب أمام الكامرات التلفزيونية لإعطاء انطباع لأبناء الشعب والعالم الخارجي أن هذه الجماهير هي طوع بنانهم وضمن تنظيماتهم، وأنهم يتمتعون بشعبية واسعة، بينما هي في الحقيقة مسيرات شعبية عفوية وفق طقوس مذهبية ليس غير. وكذلك يتحمل رجال الدين الشيعة تبعة ما حصل لأنهم يرفضون أخذ أي إجراء يحد من كثرة المواكب ويصفون هذه الطقوس بأنها عبادة. كان عليهم أخذ ظروف البلاد بالحسبان وإقناع أبناء الطائفة بعدم تنظيم هذه المسيرات لأنها توفر فرصة ذهبية للإرهابيين. كما يتحمل مسؤولية هذه المجزرة، أولئك الذين نظموا هذه المواكب بدافع المنافسة بين التنظيمات الشيعية من أجل إبراز العضلات ضد بعضها البعض، خاصة بعد المصادمات الدموية بين الجماعتين الشيعيتين، الصدر وبدر في المدن العراقية والتي راح ضحيتها العشرات. ولا ننسى أن مدينة الثورة التي سطا عليها التيار الصدري وأطلقوا عليها اسم (الصدر) هي الآن تحت سيطرة جيش المهدي، وهم الذين نظموا وشجعوا الملايين من فقراء المدينة إلى الزحف نحو الكاظمية ليقدموهم لقمة سائغة للإرهابيين ودون تكاليف.

 

لقد اكتسب الإرهاب البعثي خبرة هائلة في الإجرام واختراع الأساليب الجهنمية الجديدة في قتل العراقيين. فاعتمدوا على الانتحاريين العرب الوافدين من خارج الحدود، ثم السيارات وحتى الحيوانات المفخخة، ناهيك عن القصف العشوائي، ولكن في هذه المرة، اكتفوا ببث إشاعة بين الجماهير المزدحمة المحصورة على جسر الأئمة بوجود منتحرين مفخخين بينهم، فأدت الإشاعة مفعولها المدمر في خلق التدافع الذي أدى إلى قتل ما يقارب الألف وإصابة المئات دون أن يخسر البعثيون الإرهابيون حتى رصاصة واحدة.

 

إن هذه الفاجعة كشفت لنا ليس فقط هشاشة الحكومة وضعفها وعدم تماسكها أمام قوى الإرهاب، بل وحتى هشاشة وعدم تماسك ما يسمى بتحالف البيت الشيعي المنضوي في قائمة (الائتلاف الوطني العراقي) التي حازت على 48% من أصوات الناخبين وعلى أكثر من 50% من مقاعد الجمعية الوطنية. فقبل الانتخابات، صرح مقتدى الصدر، زعيم ما يسمى بجيش المهدي والتيار الصدري، أن تياره لا يريد المشاركة في الانتخابات بل يكتفي بالجهاد لطرد المحتل الأمريكي والدفاع عن حقوق المحرومين!!. ولكن بعد إعلان النتائج وبمباركة آية الله السيستاني لقائمة الإئتلاف، تبين أن 21 من النواب هم من التيار الصدري. وإني إذ أسأل، هل فاز هذا العدد من الصدريين فيما لو رشحوا خارج قائمة الإئتلاف الشيعي ودون مباركة السيد السيستاني؟ شخصياً أشك في ذلك. والآن وبعد مجزرة جسر الأئمة، طفحت الصراعات على السطح من خلال تصريحات وزير الصحة وهو من التيار الصدري حسب المحاصصة وتوزيع غنائم السلطة، والذي حاول استغلال الفاجعة لإيجاد كبش الفدى وإلقاء اللوم عليه وتبرئة تياره الذي اعتاد على تنظيم هذه المسيرات الجماهيرية لإبراز العضلات وتخويف المنافسين. نعم استغل الوزير المناسبة الأليمة، لتصفية حسابات مع وزير الداخلية الذي هو من المجلس الأعلى ووزير الدفاع المعروف عنه أنه فوق الميول والاتجاهات وليس له انتماء حزبي سوى الانتماء للعراق.

 

السلطة السياسية التي يهيمن عليها قادة الأحزاب السياسية الشيعية هم الذين يحركون الشارع الشيعي في المناسبات السياسية والدينية، والمتاجرة بالشعائر المذهبية، وكذلك فقهاء الدين، الزعماء الروحانيين للجماهير الشيعية البائسة يتحملون مسؤولية المجزرة إذ كان عليهم أن يعوا خطورة المرحلة وفقدان الأمن وينصحوا أبناء الطائفة بتأجيل هذه المسيرات وعدم تشجيعهم عليها، إذ كان على فقهاء الدين إصدار فتاوى بتحريم اللطم وجلد الذات وإسالة الدماء في الشوارع بهذا الرخص، فإن هذه الطقوس هي عادات وافدة وليست من الإسلام ولا من المذهب الشيعي بشيء.

 

يقول العلامة على الوردي (وأنا أنقل من الذاكرة) أن طقوس العزاء الحسيني ساعد كثيراً على تشيّع القبائل العربية السنية التي دخلت العراق من البادية العربية خلال القرون الماضية. أما اليوم ونتيجة لنشر التعليم فإن هذه الطقوس تعمل العكس، أي صارت تنفر من التشيع. إن الحركة الشيعية في الإسلام ولدت من رحم الصراعات الاجتماعية، بسبب المظالم التي مارسها خلفاء بني أمية ضد فقراء المسلمين الذين وجدوا في أهل البيت ملاذاً لهم للدفاع عن حقوقهم وخلاصهم وقيادتهم في الثورات ضد الظلم عبر العصور. ولم يدر بخلدهم أن هذا المذهب سيتحول يوماً إلى تجمعات لممارسة طقوس اللطم والتطبير وضرب الزنجيل، وممارسة العادات التي نؤكد أنها غريبة عن المذهب الشيعي، ناهيك عن غرابتها عن الإسلام نفسه كدين.

 

لقد أدان طقوس اللطم وجلد الذات خيرة فقهاء الدين الشيعة من أمثال السيد محسن العاملي، فاتهمه  بعض المعممين المستفيدين مادياً من هذه الممارسات بالكفر. ونحن إذ نسأل كما سأل المرحوم العاملي من قبل، هل وجدتم معمماً أو فقيهاً دينياً، شارك في اللطم أو التطبير؟ وإذا كانت هذه اللطميات تعتبر عبادة فلماذا لا يمارسها هؤلاء المعممون أنفسهم؟

 

خلاصة القول، نعتقد أن فاجعة جسر الأئمة كان بالإمكان تفاديها لو عمل زعماء الشيعة السياسيون والدينيون على توجيه أبناء طائفتهم توجيهاً صحيحاً وبالأخص في هذه الظروف العاصفة التي أصبح فيها حياة الإنسان لا تساوي شيئاً عند البعثيين وقتل الشيعي ضماناً لدخول الإرهابي السلفي إلى الجنة. نطالب المسؤولين وخاصة قادة الطائفة الروحانيين والأحزاب الشيعية أن يعوا خطورة المرحلة والارتقاء إلى مستوى المسؤولية وعدم الاستهانة بأرواح الناس وتخليص المذهب من طقوس دخيلة على الدين والمذهب.

 

 

للتعليق على هذا الموضوع