19 أبريل 2006 

 



 

 

هذا الجنون الجماعي... إلى أين؟

د. عبدالخالق حسين

 

لا شك أن ما يجري في العالم العربي خاصة، والإسلامي عامة، من أعمال إرهابية ضد الأبرياء في العالم هو نوع من الجنون. والأنكى أن هذا الجنون مغلف بغطاء ديني لإضفاء القداسة عليه وإيجاد المبررات له ووضع العرب والمسلمين في حالة مواجهة دموية انتحارية مع العالم باسم الله والإسلام. ولم تسلم من هذا العدوان حتى دور العبادة والمصلين، لا لشيء إلا لأن هناك اختلاف في الدين والمذهب. وآخر مظاهر هذا الجنون كان العدوان الذي وقع على كنائس الأقباط في الإسكندرية. إذ أفادت الأنباء بوقوع هجمات على ثلاث كنائس قبطية يوم 14 نيسان/أبريل الجاري، إثناء قداس الجمعة العظيمة، وقتل شخص واحد طعنا بالسكين وجرح عدة أشخاص آخرين. وقالت وزارة الداخلية المصرية إن الهجمات نفذت من طرف "مختل عقليا"

 

فمن نافلة القول، أن المسيحيين المصريين هم أهل مصر الأوائل وحتى قبل أن يدخلها العرب بآلاف السنين. وقد تعايشوا مع المسلمين بسلام منذ الفتح العربي الإسلامي قبل 14 قرناً، إلى أن ظهر علينا في هذا الزمن الرديء، الإسلام السياسي والمتأسلمون الذين راحوا يبثون روح الفرقة والبغضاء بين أبناء الوطن الواحد ويعملون على تفجير الوضع وإشعال نار الفتنة في كل مكان.

 

إن هذا الانفجار الطائفي لا يهدد الأقباط فحسب، بل يهدد الشعب المصري الشقيق كله. والغريب في الأمر أن العذر الرسمي الذي أذاعته الحكومة أن الحادث كان من صنع شخص مختل عقلياً. تقول الحكمة (حدِّث العاقل بما لا يليق فإن صدق فلا عقل له). لذا فإني أعتقد أن الذي أصدر مثل هذا البيان هو نفسه يحتاج عقله للفحص. فإلى متى يستغفل هؤلاء العالم ويحاولون الضحك على الذقون؟ وهنا أريد أن أسأل، كيف استطاع شخص واحد مخبول أن يعتدي على عشرات المصلين المسيحيين وفي ثلاث كنائس وفي يوم واحد بل وفي وقت واحد، دون أن تكون هناك حكومة تحترم نفسها ومواطنيها للقبض على هذا المخبول ومنعه من مواصلة جرائمه في الكنائس الأخرى؟ في الحقيقة أفادت تقارير سابقة من الشرطة تفند بيان الحكومة، والتي تحدثت عن هجمات متزامنة شارك فيها عدة أشخاص، حيث أخبرت الشرطة وكالة اسوشييتد بريس انها القت القبض على ثلاثة اشخاص "ضالعين في أحداث متزامنة" وانها احبطت محاولة لمهاجمة كنيسة رابعة.

 

أنا أقبل وصف مرتكب الجريمة بأنه مجنون. ولكن تبريره بأنه عمل فردي، فأمر لا يمكن تصديقه أبداً. وهذا الجنون المتفشي في البلاد العربية على شكل وباء، هو ليس الجنون بالمعنى الطبي الذي يعالج بالعقاقير والصدمات الكهربائية على أيدي أطباء الأمراض العقلية، بل إنه الجنون الجماعي أو ما يسمى ب الهستيريا الجماعية mass hysteria والتي هي من صنع الإسلام السياسي والأحزاب الإسلامية ووسائل الإعلام وخطباء المساجد وبدعم ومباركة الحكومات العربية.

إن وصف المعتدي على الكنائس في الإسكندرية بالجنون، هو اعتراف ضمني بأن جميع الذين يعتدون على دور العبادة وعلى الناس لأسباب دينية وطائفية وعرقية هم مجانين. وقد أصبح الجنون هو المخرج الوحيد لهؤلاء لإعفائهم من العقاب. فحتى محامو زكريا موساوي، المتهم الوحيد الحي في ارتكاب كارثة 11 سبتمبر 2001، يحاولون إقناع هيئة المحكمة في أمريكا بأن موكلهم مخبول نظراً لتعرضه إلى العنف وسوء التربية في طفولته، ويأملون من ذلك إعفاءه من الإعدام. وهذا يعني أنه من المحتمل أن يطالب قريباً محامو صدام حسين المحكمة الجنائية التي تحاكمه ببراءته من جرائمه أو إعفائه من تنفيذ حكم الإعدام إذا حكم به، بحجة تعرضه إلى العدوان خلال طفولته القاسية. وبهذه الحجة يضطر محامو الإرهابيين في الدفاع عن موكليهم إلى إعلان جنونهم.

أجل، جميع الإرهابيين مخبولون، وكذلك جميع الطائفيين والمهووسين الدينيين، وكل من يرتكب أية جريمة ضد إنسان آخر بسبب ديني أو طائفي أو عرقي فهو مجنون، وكل من يؤيد هذه الجرائم ويجد لها مبررات ويحرض عليها بفتاوى ومقالات تحريضية، فهو مجنون، وهؤلاء جميعاً يحتاجون إلى مصحات عقلية خاصة لمعالجتهم وإخراج الأفكار الشريرة من رؤوسهم، تلك الأفكار التي زرعها في أدمغتهم فقهاء الموت وأعداء الحياة، باسم الله والإسلام لإعادة تأهيلهم وخلاص المجتمع من شرورهم وتحويلهم إلى أناس نافعين ومسالمين. إن موجة الجنون الديني تجتاح البلاد العربية كالطاعون الأسود الذي كان يكتسح العالم في القرون الغابرة.

إن الجنون الجماعي هذا هو من صنع البشر، ساهم فيه قطاع واسع من رجال الدين ومن أئمة المساجد والإعلام العربي المضلل. وقد شاركت الحكومات العربية بفعالية في تفشي هذا الوباء حيث صادرت حرية التعبير وضيقت الخناق على المثقفين التنويريين وبالأخص الديمقراطيين الليبراليين منهم، وفسحت المجال لدعاة الإسلام السياسي وحدهم لتضليل شعوبهم. واستغل فقهاء الموت الشباب والمراهقين الفارغين من أية ثقافة تحميهم من السقوط في حبائل الدجالين، فبثوا فيهم روح الكراهية والبغضاء ووجهوهم نحو الهاوية، واتبعوا سياسة "فرق تسد"، وكانت الضحية هي الأقليات الدينية والمذهبية والأثنية في جميع البلاد العربية والإسلامية.

 

إن ما يجري في مصر لا يخص مصر وحدها، بل نراها في العراق والجزائر والمغرب وليبيا وبلدان الخليج وإيران وباكستان وكل العالم الإسلامي. أجل، المسئول الأول عن تفشي ظاهرة العداء للأقليات هي الحكومات العربية التي أدمنت على السلطة وحاربت الديمقراطية خوفاً على كرسي الحكم. لذلك استغلت هذه الحكومات الجانب السلبي في التراث الديني والإسلام السياسي واستخدمت خطباء المساجد لبث روح الفرقة والبغضاء بين أبناء الوطن الواحد من أجل إشغالهم بهذه الفوضى، وبذلك يبقى الحكام على كراسيهم دون منافس، والضحية ليست الأقليات وحدها بل جميع الشعوب المغلوبة على أمرها.

 

إن الحكومة المصرية، وأية حكومة عربية أخرى، تتصرف كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال، دائماً تحاول إيجاد المبررات لهذه الأعمال العدوانية على الأقباط وإيعازها إلى أفراد مخبولين، مدعية أن مكونات الشعب يعيشون متآخين وفي وحدة وطنية متراصة كالبنيان المرصوص، متساوين في الحقوق والواجبات وفي انسجام تام، يتمتعون بسلام آمنين!! إلا إن الواقع هو عكس ذلك تماماً. فنسبة كبيرة من الأقباط اضطروا على مغادرة الوطن والعيش في المنافي هرباً من الاضطهاد. كما وتفيد التقارير أن المؤسسات الأمنية المسئولة عن أمن المواطنين، هي نفسها ضالعة في هذه الجرائم، وأن السلطات الحاكمة، بما فيها السلطة التشريعية لها دور في هذا الاحتقان الطائفي وتغذيته، وحرمان الأقباط الذين يشكلون نحو 10-15% من الشعب المصري، من حقوق المواطنة. وكما حذر عقلاء القوم، إذا لم تسارع الحكومة بمعالجة هذه الأزمة بالعقل والحكمة، فإن انفجاراً هائلاً سيحدث، وسيدفع الجميع ثمناً باهظاً بسبب هذا الإهمال المتعمد.

وبالتأكيد، هذه المصادمات الدينية في مصر ليست الأولى من نوعها، إذ دائماً وأبداً كان المتطرفون الإسلاميون هم البادئين في الاعتداء على دور العبادة للمسيحيين على مرأى ومسمع من رجال الأمن. إذ بدأت (عام 1972 بحادثة الخانكة وحادثة الزاوية الحمراء، وأحداث متعددة بعد ذلك وصولا إلى الثمانينات، حيث اضطر السادات في عام 1977 إلى الاعتراف بوجود أزمة طائفية في أعقاب إحراق إحدى الكنائس بقرية في الفيوم. واستمرت حلقات المواجهة القبطية ـ الاسلامية في مصر بعد أحداث قرية الكشح بمحافظة سوهاج عامي 1999 و2000. (مشاري الذايدي، الشرق الأوسط، 18/4/2006). كما حصل في العام الماضي هجوم قام به نحو خمسة آلاف متظاهر على كنيسة في الإسكندرية بسبب قرص مدمج لمسرحية ووقعت ضحايا في الأرواح.

واعتماداً على تقارير موثقة، إن لجنة الشؤون الدينية بالبرلمان المصري قررت بالإجماع إلغاء وثيقة الحقوق الدينية الموقع عليها من مجموعة قساوسة، ... وعدم الاعتراف بهذه الوثيقة التي وصفها أعضاء اللجنة بأنها مشبوهة وتدعو إلى الردة، وأنها خيانة! فماذا كانت تضم هذه الوثيقة لكي توصف " بأنها مشبوهة وتدعو إلى الردة، وأنها خيانة؟ " جاء في هذه الوثيقة وحسب المصدر السابق: نؤمن بحق كل فرد في الإيمان بأي دين يشاء، وأن لكل إنسان، رجلا كان أو امرأة، حقا مقدسا في اعتناق، أو رفض اعتناق دين من الأديان، من دون التعرض لأي أذى من قبل أي جهة دينية أو سياسية.

ونحن نسمع ونقرأ بتكرار، أن الإسلام دين التسامح حيث "لا إكراه في الدين.." ولو شاء الله لهدى الناس جميعاً.. وعشرات غيرها من الآيات التي تدعو إلى التسامح. وإذا كان هذا هو الإسلام، وهو كذلك، فبأي حق ينصب المتأسلمون أنفسهم حماة على الإسلام ليصادروا حق الإنسان في تقرير مصيره واختيار معتقداته الدينية؟ إن حرية الأديان وحق الناس في اختيار معتقداتهم الدينية والفكرية والسياسية حق مصون بالمواثيق الدولية وهي من أبسط الحقوق التي يجب أن يتمتع بها أي إنسان في هذا العصر وليس من حق أي كان مصادرتها منه. لذلك فلا غرابة أن نرى الحكومات العربية هي من ألد أعداء حقوق الإنسان، فهي تساهم مساهمة كبرى في تغذية هذا الاحتقان الطائفي ودفعه إلى الانفجار لإبقائها في السلطة. وعمل الحكومات هذه أشبه بطفل يلعب بقنبلة موقوتة لا يدري متى تنفجر عليه. نعم، الحكومات العربية هي المسئولة عن تغذية الاحتقان الطائفي، وهي التي مدت الحبل لفقهاء الموت بشحن الشباب بالكراهية ضد الآخر المختلف، بينما ضيقت الخناق على المثقفين الليبراليين وطاردتهم ومنعتهم من نشر أفكارهم وتثقيف الشعب بروح التسامح والانفتاح على العالم المتحضر والتعايش بسلام مع الآخر وقبول الرأي المختلف. وخير مثال على ما نقول هو الرئيس المصري الراحل أنور السادات، الذي حاول التقرب إلى الأخوان المسلمين فطارد الديمقراطيين المصريين وبالتالي انفجرت العبوة عليه، فاغتاله الإسلاميون. بينما كان مشروع السادات في حل الصراع العربي-الإسرائيلي وتوقيعه على اتفاقية كامب ديفيد، أقرب إلى فكر الليبراليين العقلانيين. ولكن الحكام العرب لن يتعلموا درساً.

العذر أقبح من الفعل:

دليل آخر على أن القادة العرب يعملون على تغذية الاحتقان الطائفي هو ما صرح به الرئيس المصري حسني مبارك لقناة (العربية) الفضائية مؤخراً حيث قال: "أن الشيعة في البلاد العربية، يدينون بالولاء لإيران وليس لبلدانهم" وكأنه لم يكفه اضطهاد الأقباط والشيعة في بلاده، فراح يحرض ضد الشيعة في البلدان العربية الأخرى. وكما علق معظم الكتاب السياسيين، فإن هذا التصريح لم يكن ناتجاً عن سذاجة وجهل، بل بقصد إثارة الفتنة الطائفية في العراق التي يعمل على إشعالها الإرهابيون البعثيون وحلفاؤهم الإسلاميون التكفيريون من أتباع القاعدة. فالمعروف عن هؤلاء القتلة أنهم يقتلون الشيعة على الهوية لإشعال حرب طائفية في العراق. ولكن في رده على المعترضين عليه، أجاب السيد حسني مبارك بما معناه أن الناس أساءوا فهمه وأكد " ان الجهود المصرية من اجل الشعب العراقى لاتفرق بين مسلم أو شيعى  ....."  وهذا يعني أن المقصود بالمسلم هو السنة وحدهم أما الشيعي فهو من ديانة أخرى. عجبي! لا أعتقد أن الشيعة سيقبلون بهذه الوصفة واعتبارهم خارج الإسلام، أي العذر أقبح من الفعل، إذ كما يقول المثل العراقي (أراد أن يكحلها عماها).

وختاماً، نأمل من القيادات المصرية، السياسية والدينية أن يعودوا إلى رشدهم ويصغوا إلى صوت العقل والحكمة لاحتواء الأزمة وإطفاء الفتنة الطائفية، وذلك بتحقيق حقوق المواطنة الكاملة لجميع المواطنين المصريين بدون أي تمييز عنصري أو ديني أو طائفي. وأول إجراء يجب اتخاذه بهذا الخصوص، هو إلغاء ما يسمى بالخط الهمايوني البغيض الموروث من العهد العثماني والذي بموجبه منعوا على المسيحيين بناء أية كنسية جديدة لهم أو حتى ترميم كنائسهم إلا بشروط تعجيزية وبموافقة رئيس الجمهورية والتي أنيطت بالمحافظين مؤخراً. إن حرية العبادة وممارسة الطقوس والشعائر الدينية هي من أبسط الحقوق الديمقراطية التي يجب على كل حكومة تحترم نفسها أن تضمنها لجميع مكونات الشعب. عليهم احتواء الأزمة وليقي الله الشعب المصري شر الفتنة الطائفية التي يعمل سفهاء القوم على إشعالها.

Abdulkhaliq.Hussein@btinternet.com

 

 

للتعليق على هذا الموضوع