16 ديسمبر 2005

 

 

البقاء للأصلح.. الديمقراطية مثالاً

د. عبدالخالق حسين

 

 

حقق الفيلسوف البريطاني، هربرت سبنسر (1820-1903) لنفسه شهرة عالمية واسعة ومكاناً مضموناً في التاريخ ليس من مؤلفاته الفلسفية القيمة فحسب، بل ومن مقولة قصيرة جداً له تتكون من كلمتين فقط وهي (البقاء للأصلح survival of the fittest)، المبدأ الذي استخدمه تشارلس دارون في نظريته (أصل الأنواع). وسبنسر هو أحد رواد نظرية التطور في القرن التاسع عشر، حيث طبقها على الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع. فالتطور يحصل في الكائنات من الأبسط إلى الأكثر تعقيداً وببطء، نتيجة الصراع بين الأضداد داخل هذه الكائنات والمكونات والحضارات، على مستوى الأفراد والجماعات، من أجل البقاء ويبقى منها الأصلح فقط، وفي التطور الحضاري، ما ينفع الناس، أي يسير المجتمع البشري على المدى المتوسط والبعيد نحو الأفضل.

 

ومعنى هذا أن التطور البايولوجي والحضاري يحصل بدون تخطيط مسبق وليس للعقل البشري دور فيه سوى استغلال الوضع الجديد والتكيف معه والبحث عن المصلحة والاستفادة مما سينجم عن هذا التطور والذي هو تحصيل حاصل لسنة الوجود، أي مبدأ صراع الأضداد والبقاء للأصلح. فالأمطار لا تسقط من أجل أن تنبت الأعشاب والغابات، بل الأعشاب والغابات تنب نتيجة وتحصيل حاصل لسقوط الأمطار فيستغلها الإنسان لمصلحته. لأن سقوط الأمطار خاضع لقوانين جيوفيزيائية وليس استجابة لحاجة الناس أو رغباته.

 

ومبدأ (البقاء للأصلح) هذا ينطبق على موضوع هذه المداخلة، الديمقراطية. فالديمقراطية هي نتاج النظام الرأسمالي. وهذا لا يعني أن الرأسماليين صاروا ملائكة يحبون الديمقراطية لذاتها أو اخترعوها في يوم معين من أجل خدمة البشرية، بل جاءت الديمقراطية كتحصيل حاصل للمنافسة الحرة التي يعتمد عليها النظام الرأسمالي لتراكم الثروة ونموها، وهذه العملية لم تتم بين عشية وضحاها بل استغرقت قروناً ولم تنته بعد، فالديمقراطية عملية متواصلة ومستمرة بلا نهاية ولن تكتمل. وهكذا وفي ضراوة هذه المنافسة الحرة، فالأقل صلاحاً للبقاء ينقرض ليفسح المجال للأصلح. ولهذا السبب انتصر المعسكر الرأسمالي على منافسه الإشتراكي، وانتصرت ألمانيا الغربية الرأسمالية على شقيقتها ألمانية الشرقية الاشتراكية، وانتصرت كوريا الجنوبية الرأسمالية على شقيقتها الشمالية الشيوعية التي هي في طريقها إلى الانهيار. وأخيراً وليس آخراً، انتصرت صناديق الاقتراع والإصبع المغطى بالحبر البنفسجي في العراق على المفخخات والانتحاريين الإرهابيين وفق مبدأ البقاء للأصلح.

 

عرس الديمقراطية

نعم، كان يوم أمس، الخميس 15 كانون الأول(ديسمبر) 2005، عرساً للديمقراطية، ليس في العراق وحده بل لكل الشعوب المبتلية بالأنظمة المستبدة. فكل أنظار العالم كانت متجهة صوب العراق لتعرف ماذا سيحصل في هذا اليوم التاريخي المشهود، لأنه مسألة الحسم والمنافسة وتقرير المصير ورهان على الخير والشر. صراع بين معسكرين، بين معسكر الاستبداد والإرهاب وأنصارهما من جهة ومعسكر الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان من جهة أخرى. أما أعداء الديمقراطية من التيار العروبي والإسلامي الأصولي واليسار الغربي من أعداء أمريكا وبالأخص أعداء جورج بوش وتوني بلير، فكانوا يدعون الله تعالى أن يغرق العراق في هذا اليوم ببحر من الدماء لكي تفشل العملية الديمقراطية التي تريد أمريكا "فرضها" على شعوب الشرق الأوسط بالقوة!!!! ولكن يا لخيبة أملهم، فالذي حصل أن الديمقراطية حققت انتصاراً ساحقاً لم يعرفه العراق في جميع مراحل تاريخه. إذ تفيد النتائج الأولية أن نسبة المشاركة في هذه الانتخابات قد جاوزت 70%، أي أكثر من نسبة المشاركة في الانتخابات العامة السابقة التي جرت في شهر كانون الثاني الماضي 58% واستفتاء تشرين الأول(أكتوبر) المنصرم على الدستور 63%. وأن الذين قاطعوا انتخابات كانون الثاني الماضي قد شاركوا بحماس منقطع النظير في الانتخابات الأخيرة. كما أفادت الأنباء أن أكثر مدينة عراقية تحمساً وازدحاماً على مراكز الاقتراع، كانت مدينة الفلوجة. وهذا بحد ذاته انتصار رائع للشعب العراقي وأصدقائه من أنصار الديمقراطية في العالم.

 

فرحة العراقيين:

أما فرحة الشعب العراقي بهذه الانتخابات فلا تقدر. لقد بعث لي صديق عزيز من بغداد، رسالة بالبريد الإلكتروني جاء فيها: (أخي... اكتب إليك مهنئا بعيد الانتخابات الذي جرى اليوم في العراق. لقد كان عيدا حقيقيا, و لقد توافد العراقيون بأعداد هائلة على صناديق الاقتراع ... أتدري لماذا؟؟؟ الجواب هو أن العراقي يأمل من هذه الانتخابات أن تفرز مجلس نواب وحكومة وربما قادة جدد، لتخليص المواطن من المأساة التي يمر بها حالياً. يا دكتور، قد لا تصدق فرح العراقيين بهذا اليوم، و لكني أخشى ما أخشاه أن تقوم المفوضية بسرقة فرحة العراقيين بتأخير إعلان نتائج الانتخابات...). وهذا غيض من فيض كما يقولون. إذ اتصلت تلفونياً بعدد من الأقارب والأصدقاء ومن مختلف الاتجاهات السياسية، فقالوا كلاماً مشابهاً لما قاله صديقي البغدادي. ومن هنا نقول ليس لأي شخص حق الوصاية على العراقيين وأن ينصب نفسه قاضياً عليهم ويصرح بالنيابة عنهم. فإقبال العراقيين على صناديق الاقتراع وبهذه الكثافة وتحديهم للإرهاب، لدليل قاطع على شرعية هذه الانتخابات وأن الشعب العراقي قد حسم موقفه واختار الديمقراطية.

 

أين العقل من كل هذا؟

في مقال سابق لي بعنوان (هل للعقل دور في اختيار الحلول الصائبة؟) ناقشت هذا الموضوع بشيء من التفصيل وضربت أمثلة عديدة على صحة ما أعتقد به وهو أن العقل لا دور له في الاختيار بين والحق والباطل أو بين الصحيح والخطأ، وإنما وضيفته هي الدفاع عن النفس وعن المصالح فقط وأن الإنسان لا يلجأ إلى الحلول الصائبة إلا بعد أن يجرب الحلول الخاطئة ويستنفدها. وما جرى يوم أمس ما هو إلا دليل آخر على صحة هذه الفرضية وهي تتفق مع مبدأ البقاء للأصلح في التطور الاجتماعي أيضاً وأن الإنسان محكوم عليه بسلوك الطريق الصعب المحفوف بالمخاطر والخسائر إلى أن يهتدي إلى النهج الصحيح. والسؤال الذي يفرض نفسه هو: أين كان العقل عندما ثارت العصابات الإرهابية التي اتخذت من مدينة الفلوجة "جمهورية طالبانية" لمحاربة قوات التحالف وذبح العراقيين بحجة إخراج المحتل من العراق؟ لماذا كل هذا الدمار الذي جلبوه على أنفسهم وعلى العراق وشعبه خلال ما يقارب ثلاث سنوات من القتل العشوائي والتخريب؟ وهل كان من الضروري للرمادي والفلوجة وغيرهما من مدن ما يسمى بالمثلث السني أن تتعرض لكل هذا الخراب والدمار والقتل لكي يقتنعوا بأن صناديق الاقتراع هي وحدها الفيصل والأسلوب الحضاري الأمثل لحل الخلافات السياسية وتحقيق الحقوق؟ والسؤال الأهم، هل اقتنع البعثيون الإرهابيون وحلفاؤهم الزرقاويون الذين مازالوا ينشرون الموت والخراب في العراق بأن دورهم وحزبهم وأيديولوجيتهم قد انتهى وولى إلى الأبد ولا أمل قيد ذرة لهم في العودة إلى حكم البلطجية والإستبداد؟ تقول الحكمة "العاقل يتعظ بأخطاء غيره والجاهل لا يتعظ حتى من أخطائه". ومن هنا كنا نصرخ ليل نهار، أيها الناس في المثلث السني ومثلث الموت أما بينكم من عاقل لينصح شذاذ الآفاق وجهّالكم من البعثيين والزرقاويين لوقفهم عند حدهم؟ أما كان الأجدر بهم منذ البداية عدم إيواء هؤلاء المجرمين بينهم؟ ألا يرون كيف انقلب السحر على الساحر؟ فهاهم البعثيون وحلفاؤهم الزرقاويون قد انقلبوا على أهل السنة أنفسهم لأنهم تجرؤا واختاروا صناديق الاقتراع بدلاً من الرصاص؟ وهاهو أحد دعاة "المقاومة الشريفة" (مزهر الدليمي) قد ذهب ضحية لهذه "المقاومة الشريفة" التي كان يروِّج لها في المحافل والمؤتمرات الدولية؟ اللهم لا شماتة أبداً، والله حزنت عليه لأن الرجل قدم نفسه مثالاً لأبناء طائفته لاختيار الحلول الصحيحة بعد أن تأكد من عدم جدوى الحلول الخاطئة. لقد لجأ الإرهابيون الذين اختطفوا اسم أهل السنة وادعوا كذباً وزوراً بأنهم يدافعون عن حقوق أهل السنة وبذلوا كل ما عندهم من وسائل خبيثة لإثارة الفتنة وإشعال الحرب الطائفية بين السنة والشيعة، ولما خابت آمالهم وباءت جميع محاولاتهم بالفشل، راحوا يقتلون أبناء السنة أنفسهم وذلك انتقاماً منهم لأنهم توصلوا إلى قناعة بأن المشاركة بالعملية السياسية الديمقراطية هي الطريق الأسلم والأصح لتحقيق الحقوق والحفاظ على العراق، وطن الجميع من أي مكروه.

 

العرب والديمقراطية:

من المعروف أن الثقافة العربية-الإسلامية بصورة عامة معادية للديمقراطية وذلك لأن الديمقراطية هي نتاج الحضارة الغربية وعليه فيعتبرها العرب من الأفكار الصليبية-الصهيونية الدخيلة التي تتعارض مع أفكار السلف الصالح وتقاليدنا العربية وديننا الإسلامي. وقد جاء ذلك من المصادر العربية، العلمانية والإسلامية على حد سواء. ففي عشية الاستفتاء على مسودة الدستور العراقي الدائم، أصدر فلول البعث بياناً أدانت فيه الاستفتاء وأي انتخاب آخر في ظل الاحتلال، ونفس الكلام نسمعه ليل نهار من المثقفين العرب الآخرين ووسائل إعلامهم المناهضين للتحولات الديمقراطية في العراق، يطعنون بالانتخابات العراقية وشرعية الحكومة الناجمة عنها، بحجة أنها تجري في ظل الاحتلال، بينما هم يرحبون بالانتخابات الفلسطينية ويدعمونها رغم أنها تحت الإحتلال الإسرائيلي، وشتان بين الإحتلالين. فالأول مؤقت ولصالح الشعب العراقي وبقاؤه مرهون بقدرة القوات العراقية على حفظ الأمن وقد حضي بالشرعية الدولية وموافقة الحكومة العراقية المنتخبة بينما الاحتلال الإسرائيلي عكس ذلك.

وأصدق من عبر عن الموقف العربي- الإسلامي من الانتخابات العراقية هو أبو مصعب الزرقاوي، كما جاء في (ديلي تليغراف) اللندنية ليوم 15/12 حيث تتصدر صفحتها الأولى صورة امرأة عراقية ترفع إصبعها السبابة المغطى بالحبر الانتخابي، والعنوان فوق الصورة: "إصبع القدر: العراقيون يقررون مستقبلهم في الاقتراع"، تنقل الصحيفة عن الزرقاوي أنه "تعهد بعرقلة الانتخابات" وإن بيانا صدر عن التنظيم الذي يمثله في العراق أعلن فيه "فتحا مباركا لهز معاقل الكفار والمرتدين وتخريب العرس الديمقراطي للكفر والفجور". هذا الكلام يمثل الموقف الحقيقي لمعظم العرب والإسلاميين من الديمقراطية والعراق. فالزرقاوي، رغم وحشيته وإرهابه، إلا إن قلبه على لسانه، لا يعرف النفاق بل يقول بصراحة ما يدور في رأسه وهو بالضبط الممثل الحقيقي للفكر العربي-الإسلامي بدون تمويه.

نصيحة إلى المفوضية العليا المستقلة للانتخابات

لقد عرف الشعب العراقي طريقه وحسم اختياره وهو صناديق الاقتراع كأفضل وسيلة لحسم الخلافات السياسية وتقرير المصير واختيار نوع الحكم. وبذلك فقد أدى الشعب دوره وأعطى كلمته واختار الديمقراطية. ونجاح الانتخابات يعتبر انتصار للديمقراطية وللشعب ويجب على الجميع احترام نتائجها. كما وإن (المفوضية العليا المستقلة للانتخابات) مطالبة بأن تحافظ على سمعتها ومصداقيتها من أي طعن. فهناك شكاوى متكررة عليها ومن جهات عديدة. وإذا فقدت هذه الهيئة مصداقيتها وثقة الشعب بها فإنها خسارة كبرى لنا جميعاً وكارثة على الديمقراطية الوليدة. وعليه فالمفوضية مطالبة بالحرص الشديد على سمعتها وذلك بأن لا تذبح فرحة الشعب بتأخير الإعلان عن نتائجها. فكلما تأخر الإعلان عن النتائج كثرت الشكوك وزاد احتمال التدخل والتلاعب والطعن بمصداقية هذه الانتخابات. فخير البر عاجله.

 

 

للتعليق على هذا الموضوع