26 أغسطس 2005

 

 

 

مسودة الدستور.. ما لها وما عليها

د.عبد الخالق حسين

 

لأول أول مرة في التاريخ تتوفر الفرصة للشعب العرقي أن يجتمع ممثلو مختلف مكوناته لكتابة دستور وفق إرادتهم الحرة وفي فسحة واسعة من الديمقراطية غير المعهودة في العراق ولا في أي بلد عربي أو إسلامي آخر. وفي مثل هذه التجربة الجديدة الرائدة، لا بد وأن تواجه العملية مخاضاً عسيراً. فالشعب العراقي لم يعرف من قبل مسألة اسمها (التوافق compromise)، فهذه الكلمة تعتبر من الكلمات التي تدل على الضعف والتخاذل في القاموس السياسي العراقي والعربي. فقد اعتادت شريحة واحدة من مكونات الشعب أن تستحوذ بالقرار السياسي وبثروات البلاد ومصير العباد وحرمان الآخرين من كل شيء. إضافة إلى حداثة التجربة، فالعراق يمر الآن ظروفاً استثنائية متوترة بسبب تحالف الإرهاب البعثي- السلفي المستميت لتدميره وإفشال البناء الديمقراطي، بعد أن يئس من إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء، وتأكد من إفلاسه فكرياً وسياسياً وأخلاقيا، فلم يبق أمامهم سوى هدم المعبد كما فعل شمشون (عليّ وعلى أعدائي يا رب).

 

في مثل هذه الأجواء المتوترة، نصح عدد من الحريصين على مصلحة شعبنا أنه من الأفضل تأجيل كتابة الدستور والإهتمام بحل المشاكل الآنية المستعجلة الملتهبة التي لها علاقة مباشرة بحياة الشعب، مثل توفير الأمن والخدمات، إلى أن تهدأ الأمور وتتوفر الأجواء المناسبة. إلا إنه يبدو أن المتحمسين لكتابة الدستور وخاصة التيار الإسلامي الشيعي، على استعجال من أمرهم لطرح دستور كيفما اتفق واستفتاء الشعب عليه قبل أن تخبو جذوة الحماس الديني من الشارع العراقي. لذا نراهم يتهمون نقادهم بأنهم أناس حاقدون على الإسلام والفيدرالية والشيعة ولا يريدون الخير للعراق، وأنه لا يمكن إرضائهم وبأية صيغة خرجت هذه المسودة، وسلاحهم (إرضاء الجميع غاية لا تكسب!!). إلا إننا نؤكد من جانبنا، أن في مثل هذه الظروف المتوترة وبهذه العجالة لا يمكن كتابة أي دستور يمكن أن يحظى بالنجاح وأن يكسب حتى الحد الأدنى من رضى مكونات الشعب العراقي. فمن يتابع مقالات ومساهمات معظم الذين انتقدوا المسودة الأولى ومن ثم الثانية الأخيرة، يرى أن هذه الانتقادات صدرت من أناس مخلصين للعراق، يحبون الخير لشعبه، وكانت انتقاداتهم نابعة من حرصهم على مصلحة الشعب وأجياله القادمة ولا يريدون له دستوراً ناقصاً ملغوماً بعبوات موقوتة لتتفجر في المستقبل ليكون سبباً لعدم استقراره وعقبة كأداء أمام تقدمه. على أي حال أود في هذه المداخلة بيان محاسن ومساوئ المسودة الجديدة للدستور ولماذا طالبنا بتأجيله وطرح البديل.

 

إيجابيات المسودة الجديدة:

يبدو أن السادة الذين كتبوا المسودة الجديدة استفادوا من ردود أفعال المعلقين العراقيين وأصدقائهم العرب وأخذوا ببعض الملاحظات التي ذكرناها حول المسودة الكسيحة الأولى. وهذه نقطة تسجل في صالحهم، إذ هناك فرق شاسع بين المسودتين، سواءً في البناء اللغوي أو المحتوى الفكري. ففي المسودة الجديدة هناك على الأقل ذكر لكلمة (الديمقراطية) ومصطلحات دستورية مألوفة مثل (الفصل بين السلطات)، كذلك تم حذف مصطلحات طائفية مثل (بأكثريته الشيعية وسنته) والقومية الفارسية.. الخ.

 

كما جاء في المبادئ الأساسية اسم الدولة (جمهورية العراق) دولة مستقلة ذات سيادة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي اتحادي، بدلاً من (جمهورية إسلامية إتحادية). كما وأكدت المسودة على عدم جواز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية، ومع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذا الدستور.

ويضمن هذا الدستور الحفاظ على الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي، كما يضمن كامل الحقوق الدينية لجميع الأفراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية. وفي مادة مكونات الشعب، اكتفت المسودة بالقول: (العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب، وهو جزء من العالم الإسلامي، والشعب العربي فيه جزء من الأمة العربية.) بدلاً من ذكر قائمة طويلة من الأثنيات والأديان والطوائف والمذاهب تجنباً للمطبات. كذلك جاء في المسودة:(تكفل الدولة حرية العبادة وحماية أماكنها. لكل فرد حرية الفكر والضمير (المادة 41). وهناك جوانب إيجابية أخرى كثيرة في المسودة لا مجال لذكرها في مقال!

 

السلبيات:

رغم الإيجابيات الكثيرة التي ذكرناها في أعلاه، والتي يمكن أن تشكل 90% من مواد الدستور، إلا إن هذه الإيجابيات وعلى كثرتها يمكن نسفها بسطر واحد من المساوئ التي قد تشكل فقط 10% من الدستور. فقد جاء في المادة (2) من المبادئ الأساسية:ولاً- الإسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدر أساس للتشريع). ففي الوقت الذي نؤيد فيه أن (الإسلام دين الدولة الرسمي) وهو كذلك في معظم الدول الإسلامية، ولا يمكن للجنة صياغة الدستور أن تخرج عن هذا التقليد خاصة وإن المشاعر الدينية هي الطاغية على الشارع العراقي، إلا إن المقطع الأخير من البند الذي ينص: (وهو مصدر أساس للتشريع) يثير المخاوف خاصة ويليه البند (أ- لايجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام.). هذه العبارة لوحدها كافية لنسف جميع الإيجابيات في صالح الديمقراطية وحقوق المرأة الواردة في هذه المسودة. كذلك جاء في المادة 39: (العراقيون احرار في الالتزام بأحوالهم الشخصية حسب دياناتهم أو مذاهبهم او معتقداتهم او اختياراتهم وينظم ذلك بقانون). هناك غموض وتلاعب بالألفاظ الجميلة مثل (العراقيون أحرار)، قول حق أريد به باطل. وحدة الشعب تتحقق من خلال وحدة القوانين وليس من خلال تعددية القوانين حسب المذاهب. يقول الممثل كورن ردغريف أحسن أسلوب لقمع الحرية هو أن تفعل ذلك باسم الحرية. وتفسيرنا لهذه المادة أنها مقدمة لنسف قانون الأحوال الشخصية 188 لعام 1959 الذي انصف المرأة وحاول الإسلاميون في مجلس الحكم الانتقالي إلغاءه بقرار 137 والذي نقضه بول بريمر. والمادة (39) في المسودة الجديدة هي تمهيد لإلغاء قانون الأحوال الشخصية ووضع البديل الديني والطائفي. ومن هنا تنبع المخاوف من أجندة الأحزاب الإسلامية التي تخطط لقيام نظام إسلامي شمولي في العراق على غرار النظام الإيراني، بعد أن تخلص تواً من نظام قومي شمولي. كذلك جاء في (المادة 40، اولاً ـ اتباع كل دين او مذهب احرار في:أ ـ ممارسة الشعائر الدينية بما فيها الشعائر الحسينية). هذا حق من الحقوق الديمقراطية. ولكن هل هناك داع للتأكيد على ذكر "بما فيها الشعائر الحسينية". إن الشعائر الحسينية مضمونة في النظام الديمقراطي، حالها حال الشعائر والطقوس الدينية والمذهبية الأخرى. فلماذا التركيز على (الشعائر الحسينية) دون غيرها، وهم في غنى عن ذكر هكذا تعبير الذي قد يثير حساسية البعض؟ لذا أقترح حذف عبارة "بما فيها الشعائر الحسينية" لسد الباب على أي اعتراض من هذا القبيل.

 

الموقف من الإسلام

أرجو أن لا يفهم من كلامنا هذا أننا ضد الإسلام أو الدين، العكس هو الصحيح. فكل إنسان يعتز بهويته الدينية والمذهبية. إن مطالبتنا بدستور علماني ديمقراطي يفصل بين الدين والسياسة، نابع من حرصنا على الإسلام نفسه وخوفنا عليه من زجه في حبائل السياسة. فهناك فرق كبير بين الإسلام كدين، والشريعة الإسلامية كمجموعة قوانين ثابتة سنت قبل 15 قرناً غير قابلة للتغيير. بينما الدستور الوضعي من صنع البشر يتغير بتغير الزمان وتجدد متطلبات الحياة. فالدين يبحث في العلاقة الخاصة بين الخالق والمخلوق ولا دخل لأي شخص آخر أو الدولة بهذا الشأن. ف"لا إكراه في الدين"، "ولو شاء ربك لجعل الناس أمّة واحدة"لكم دينكم ولى دينى "انك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء"، "ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة". ومن كل هذه الآيات الكريمات نفهم أن الدين قضية شخصية ولا دخل للسياسة أو الدولة بها.

 

كذلك هناك فرق بين الإسلام كدين موقعه الضمير والإسلام السياسي. فالإسلام السياسي حركة ظهرت في القرن العشرين الدافع الوحيد من ورائه هو وصول الإسلامويين إلى السلطة مستغلين المشاعر الدينية للناس البسطاء لتحقيق مآربهم السياسية. لذلك نرى من مصلحة الإسلام فصل الدين عن حبائل السياسة.

 

لماذا طالبنا بتأجيل الدستور؟

لو أطلعنا على جميع دساتير دول العالم لما وجدنا دستوراً واحداً صدر في الأجواء المتوترة كالتي يعيشها الشعب العراقي. وغني عن البيان أن العراق يعيش الآن ظروفاً استثنائية غير مستقرة، وشعبه محروم من أبسط مقومات الحياة، من الأمن والخدمات، ومكوناته الأثنية والطائفية في حالة الشك والريبة وفقدان الثقة والتربص بالآخر، إن لم نقل في حالة عداء مستفحل. والعامل الوحيد المانع لقيام حرب إبادة أهلية طائفية هو وجود قوات متعددة الجنسيات. وحتى مع هذه القوات فالحكومة العراقية عاجزة عن توفير الأمن والخدمات للشعب. وعليه، ففي ظل هذه الأوضاع المتأزمة، لا يمكن نجاح أي دستور مهما كان هذا الدستور منصفاً وعادلاً. فما هو منصف وعادل لشريحة معينة ينظر له عكس ذلك من قبل مكونات الشعب الأخرى. وبعيداً عن النفاق السياسي والمداهنة الرخيصة، يجب أن نقولها بصراحة، إن مكونات شعبنا ليست متجانسة ولا منسجمة، بل في حالة صراع على المصالح والنفوذ في الدولة الجديدة. وهذه الحالة ليست جديدة أو وليدة الساعة، بل قديمة ولكنها طفحت على السطح بهذا العنف بعد سقوط النظام البعثي الفاشي على شكل صراعات دموية وتطهير طائفي. والإصرار على إصدار الدستور في مثل هذه الأجواء يثير العرب السنة ويجعلهم أكثر شعوراً بالتهميش وبالتالي يدفع حتى المعتدلين منهم نحو المزيد من التعاطف مع الإرهابيين، خاصة عندما يرون أن هناك تحالفاً بين الأكراد والشيعة كل يعمل لمصلحته وهم القوة الأضعف في العملية السياسية الجارية، تغذي هذه المشاعر الأبواق الإعلامية العربية المعادية للديمقراطية في العراق.

 

وقد ناقشت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية هذا الموضوع في افتتاحيتها يوم 23/8 فقالت بحق:
قبل اشهر عدة كانت الادارة الأميركية تشرح للمتشككين، ان الاكراد العلمانيين سيقيمون توازنا بوجه الشيعة المتدينين، وان الشيعة الذين يشكلون اكثرية سيحدون من النزعة الانفصالية الكردية. وبدلا من ان يحد كل من الشيعة والأكراد من قوة الآخر تعززت قوة الطرفين. واعتبرت الصحيفة ان الطريقة التي دفعت فيها واشنطن لإقرار مسودة الدستور بأسرع وقت ممكن شجعت الطرفين على الالتقاء. وختمت الصحيفة قائلة يبقى ان نعرف اذا كان البيت الابيض، بعد ان وصل الى وضعه اليائس الحالي، سيعتبر قيام نظام ديني في العراق على الطريقة الايرانية بمثابة انتصار.

نحن نرى إن قيام نظام ديني في العراق على غرار النظام الإيراني هزيمة للديمقراطية وخيانة للشعب العراقي وتضحياته وفشلاً للمشروع الأمريكي في دمقرطة المنطقة وانتصاراً لإيران وسوريا في منع نجاح الديمقراطية في العراق ووصول عدواها إلى دول المنطقة كما هو نجاح لشراذم البعث وحلفائهم الزرقاويين الإرهابيين.

 

كما يجدر بنا أن نحذر القوى الكردستانية أن تخليها عن أهم مبدأ من مبادئها ألا وهو العلمانية، يعتبر قصر نظر وتضحية بشعار (الديمقراطية للعراق والفيدرالية لكردستان)، إذ لا يمكن تحقيق الديمقراطية في نظام إسلامي. على القوى الكردستانية أن تتعلم من دروس التاريخ والكوارث التي نزلت على الشعب الكردي طيلة قرن كامل من النضال العسير. فانظروا إلى حال الكرد في ظل النظام الإسلامي في إيران.

 

الإستنتاج

نستنتج من كل ما تقدم، أن الظروف الراهنة غير مناسبة لإصدار دستور، أي دستور كان، وحتى لو كان عادلاً ومنصفاً سيكون مآله الفشل وذلك لعدة أسباب:

 

أولاً، الشعب في حالة غليان ورعب بسبب حرمانه من الأمن والخدمات فهو مازال في دور النقاهة بعد خلاصه من النظام الفاشي البعثي، يواجه حرب الإبادة من قبل فلول البعث الساقط وحلفائهم السلفيين.

ثانياً، هذا الدستور مآله الفشل في جميع الأحوال، لأن بإمكان نسفه من قبل ثلثي أي ثلاث محافظات يصوتون ضده. فهو لم يحقق الحد الأدنى من طموحات أية فئة من مكونات الشعب العراقي. فالإسلاميون لا يرونه إسلامياً بما فيه الكفاية، والأكراد لا يرون فيه حق تقرير المصير الذي ناضلوا عقوداً طويلة في سبيله، والعلمانيون الديمقراطيون لا يرون فيه تلبية لطموحاتهم في تحقيق نظام ديمقراطي حقيقي رغم تكرار عبارات الديمقراطية الشكلية الجميلة فيه، طالما كان أي تشريع يصدر في المستقبل يجب "أن لا يتعارض مع ثوابت الإسلام". والسنة العرب يرون فيه تهميشاً لهم وتفتيت العراق إلى كانتونات طائفية وحرمانهم من الثروات النفطية. وبالنسبة لهم (السنة العرب)، وكما قال باترك كوكبرن في الإنديبندنت، فبدلاً من معارضة هذا الدستور بصناديق الاقتراع فإنهم سيواجهونه بالرصاص والتفجيرات.

 

لذلك نرى أن مئات الملايين من الدولارات التي صرفت والجهود البشرية التي بذلت طيلة هذه المدة لكتابة مسودة الدستور فإنها ذهبت هباءً منثوراً. وبدلاً من ذلك، كان على القادة الجدد توفير هذه الطاقات والجهود والأموال في معالجة الأولويات، أي تحقيق الأمن والخدمات وإيجاد العمل للعاطلين ودحر الإرهاب، ومواصلة بناء مؤسسات الدولة وإجراء الانتخابات القادمة في 15 كانون الأول/ديسمبر من هذا العام، والعمل بقانون إدارة الدولة الانتقالي إلى أن تستقر الأوضاع وتلتئم الجراح وتطمئن النفوس وعندها يمكن الحديث عن كتابة دستور دائم في أجواء هادئة.

 

للتعليق على هذا الموضوع