25 نوفمبر 2005

 

 

 

مؤتمر الأقباط العالمي الثاني انتصار للمظلومين

د. عبد الخالق حسين

 

عقد في الفترة 16-20 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري مؤتمر الأقباط العالمي الثاني في العاصمة الأمريكية واشنطن، للبحث ليس في مظلومية الأقباط المصريين فقط، بل ومظلومية جميع الأقليات في البلدان العربية، بما فيها القطاع النسائي الذي يشكل أكثر من 50% من المجتمع الشرق أوسطي. إذ ليس هناك أكثر مظلومية من الأقليات في البلاد العربية التي هي عبارة عن قنابل موقوتة تنذر بانفجار مدو كبير إن عاجلاً أم آجلاً. وقد أجاد الدكتور شاكر النابلسي في بحثه القيم الموسوم (أزمة الأقليات في العالم العربي الى أين؟ ) المنشور في إيلاف يوم 21/11/2005 كما أجاد وأفاد في كلمته ومقترحاته العملية في المؤتمر. وكنت قد تشرفت بالدعوة الكريمة من منظمي المؤتمر مشكورين، وكان لي شرف الحضور والمساهمة بتقديم ورقة عن (التجربة العراقية في الديمقراطية).

 

لقد استجاب المثقفون الأحرار لنداء الضمير في أداء واجبهم إزاء المظلومين في العالم، إذ كما قال فولتير: "أينما وجد الظلم فالكتاب مسؤولون عنه". لذا فقد وفر لنا المؤتمر فرصة ذهبية رائعة لطرح ومناقشة القضايا المهمة التي تخص الأقليات ليس في مصر فحسب، بل وفي جميع البلاد العربية. كما وقد أسعدنا بلقاء الأحبة من المثقفين الليبراليين العرب الشرفاء الذين نذروا حياتهم وأقلامهم لمقاومة الظلم أين ما كان وضد أي من كان والدفاع عن الحق والديمقراطية والحداثة والحضارة وحقوق الإنسان وإشاعة ثقافة روح التسامح والليبرالية دون أن تأخذهم في الحق لومة لائم. وإن أنسى فلن أنسى تلك الأمسية الجميلة التي دعانا إليها الشاعر والكاتب المبدع والطبيب الاستشاري الصديق الدكتور شريف مليكه في منزله العامر وبجهود زوجته الرائعة، في لقاء نخبة من المثقفين تجمعنا وحدة الفكر والهدف، دون تكلف وبلا رسميات وكأننا نعرف بعضنا بعضاً وصحبة دائمة منذ آلاف السنين. إنها من تلك اللحظات السعيدة التي تشعرك أن الحياة رائعة وجميلة تستحق أن تعاش. وباختصار شديد، وكما وصفه الصديق الكاتب اللامع ولولب المؤتمر الأستاذ مجدي خليل، أنه مؤتمر تحالف الشرفاء.

 

وقد برزت إنسانية وحكمة وعقلانية منظمي المؤتمر، بعدم عزل أنفسهم في الشرنقة الدينية أو الطائفية عن بقية الأقليات المضطهدة في العالم العربي، رغم معاناتهم المريرة بسبب التمييز العنصري والديني لا لذنب إلا لأنهم مسيحيون أقباط، ورغم كثرة المظالم التي نزلت على أبناء ملتهم من الحكومات المصرية المتعاقبة والمتأسلمين، وهم أبناء مصر الأصلاء النجباء وأصحاب حضارة وثقافة حية وديانة من أهل الكتاب، إلا إنهم وجهوا الدعوة لجميع المظلومين وانفتحوا على العالم دون أي انغلاق على الذات، وخصصوا منبر المؤتمر لجميع دعاة الحق من المضطهدين لطرح مظلومياتهم على رؤوس الأشهاد وبمنتهى الحرية في عاصمة الدولة العظمى التي صارت قبلة وملجئاً للأحرار وتعهدت بنشر الديمقراطية في العالم.

 

ليس هذا فحسب، بل رأت اللجنة المنظمة للمؤتمر وقيادة الأقباط، وكدليل على إدراكهم العميق لمفاهيم العصر في زمن العولمة حيث تحولت الكرة الأرضية إلى قرية عالمية بحيث صارت المشكلة الوطنية مشكلة عالمية ولا يمكن الفصل بينهما، وإدراكاً منهم بأن مشكلة الأقباط هي جزء من مشكلة أكبر في الشرق الأوسط، ألا وهي غياب الديمقراطية في دول المنطقة وأن حل القضية القبطية مرتبط أساساً بحل المسألة الديمقراطية، ليس في مصر فحسب بل وفي منطقة الشرق الأوسط بصورة عامة، ولهذا كان رائعاً وجميلاً من منظمي المؤتمر أن خصصوا يوماً كاملاً للبحث في قضية الديمقراطية وحقوق المرأة في دول المنطقة بصورة عامة، والعراق بخاصة، إذ كان لي شرف تقديم ورقة عن التجربة العراقية في الديمقراطية بشكل موجز وسوف تنشر بشكل أوسع قريباً، لأن العراق الذي اختاره التاريخ مهداً للحضارة البشرية، كذلك اختاره التاريخ في عصر العولمة ليكون ساحة للمعارك الطاحنة بين الديمقراطية الوليدة الصاعدة والدكتاتورية المهزومة وحليفها الإرهاب. فمن العراق هب إعصار التغيير الذي لا بد وأن يشمل جميع دول المنطقة ليقتلع الأنظمة الفاسدة من جذورها وإلى الأبد. إذ أننا نشهد مرحلة جديدة من مراحل التحولات التاريخية والقفزات الكبرى في الحضارة الإنسانية.

 

لقد عانى الأقباط كثيراً من تعسف السلطات المصرية والمتأسلمين طيلة نصف قرن بصمت مطبق وصبر أيوب "وقد قام مركز بن خلدون برصد الاعتداءات على الأقباط من حادث الخانكة 8/9/72 إلى أحداث الإسكندرية 21/10/2005 في أكثر من 120 اعتداء، منها مذابح مروعة مثل الزاوية الحمراء "قتل حوالي مائتي قبطي"، ديروت "قتل 20 قبطيا"، " 40 قبطى رفضوا دفع الجزية فى المنيا فقتلوا"، الكشح "قتل 21 قبطيا"، كنيسة أبو قرقاص "قتل 13 قبطي" ... الخ من الاعتداءات الآثمة. لقد دفع الاقباط المسالمون حوالى 4000 قتيل وجريح خلال العقود الثلاثة الماضية بدون سبب سوى لكونهم مسيحيين، هذا بالاضافة الى تخريب ونهب ممتلكات بعشرات الملايين وممارسة التهجير القسرى لخلخلة الصعيد من الكثافة القبطية، بالاضافة إلى تطفيش مئات الالوف للهجرة للغرب حيث الحريات والفرص المتكافئة. (مجدي خليل، إيلاف، 5/11/2005).

 

جمع المؤتمر خلال أربعة أيام من أعماله، شريحة واسعة من المثقفين الليبراليين العرب من مختلف الأديان والمذاهب والأعراق والقوميات، بينهم الشيخ الأزهري والمسيحي واليهودي، السني والشيعي، والنوبي...الخ، تجمعهم قضية الإنسان العادلة وهي محاربة الفكر الظلامي والإرهاب وجميع أشكال التمييز العنصري والديني والطائفي والسعي إلى إشاعة ثقافة الديمقراطية وروح التسامح وأن يكون الدين لله والوطن للجميع. ولا يتحقق هذا الهدف الحضاري الإنساني النبيل إلا إذا تم فصل الدين عن الدولة. فالدين يحدد العلاقة بين الله والإنسان وليس من حق أي فرد التدخل بهذا الشأن، بين الخالق والمخلوق إذ (لا إكراه في الدين). فالعلمانية الديمقراطية وحدها الكفيلة بحل أزمة الأقليات في دول المنطقة ودستور يتبنى المواطنة الصحيحة بأن يكون أبناء الشعب الواحد مواطنين لا رعايا، متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات وتكافؤ الفرص والشخص المناسب في المكان المناسب بغض النظر عن دينه وعرقه ولونه.

 

إن معاناة الأقباط لكثيرة وكبيرة وليس آخرها الهجوم الهمجي الغادر المخزي الذي نظمه أخوان الشياطين وبتواطئ من رجال الأمن على كنيسة في الاسكندرية والذي راح ضحيته عدد من الأقباط الأبرياء. إن أحداث الإسكندرية فعلاً تعكس تفاهة وعدوانية ذهنية الإسلامويين الذين أثاروا هذه الضجة متذرعين بمسرحية بسيطة. فأي دين هذا الذي يخاف عليه من مسرحية!! وكما يقول القمص زكريا بطرس في (بيان بخصوص أحداث الإسكندرية): "لقد شاهدنا باهتمام بالغ ومخلص لله وللوطن أحداث الإسكندرية المؤسفة. ورأينا كيف خرجت جحافل المسلمين لينصروا دين الله.. الذي كادت أن تقتلع جذوره وتهدم عرشه وتسقط هلاله مسرحية بسيطة جداً على المستوى الفني وعادية جداً على مستوى الطرح."

 

إن حادثة الإسكندرية هي فقط الجزء المرئي من الجبل الجليدي tip of the iceberg من معاناة واضطهاد الأقباط في مصر. حقاً، أنه لعار على الحكومة المصرية والإسلامويين أن يعاملوا مواطنيهم الأقباط هذه المعاملة الشنيعة. الإسلامويون كذابون ومنافقون، إذ نراهم دائماً يرددون بمناسبة ودونها مقولة عمر بن الخطاب (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً)، بينما في الواقع لن يتورعوا عن اضطهاد بل وقتل كل من لا ينتمي إليهم في الدين والمذهب. وما هذا الإرهاب البشع إلا نتاج آيديولوجية الإسلام السياسي.

 

يتباهى المصريون العرب المسلمون بجراح القلب البريطاني المعروف مجدي يعقوب لكونه من أصل مصري. ولكن نسي هؤلاء أن مجدي يعقوب هو قبطي أيضاً ولم يترك وطنه الأصلي مصر إلا بسبب الاضطهاد والتطهير الديني، ولو بقي في مصر لما سمع به أحد. فالأقباط محرومون من دخول كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان إلا عدد قليلاً منهم، ناهيك عن دخول الكليات العسكرية والشرطة والأمن وتسنم مناصب القضاء وغيره من الوظائف في الدولة. والغريب أنه يمنع منعاً باتاً على الأطباء الأقباط التخصص في الطب النسائي وذلك خوفاً على الماجدات المسلمات من أن يفحصها طبيب غير مسلم!!!! أليس هذا مضحك ومبكي في آن؟ علماً بأن أصحاب هذا الادعاء الشرفاء لا يمانعون عرض نسائهم على الأطباء الأجانب من "الكفار" في أوربا وأمريكا إذا اقتضت الضرورة. فهل هناك غباء وضحالة فكر وانحطاط خلقي أكثر من ذلك؟ ناهيك عما يسمى ب(الخط الهمايوني) سيئ الصيت المجحف بحق الأقباط الذين يشكلون نحو 15% من الشعب المصري.

 

هناك قائمة طويلة لمعاناة أخوتنا الأقباط في مصر، يندى لها الجبين لا مجال لذكرها فقد ذكرها الدكتور شاكر النابلسي في مقاله المشار إليه أعلاه، كذلك الدكتور أحمد صبحي منصور في مداخلته القيمة في المؤتمر وفي رسالة أستاذنا العفيف الأخضر للمؤتمر(كيف يمكن تحقيق مطالب الأقباط؟) والمنشورة في إيلاف يوم 19/11/2005. والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو ماذا تخسر الحكومة المصرية لو عاملت أبناء الشعب الواحد دون تمييز؟ بطبيعة الحال سترتفع مكانة الدولة في نظر العالم ويعيش الشعب المصري بسلام وستتفجر طاقاته الكامنة للبناء والتقدم بدلاً من الهدم والاضطهاد. ولكن الجهل والغرائز البدائية المنفلتة وثقافة العزل والإقصاء وآيديولوجية تمجيد الموت وكراهية الحياة هي التي تمنع تحقيق العدالة في التعامل مع المواطنين على أساس حقوق المواطنة الكاملة.

 

والجدير بالذكر أن راعي المؤتمر المهندس عدلي أبادير يوسف، قد وجه دعوة خاصة للطفلة سارة، كريمة الصديق المهندس والكاتب سامي البحيري، وهي طالبة في المرحلة الثانوية، لإلقاء كلمة في المؤتمر، ليثبت للحكام العرب الفرق الشاسع بين التربية في المجتمع الديمقراطي والمجتمع الاستبدادي. فالتنمية البشرية والتربية الصحيحة في المجتمعات الديمقراطية لهما دور كبير في إطلاق طاقات الإنسان الخلاقة المبدعة من الطفولة، مقارنة بتربية القهر والظلم والخوف والاستلاب في المجتمعات المحكومة بالاستبداد التي تشل قدرات الإنسان. وفعلاً أجادت الطفلة سارة حيث ألقت كلمة رائعة في المؤتمر وبشجاعة أدبية فائقة، كسبت بها إعجاب الحضور واعتزاز أبويها. وهذا دليل على أن جمهوريات الخوف وأنظمة الرعب تقضي على ملكات الإنسان وتصيبه بالشلل وتعطل قدراته العقلية في الإبداع وتحيله إلى آلة صماء طيعة للأسياد المتجبرين. ولعل هذا أحد أهم أسباب تخلف المجتمعات العربية وتبلد ذهنيتها.

 

ما العمل؟

إضافة إلى ما قدمه الأساتذة الأفاضل الذين أشرت إليهم أعلاه من مقترحات عملية صائبة، أود التأكيد على العامل السياسي. يجب عدم الاستهانة بالنشاط السياسي. يقول سقراط الحكيم: "إذا امتنع الأخيار عن ممارسة السياسة فسيعاقبون بتولي أشرارهم عليهم". فكل الدلائل تشير إلى أن في مصر حركة شعبية واسعة تسعى لتحقيق الديمقراطية وأن الأجواء الآن حبلى وتبشر بميلاد شيء عظيم، الديمقراطية. فإعصار التغيير الذي هب من العراق لا بد وأن يزلزل المنطقة كلها وقد بدت آثارها واضحة في الدول العربية. والظروف الدولية خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة وأحداث 11 سبتمبر 2001، وتحول الدولة العظمى إلى رائدة لنشر الديمقراطية ودعم حقوق الإنسان في المعمورة، لذلك على الأقباط استثمار هذه الظروف المستجدة لصالحهم والانخراط في النشاط السياسي السلمي وهم معروفون بنزعتهم المسالمة وتجنب العنف حتى في حالة استفزازهم من قبل القوى الظلامية الشريرة. فأمامهم طريقان وذلك حسب النظام الانتخابي في مصر:

إذا كان النظام الانتخابي هو التمثيل النسبي proportional representation (PR) كالنظام المتبع في ألمانيا وإيطاليا والعراق الجديد، فمن الأفضل أن يشكل الأقباط حزب سياسي خاص بهم، لأن في هذه الحالة سيحصدون مقاعد في البرلمان وفق نسب أصواتهم التي أدلوا بها في الانتخابات بغض النظر عن توزيعهم الجغرافي على أن يشمل الأقباط وغير الأقباط من المصريين في الخارج، تماماً كالحالة العراقية. وهذا النظام الانتخابي يلائم البلدان التي فيها أقليات وأحزاب صغيرة. أما إذا كان النظام الانتخابي هو الفائز الأول first past the post كالنظام المتبع في بريطانيا بغض النظر عن كون الفائز حصل على الأكثرية المطلقة أم لا من الأصوات، ففي هذه الحالة من الأفضل للأقباط الانخراط في الأحزاب الديمقراطية الأخرى والتأثير على قياداتها وسياساتها وترشيح عدد منهم يتناسب مع ثقلهم في هذه الأحزاب وتعدادهم في الشعب.

 

دروس من العراق

1- لقد أقر الدستور العراقي أن تكون للمرأة حصة لا تقل عن 25% من مقاعد البرلمان، دون تحديد الحد الأعلى. أقترح تبني هذا المبدأ في البلدان العربية ومصر بخاصة.

2- لقد حطم العراق محرمات taboos كثيرة، منها مثلاً ليس من الضروري أن يكون رئيس الدولة عربي مسلم سني فقط. فلأول مرة في التاريخ يتبوأ كردي عراقي، السيد جلال طالباني رئاسة الجمهورية، ولأول مرة يكون وزير الخارجية كردي وهو السيد هوشيار زيباري. قبل سقوط النظام البعثي البائد كان هذا حلماً ووصفه المتهكمون بالفنطازيا fantasy. ولكن تحول الحلم إلى واقع الآن. لذا وكما قال مارتن لوثر كنج: I have a dream. وحلمي هو أن يكون رئيس الجمهورية القادم في مصر الحبيبة هو قبطي، ليثبتوا للعالم كما أثبت العراقيون أنه يمكن تحطيم التابوات وفي النظام الديمقراطي يكون الشخص المناسب في المكان المناسب.

Abdulkhaliq.Hussein@btinternet.com

 

 

  للتعليق على هذا الموضوع