11 فبراير 2006

 

المتطرفون أساءوا للإسلام أكثر من الرسوم المسيئة

د.عبدالخالق حسين

 

من متابعتي لمظاهر احتجاج المسلمين في الأسبوعين الماضيين على نشر الرسوم المسيئة للنبي محمد في صحيفة "يلاندز بوستن" الدنماركية قبل أربعة أشهر، وإعادة نشرها في صحف أخرى، يمكن تقسيمها إلى نوعين: الأول، احتجاج عقلاني هادئ، كما حصل في بعض مناطق العالم، حيث عبر الناس وبعض الحكومات الإسلامية، بأسلوب حضاري عن سخطهم واحتجاجهم على هذه الرسوم ونصحوا بعدم إعادة نشرها، والعمل على خلق جو من الثقة والتفاهم والحوار الحضاري بين مختلف الثقافات واحترام الأديان ومعتقدات الناس. والنوع الثاني من المحتجين، هم خليط من المتشددين الإسلاميين والمتطرفين من أتباع المنظمات الإرهابية مثل أنصار القاعدة، وحتى مجرمين من تجار المخدرات كما ظهر في مظاهرة لندن، والسياسيين المعادين للغرب مثل النظامين السوري والإيراني وحماس، حيث اختطف هؤلاء الإسلام واستغلوا مشاعر المسلمين لخدمة أغراضهم السياسية وتصفية حسابات مع الغرب باسم الإسلام والإسلام منهم بريء.

 

ولعل أشد هذه المظاهرات استهجاناً هي تلك التي اندلعت في دمشق وبيروت وطهران وغزة، حيث تم حرق السفارات الدنماركية والنرويجية وإلحاق أضرار بسفارات أخرى، وفي غزة تم الاعتداء على مكاتب الوحدة الأوربية التي هي في الأساس لمساعدة الشعب الفلسطيني، أما في طهران حيث قام الغوغاء من المخابرات الإيرانية بالاعتداء على مبان السفارتين الدنماركية والأمريكية. ومن المعروف أن هذا الثلاثي، إيران وسوريا وحماس، في تحالف مصيري ضد الغرب يتصف بالغباء المفرط سيجلب البلاء على شعوبهم كما جلب صدام حسين البلاء على الشعب العراقي.

 

وفيما يخص مظاهرات لندن أمام السفارة الدنماركية في الأسبوع الماضي، فقد أساء المتظاهرون لسمعة دينهم حيث صار الغربيون يرون في الإسلام صورة للإرهاب، كما أساءوا لجالياتهم الإسلامية وعملوا على دفع اليمين البريطاني المتطرف لتصعيد مشاعر الكراهية ضد المسلمين. لقد رفع المتظاهرون شعارات ولافتات استفزازية متعاطفة مع الإرهابيين مما استفز مشاعر ذوي ضحايا تفجيرات لندن يوم 7/7 من العام الماضي وأثار سخطهم واحتجاجهم على الحكومة في عدم معاقبة هؤلاء المسيئين للحرية وروح التسامح في هذا البلد. ومع ذلك لم تقم الشرطة البريطانية في وقتها باعتقال أي متظاهر، واكتفوا بحماية المظاهرة وتوثيقها بالفيديو لتدقيقها ومحاسبة المسيئين فيما بعد.

ولكن هذا لا يعني أن المسئولين البريطانيين مغفلون إلى حد يمكن اللعب عليهم. فقد يتظاهرون بالبرودة والتساهل إلى حد البلاهة أحياناً في مثل هذه الحالات، ولكنه تظاهر من نوع السهل الممتنع، أشبه بالممثل الذي يؤدي دور الأبله على المسرح ولكن في الوقت نفسه يعتبر هذا الدور من أصعب الأدوار في التمثيل. نعم، من السهل ارتكاب الجرائم في الغرب، ولكن لا يمكن للمجرمين أن يفلتوا من العقاب مهما طال الزمن، ففي نهاية المطاف لابد وأن يلقى القبض على المخالفين للقوانين وينالون العقاب المناسب.

وكنموذج من هذا النوع، قام أحد المتطرفين في مظاهرة لندن ويدعى (عمر خيام 22عاماً) بمظهر الانتحاري حيث ارتدى ما يشبه الأحزمة الناسفة مقلداً الانتحاريين الإرهابيين وذلك تحدياً لمشاعر الشعب البريطاني. وتبن فيما بعد، أن هذا الشاب كان محكوماً عليه بجريمة تعاطي تجارة المخدرات وحكم عليه بالسجن خمس سنوات ونصف في ديسمبر عام 2002، ثم أخلي سبيله في العام الماضي بكفالة parole بعد أن قضى نصف المدة في السجن مع تعهد بعدم القيام بأية مخالفة ضد القانون. وبعد تصرفه المستفز في المظاهرة استدعي من قبل البوليس حيث تم اكتشاف ماضيه وفضحه أمام الملأ، وأضطر (عمر) تقديم الاعتذار عما قام به من سلوك استفزازي مشين ضد مشاعر الشعب البريطاني. ولكن هذا الاعتذار لم يعفه من إعادته إلى السجن ليقضي ما تبقى من محكوميته كما تقتضي القوانين البريطانية وذلك لعدم إيفائه بالتعهد بعدم القيام بأية مخالفة ضد القانون.

 

كذلك نعرف أن الحكومة البريطانية تساهلت كثيراً مع دعاة العنف من أئمة المساجد في بريطانيا من أمثال أبو حمزة المصري، حيث ظهر إثناء محاكمته مؤخراً أنه كان يدعو للعنف وإثارة الكراهية ضد الشعب البريطاني منذ سنوات، والحكومة كانت على علم بذلك، ولكنها غضت النظر عنه، كما صرح ديفيد بلانكت، وزير الداخلية السابق، ولم يعتقلوه ليتجنبوا استفزاز المسلمين في بريطانيا. ولم يعتقلوه إلا بعد أن تمادى في غيه وصار خطراً على أمن البلاد، وأخيراً حكم عليه بالسجن سبع سنوات.

 

ومن المفيد هنا، التوكيد على أن الأغلبية الساحقة من الجاليات الإسلامية في الغرب هي مسالمة وترغب في العيش بسلام واحترام قوانين وثقافات البلدان المضيفة. ولكن هناك نفر من المتطرفين المسلمين المنتمين لمنظمات الإسلام السياسي، يستغلوا تساهل هذه الحكومات لإشعال الصراع بين المسلمين والشعوب المضيفة لأغراض سياسية. وقد اتضحت هذه السلوكيات الإرهابية في أعمال الشغب التي قام بها متطرفون من الجاليات الإسلامية في ضواحي باريس قبل شهرين. ونتيجة لهذه الأعمال العدوانية، اتخذ وزير الداخلية الفرنسي، قراراً بإنزال أشد العقوبات بحق كل مهاجر يسيء إلى أمن البلاد بما فيه ترحيله إلى بلده الأصلي. يبدو أن هذا التهديد قد أدى غرضه، حيث لم تخرج أية مظاهرة ضد هذه الرسومات في فرنسا. وقد أكد هذا للحكومة الفرنسية أنه من الممكن لجم المتطرفين بمجرد استخدام الحزم إزاءهم. فهؤلاء المتطرفون أساءوا للبلد لأنهم أمنوا العقاب وبذلك بدأت الحكومات الغربية تتفهم كيف تتعامل معهم.

 

ليس هذا فحسب، بل عندما أعلنت مجلة (شارلي إبدو) الباريسية، وهي مجلة ساخرة، عن نيتها إعادة نشر الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة إلى النبي محمد، لم يتجرأ المتطرفون بالقيام بأي مظاهرة احتجاجية ضدها، بل اكتفى ممثلو المساجد فقط بتقديم شكوى إلى المحكمة لمنع الصحيفة من إعادة النشر، ولكنهم خسروا الدعوى. والجدير بالذكر، أن المجلة عادة تطبع مائة ألف نسخة من كل عدد، ولكن العدد الذي أعادت فيه نشر الرسوم هذه مع شرح، استنفذت كافة النسخ فطبعوا 300 ألف نسخة إضافية في نفس اليوم (الخميس الماضي) ومائة ألف نسخة أخرى في اليوم التالي، أي ما مجموعه نصف مليون نسخة لذلك العدد. والفضل في كل ذلك يعود إلى التطرف الإسلامي الذي ساعد على إثارة فضول الناس وحب الاستطلاع لمشاهدة هذه الرسوم وبالتالي الإساءة للإسلام وتشويه صورة المسلمين.

 

وكما كررنا مع غيرنا، أن الكاريكاتيرات المسيئة رسمها شخص واحد ونشرتها صحيفة دانماركية واحدة في البداية قبل أربعة أشهر، ثم أعيد نشرها من قبل عدد من الصحف في العالم بعد أن جلب المحتجون انتباه العالم لها. والسؤال هو: ما ذنب الشعب الدنيماركي وحكومته وسفاراته في الخارج ومؤسساته الإقتصادية لكي يتعرضوا للاعتداء ؟ وهل الشعب الدينماركي هو الذي أمر رسام الكاريكاتير أن يعمل ما عمل؟ وما ذنب المسيحيين في العالم ليدفعوا الثمن وخاصة مسيحيي البلدان العربية الذين وقع عليهم العدوان من قبل الغوغاء وخاصة في العراق وفي لبنان؟ وهل خلت بلاد المسلمين من رجال دين معتدلين ليوجهوا النصيحة إلى المسلمين ليوقفهم عند حدهم؟ الكل يصيح ليل نهار أن الإسلام دين التسامح ويدعو للوسطية، فأين هذا الكلام من التطبيق؟ أليس القرآن الكريم الذي جاء فيه (والله لا يحب المعتدين). فلماذا العدوان على الأبرياء؟ يجب على المسلمين أن يعرفوا أن العبرة بالأفعال وليس بالأقوال.

 

أجل، خرج الاحتجاج من سياقه ومن سيطرة المسلمين المعتدلين الذين اختاروا الصمت وتركوا سفهاءهم يقودون شعوبهم إلى المواجهة مع غير المسلمين. وبترتب على هذا السلوك مخاطرة وخيمة. فالعالم لا يمكن أن يسكت طويلاً إزاء هذه التصرفات العدوانية. لقد تم اختطاف الإسلام من قبل المتطرفين من أمثال النظامين الإيراني والسوري والمنظمات الإرهابية ومتعاطي تجارة المخدرات، وبذلك أعطوا صورة سيئة عن الإسلام والمسلمين، ليس في الغرب فحسب، بل وفي جميع أنحاء العالم، وبذلك فقد ألحق هؤلاء أشد الأضرار بالإسلام وقدموا أفضل الخدمات لأعداء الإسلام والمسلمين. لقد أساء المتطرفون الإسلاميون بالعدوان على الأبرياء، إلى الإسلام وشوهوا صورة المسلمين آلاف المرات ما سببته الرسوم المسيئة. وهذا ناتج عن جهل المسلمين، فكما تقول الحكمة (يفعل الجاهل بنفسه كما يفعل العدو بعدوه).

 

Abdulkhaliq.Hussein@btinternet.com

 

للتعليق على هذا الموضوع