16 أبريل 2005

 

 

هل البعث قابل للتأهيل؟؟؟

د.عبدالخالق حسين

 

نسمع بين حين وآخر تصريحات من بعض المسؤولين في الحكومة العراقية وكذلك من خارجها من أصحاب النوايا الحسنة والسيئة على حد سواء، مفادها أنه يجب تأهيل حزب البعث مدعين أن من حق هذا الحزب المشاركة في العملية السياسية الجارية في العراق لأنه صاحب أيديولوجيا وفكر وليس من الديمقراطية بمكان محاربة الآيديولوجيات والأفكار كما يزعمون. وراح الدكتور أياد علاوي، البعثي السابق ورئيس الوزراء الحالي المنتهية ولايته، يصرح بمناسبة وغير مناسبة، في دفاعه المحموم عن حزب البعث، مدعياً أن البعث غير مسؤول عن الجرائم التي ارتكبها النظام السابق وأن صدام حسين هو وحده المسؤول عن هذه الجرائم، لذلك ملأ الوزارات ودوائر الدولة بالبعثيين السابقين وخاصة وزارتي الدفاع والداخلية وأجهزة الأمن، على أساس أنهم من أصحاب السوابق!! ويمكن الاستفادة من خبراتهم لمحاربة الإرهاب!!. ولكن وكما أثبتت الأحداث، كان مردود هذه السياسة معكوساً ووبالاً على الشعب العراقي وقوات الشرطة والحرس الوطني، فبدلاً من استخدامهم ضد الإرهابيين، عمل البعثيون الذين اعتمد عليهم الدكتور علاوي، العكس إذ قدموا خدمات جليلة لرفاقهم في "المقاومة" من الإرهابيين على حساب الشعب والحكومة.

 

كذلك نقرأ في الصحف بتكرار، ما يتعرض له أعضاء الجمعية الوطنية كل يوم من مضايقات وإهانات من قبل بعض رجال الشرطة من العهد المباد، وعلى سبيل المثال لا الحصر، اشتكت النائبة شذى الموسوي للمجلس، أنها تعرضت للإهانة إثناء تفتيشها من قبل ضابط شرطة ادعى أن اسمه صدام، ولما اعترضت عليه وأخبرته بأنها نائبة تريد دخول بناية المجلس، أجابها برعونة بأنه أعلى سلطة منها لأنه تم تعيينه بقرار جمهوري من قبل الرئيس صدام حسين!! وهذا غيض من فيض مما يجري الآن في العراق من قبل الذين ملأ بهم الدكتور علاوي أجهزة الدولة. كذلك صرح السيد حازم الشعلان، البعثي السابق أيضاً، وزير الدفاع المنتهية ولايته، أن "برنامج اجتثاث البعث جريمة" وغيرها من التصريحات التي تصب بذات المعنى ولخدمة عودة البعثيين وتأهيلهم.

 

لقد ذكرنا، كما ذكر غيرنا، مراراً وتكراراً أن حزب البعث غير قابل للتأهيل لأنه بالأساس هو حزب يعتمد على الإجرام والغدر واغتيال الخصوم السياسيين ولا يمكن الاطمئنان إليه والثقة به بسبب ماضيه الأسود الحافل بالجرائم. فنراه يتقرب للأحزاب السياسية والقوى الوطنية الأخرى ويقيم معها التحالفات في حالة ضعفه وينقلب عليها كالذئب في حالة قوته. وتاريخه مليء بهذه السياسة، سواءً كان في السلطة أو خارجها. وقد ذكرت ذلك بشيء من التفصيل في مقالات عديدة أشير إلى إحداها (البعث تنظيم إرهابي وعنصري)  للتذكير فقط.

 

إن البعثيين السابقين من أمثال الدكتور علاوي وغيره الذين تبرأوا من البعث وساهموا في إسقاط النظام البائد، على خطأ فضيع في محاولاتهم اليائسة لاسترضاء البعثيين من فلول النظام الساقط لكسبهم إلى صفوفهم لأهداف حزبية فئوية ضيقة. فهذا الحزب قد تبنى في آيديولوجته، الأسوأ مما انتجته البداوة والحضارة على حد سواء. لقد استعار البعث من البداوة العربية أسوأ ما فيها من قيم التخلف مثل الثأر والانتقام والغزو والتفاخر والتباهي وتقديس العنصرية..الخ، كما استعار من النازية والفاشية اللتين هما من الأعراض الجانبية الضارة للحضارة وتبنى منهما أسوأ المبادئ العنصرية المعادية للإنسانية.

 

نعم، يحاول الدكتور علاوي وزملاؤه إلقاء تبعة ما حصل للعراق من كوارث، على صدام حسين وحده وتبرئة بقية البعثيين من تلك الجرائم. إنهم على خطأ كبير. يقول المثل العراقي (الدجاجة تموت وعينها على المزبلة!). فعلاوي وغيره من البعثيين القدامى مازالوا لم يتخلصوا من الحنين إلى مزبلة هذا الحزب الفاشي. أعتقد جازماً أن صدام حسين هو نتاج آيديولوجية حزب البعث وليس العكس. وكما ذكرت مراراً وتكراراً، أن الصراع الذي جرى بين جناحي حزب البعث في عهد صدام لم يكن صراعاً بين الخير والشر بل كان بين الشر والشر. وفي حالة الصراع بين قوى الشر فإن الجانب الآكثر شراً هو الذي ينتصر. وقد انتصر صدام حسين على غيره من البعثيين من أمثال ناظم كزار وعلي باوي وعبد الحسين المشهداني وغيرهم لا يعني أن الأخيرين كانوا مسالمين وديمقراطيين، أبداً، بل انتصر صدام على منافسيه في البعث لأنه كان أكثر شراً منهم وانسب شخص من غيره في قيادة هكذا حزب شرير يحمل آيديولوجيا شريرة معادية للإنسانية. فآيديولوجية البعث كانت تلائم سلوكية صدام السايكوباثية.  إذ أين كان صدام حسين وماذا كان دوره في الإنقلاب البعثي الأول يوم 8 شباط 1963؟ لقد قام هذا الحزب بمجازر رهيبة ضد الشعب العراقي في ذلك الإنقلاب الأسود حيث تم قتل ما يقارب عشرين ألفاً من خيرة الوطنيين العراقيين خلال أسبوع واحد، واكتظت السجون والمعتقلات بمئات الألوف من الوطنيين التقدميين مما اضطر الإنقلابيون إلى تحويل النوادي والساحات والملاعب الرياضية إلى معتقلات رهيبة، ولم يكن صدام على رأس قيادة البعث آنذاك بل كان بعثياً قاعدياً صغيراً مثل الدكتور علاوي، دوره لا يتجاوز عضواً في الحرس القومي سيئ الصيت الذي انتهك الحرمات وهتك الأعراض وقتل المعتقلين السياسيين في السجون تحت التعذيب. (راجع الكتاب الأسود عن أعمال الحرس القومي).

 

نعلم من كل ذلك، أن ارتكاب الجرائم واضطهاد الشعب وممارسة الإرهاب هي من صلب آيديولوجية حزب البعث، سواءً كان على رأسه صدام حسين أو علي صالح السعدي أو أحمد حسن البكر أو نوأمه السوري حافظ الأسد أو بشار الأسد. فهو حزب القتل والتنكيل والاغتبالات وهتك الأعراض، سواءً كان في السلطة أو خارجها.

 

ودليل آخر نسوقه للمطالبين بتأهيل حزب البعث وهو أن صدام حسين يقبع الآن في زنزانة قذرة يستحقها بجدارة ومقطوع عن فلول حزب البعث، ولكن هذا الحزب يقوم الآن بأبشع وأقسى أعمال إرهابية ضد الشعب العراقي لم يعرف التاريخ لها نظيراً في بشاعتها وإثارتها للرعب بين أبناء الشعب. فهل صدام حسين هو الذي يرغم هؤلاء البعثيين على ارتكاب هذه الأعمال؟ كلا وإنما يقوم هؤلاء بقتل أبناء الشعب بتأثير آيديولوجية حزب البعث الفاشي حيث تعرض البعثيون إلى عملية غسيل دماغ فتحولوا إلى وحوش بشرية كاسرة لا تعرف الرحمة ولا تقيم أي قيمة للإنسان وترتكب جرائمها مثل قطع رقاب الأبرياء بمنتهى الوحشية لإرعاب الشعب وتصدر بياناتها باسم عصابات الزرقاوي وبمباركة فقهاء الموت من أمثال القرضاوي ووسائل الإعلام العربية. فكيف يمكن تأهيل هكذا حزب اتخذ من الإرهاب وسيلة لاغتصاب السلطة؟

 

كذلك أود التأكيد على أن ليس كل من انتمى إلى حزب البعث الساقط كان بعثياً. فهناك نوعان من البعثيين: بعثيون حقيقيون وهم أقلية ونجدهم الآن رافعين السلاح يذبحون أبناء شعبنا ويدمرون مؤسساتنا الاقتصادية. وهؤلاء لا يتعدى عددهم في أكثر التقديرات العشرين ألفاً. وآخرون اضطرتهم ظروفهم إلى الانتماء لحماية أنفسهم والحصول على مقاعد دراسية في الجامعات والوظائف لإعاشة عائلاتهم والتخلص من المطاردة والاضطهاد، ويقدر عددهم بالملايين. وليس هناك عراقي منصف يطالب بمعاقبة هؤلاء أو حرمانهم من ممارسة حقوقهم في المواطنة وحتى المشاركة السياسية وفق برنامج اجتثاث البعث، فقط المطلوب منهم أن يعلنوا براءتهم من الحزب الفاشي والقبول بالديمقراطية ويعلنوا استعدادهم في المساهمة في إعادة بناء العراق الجديد. أما الذين ارتكبوا الجرائم وتلوثت أيديهم بدماء الشعب فهؤلاء مجرمون ويجب معاملتهم كمجرمين ولا يمكن التغاضي عنهم وإلا ضاعت القيم ومعها حقوق الضحايا وخاصة شهداء شعبنا الذين ملأ النظام الساقط بهم المقابر الجماعية.

 

خلاصة القول، إن المطالبين بتأهيل البعث يرتكبون خطأً جسيماً بحق شعبهم ويطالبون بالمستحيل، لأنه حتى حزب البعث نفسه لا يقبل بأقل من السيطرة الكاملة على السلطة وبقيادة صدام حسين كما أكد ذلك في بياناته المتكررة. فالبعث حزب إرهابي ويجب معاملته كأي تنظيم إرهابي. لذلك فإني أؤيد بقوة لجنة التضامن من أجل محاسبة حزب البعث في نداءها الموجه إلی الرأي العام العالمي للتضامن مع الدعوة في إدراج حزب البعث ضمن قائمة المنظمات الإرهابية.

وهذا هو رابط النداء   http://www.alhuriya.cjb.net/

كذلك لمن يرغب في التوقيع عليه إرسال اسمه إلى العنوان التالي: free-dom@hotmail.co.uk

 

للتعليق على هذا الموضوع