3يوليو 2005

 

الفن في خدمة الشعوب الفقيرة

د. عبدالخالق حسين

 

أعتقد أن أحد الأسباب لتخلف الشعوب الإسلامية هو موقف الإسلام والمسلمين المناوئ للفن، وخاصة فن الغناء والموسيقى، وبالأخص في هذا الزمن، زمن التكفير والإرهاب الإسلامي وإلغاء الآخر المختلف. في الغرب "الكافر" يلعب الفن دوراً كبيراً في توجيه الشعوب نحو الأفضل والتأثير عليها في تهذيب النفوس والأذواق وإثارة النزعات الإنسانية ونشر روح التضامن والإخاء بين البشر والتعاطف مع الشعوب الفقيرة ومساعدتها للخروج من محنتها وسلاحاً للضغط على الحكومات.

 

فبمناسبة عقد مؤتمر قمة الدول الصناعية الغنية الثمانية الكبرى (G8) في أدنبرة/اسكوتلاندا هذا الأسبوع، واستلام توني بلير، رئيس الحكومة البريطانية، رئاسة هذه المجموعة، قام السير بوب غلدوف، المغني الأيرلندي المعروف، بحملة واسعة وبدعم من توني بلير ووسائل الإعلام البريطاني والعالمي، بتنظيم أكبر مهرجانات موسيقية غنائية (لايف 8)، في عدد من دول العالم، أميركا، بريطانيا، كندا، إيطاليا، ألمانيا، جمهورية جنوب أفريقيا، اليابان، روسيا.. وغيرها، حضرها أكثر من مليون إنسان، شارك فيها مئات المغنين والموسيقيين العالميين المشهورين، وقد تطوع لها الألوف من المنظمين الإداريين، ونقتلها عشرات الفضائيات التلفزيونية إلى ثلاثة مليار مشاهد في المعمورة. ففي حديقة هايد بارك في لندن وحدها حضر أكثر من مائتي ألف، إضافة إلى تنظيم مسيرات جماهيرية واسعة من مائة ألف نسمة في أدنبرة، حيث يقام مؤتمر القمة بعد أيام. الغاية من كل ذلك جلب انتباه العالم إلى محنة الشعوب الأفريقية الفقيرة، ورفع وعي الجماهير الواسعة ومشاركتها في معالجة مشكلة الفقر في العالم. كذلك لفرض الضغوط على قادة الدول الصناعة الكبرى لتقديم المزيد من المساعدات المالية الكبيرة إلى هذه الشعوب وشعارها "لنجعل الفقر جزءً من الماضي".

وفعلاً، حققت حملة الفنانين هذه فوائد كبيرة لا ينكرها إلا أصحاب الكهوف من أعداء البشرية من الذين لا يعرفون في الدنيا سوى نشر ثقافة الموت بين الشباب المسلمين، لقتل الأبرياء بتفجير أنفسهم كأقصر طريق لهم إلى الجنة. فمن ثمار هذه المهرجانات الموسيقية-الغنائية، التآخي بين الشعوب وحملة إعلامية ضخمة لتعريف العالم بمعاناة الشعوب الأفريقية الفقيرة وكسب عطف العالم لها. إضافة إلى بث روح التقارب بين الشعوب وتخفيف حدة النزعات الفاشية والعنصرية والشوفينية المقيتة وتقوية أواصر المحبة والتآخي بينها في عهد العولمة، حيث صارت المعمورة كلها عبارة عن قرية عالمية واحدة وبذلك تحققت نبوءة أج جي ويلش الذي قال: (ليكن العالم قومنا والدنيا قريتنا الكبرى). وهكذا صارت مشكلة أي بلد مشكل كل العالم. كما وظهر الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان على خشبة المسرح في هايدبارك وقال للجمهور "أنتم الامم المتحدة"، وقدم لهم الشكر نيابة عن الفقراء ومن لا صوت لهم. هذا هو تثمين العالم المتحضر للفن.

ونتيجة لهذه الحملة والضغوط الجماهيرية الواسعة على القادة الكبار، بوش وبلير، تعهد الرئيس بوش بمضاعفة مساهمة أمريكا المالية لدعم الشعوب الأفريقية الفقيرة. كذلك وافقت أمريكا وبريطانيا والدول الغنية الأخرى على إلغاء كافة ديونها على هذه الشعوب والبالغة أربعين مليار دولار ومواصلة دعمها لها بعشرات المليارات خلال السنوات المقبلة.

 

هذا ما يقدمه الغرب "الكافر" والرأسمالية "المتوحشة" والفن والفنانون للشعوب الفقيرة، فماذا قدمت الدول الإسلامية لمساعدة الشعوب الفقيرة من أجل خلاصها من الفقر، سواءً في أفريقيا أو غيرها؟ في الحقيقة إن الذي قدمته الدول الإسلامية وبالأخص العربية منها هو الإرهاب ونشر ثقافة الموت وحث الشباب العربي المسلم على قتل الأبرياء وتحقير الحياة وتمجيد الموت وتكفير غير المسلمين والإفتاء بوجوب قتلهم واعتبار محاربتهم جهاداً يقرب إلى الله. لقد أفتى حسن الترابي، أحد فقهاء الإرهاب عندما كان في السلطة في الخرطوم قائلاً: " نعم للإرهاب، وهل هناك أكثر قربى إلى الله من إرهاب أعدائه؟". لقد العرب للعالم الكثير، قدموا مجازر 11 سبتمبر في نيويورك و11 آذار في مدريد، كذلك في بالي، ناهيك عن المجازر الجارية في العراق والجزائر وغيرها. يقدم الغرب الفنانين الذين يروجون للمحبة والسلام، والعرب يقدمون للعالم فقهاء الموت من أمثال القرضاوي والغنوشي وأيمن الظواهري و"الشيخ" بن لادن والزرقاوي والاستنبولي وغيرهم من الوحوش الآدمية المدمنة على نشر الموت الزؤام. فدولة الطالبان الإسلامية في أفغانستان دشنت أعمالها بتفجير تماثيل بوذا التي حافظ عليها حتى في عهد الخلافة الإسلامية. أما الإرهاب في العراق فلم يسلم منه حتى ملوية سامراء التاريخية رغم أنها من الآثار الإسلامية العزيزة على البشرية كلها، فأي وحوش تنجب لنا ثقافتنا العربية-الإسلامية؟

 

والسؤال هو: لماذا هذا العداء المستفحل من قبل الإسلامويين ضد الفن والحط من مكانة الفنانين وفي نفس الوقت يمجدون الإرهاب ويسمونه جهاداً في سبيل الله؟ إن فقهاء الإسلام يحرمون الفنون بكافة أشكالها، الموسيقى والغناء والرسم والنحت والمسرح ...الخ. فرغم أنهم يمجدون الماضي ويطالبون الشعوب الإسلامية بالعودة إليه وترك الحاضر وعدم التفكير بالمستقبل، ولكننا عندما نراجع هذا الماضي نرى خيرة الفلاسفة والمفكرين العرب والمسلمين الكبار كانوا فنانين بارزين في الموسيقى والغناء وفي مقدمة هؤلاء، الكندي والرازي وابن سينا والفارابي وبن باجة وزرياب وابراهيم الموصلي وابنه إسحاق الموصلي، والشاعر العملاق صفي الدين الحلي والحسن بن أحمد بن علي الكاتب وصفي الدين الأرموي وغيرهم كثيرون. إذ يقول الباحث الدكتور حسين علي محفوظ عن هؤلاء أنهم تركوا: ".. مختلف الكتب في النغم والإيقاع، وصناعة التأليف والأقاويل العددية والأغاني وأخبار المغنين واللهو والملاهي والمصوتات .. وأسرار الغناء وأدب الغناء، وهي أهم الآثار في علم الموسيقى وأولئك هم أعمدة العلم وأركان الفنون.." (حضارة العراق، ج11، ص270). فإذا كان هكذا الإسلام في أوائله، فلماذا كل هذا العداء للفن في هذا الزمن الأغبر؟

 

من هنا يتضح لنا بجلاء أن هناك علاقة جدلية وتناسب طردي بين الفن والتطور الاجتماعي. فكلما تطور المجتمع ارتفع شأن الفن والفانين. وكلما كان المجتمع منحطاً ومتخلفاً كما حال المجتمعات العربية والإسلامية الآن، حورب الفن والفنانون وتصاعدت موجة الإرهاب وارتفعت مكانة الدجالين والمشعوذين من فقهاء الموت. ففي الغرب المتحضر المتطور، للفن والفنانين مكانة مرموقة في المجتمع متوازياً مع تطور هذه الشعوب، لذلك نرى أغلب الناس هنا يقدسون الفن والفنانين، ويعيشون بأمان وسلام ويستخدمون الفن لإسعاد البشر ولمساعدة الشعوب المبتلية بالفقر. فمتى ينتبه العرب والمسلمون إلى أنفسهم ويحترموا العقل الذي هو مصدر العلوم والآداب والفنون الجميلة، ليعشوا ويسمحوا لغيرهم أن يعيشوا بسلام؟

 

للتعليق على هذا الموضوع