12 سبتمبر 2005

 

كارثة 11 سبتمبر وحكمة التاريخ

د.عبدالخالق حسين

 

 

تمر اليوم 11/9/2005، الذكرى الرابعة لكارثة 11 سبتمبر (أيلول) التي أودت بحياة نحو ثلاثة آلاف إنسان بريء، والتي اعترفت قيادة منظمة (القاعدة) الإرهابية بمسئوليتها عنها، ولم تخف بعض الجهات العربية والإسلامية شماتتها وفرحها الساذج بها معتبرة إياها "نصر من الله وفتح قريب" للأمة الإسلامية على "ملة الكفر". وهذه مناسبة للمراجعة والتأمل واستخلاص الدروس والعبر ومناقشة أولئك الذين مازالوا يصرون على دعم الإرهاب بشكل مباشر أو غير مباشر، سواء بالفتاوى الدينية أو الترويج والتبرير له إعلامياً.

 

نعتقد أن كارثة 11 سبتمبر هي واحدة من الزلازل التاريخية التي تترك بصماتها على البشرية ككل، وهي من التقاطعات التي غيَّرت مسار حركة التاريخ. سمّيه ما تشاء، مكر التاريخ أو حكمة التاريخ أو الفكرة المطلقة حسب تعبير هيغل، المهم أنه رغم عشوائية الأحداث التاريخية الكبرى وعدم غائيتها، إلا إن المحصلة النهائية هي في صالح البشرية وخيرها وإن الخط البياني لمسار التاريخ يتجه إلى الأعلى وإلى الأمام upward and forward وهو ما نسميه بالتطور ونحو الأفضل. وهذا لا يعني عدم حصول تعرجات وكوارث وتراجعات مؤقتة محلية وعلى المدى القصير إثناء المسيرة التاريخية، كما يحصل الآن في العراق، ولكن على المدى البعيد، فالبشرية تسير إلى الأمام ونحو التقارب والتلاقي بين الشعوب وانتصار الخير على الشر والتقدم على التخلف والحضارة على الهمجية والعلم على الجهل والإنسانية على الوحشية.

وحسب قراءتي لعدد من المصادر المهمة عن فلسفة وقوانين حركة التاريخ، توصلت إلى قناعة بما قاله الوردي، أن الخير والشر هما ساقا البشرية نحو التقدم، ولولا الشر لما عُرِفَ الخير. وعلى هذا الأساس، فكارثة 11 سبتمبر 2001 التي قامت بها منظمة (القاعدة) الإرهابية بضرب أمريكا في عقر دارها كان لها دور إيجابي كبير في حماية البشرية من الإرهابيين وشرورهم، وفق مقولة (رب ضارة نافعة) ودفع العملية الديمقراطية إلى الأمام في دول منطقة الشرق الأوسط.

 

هل العالم أكثر أمناً اليوم؟

هذا السؤال يطرحه بتكرار ممل معظم الكتاب الذين يضمرون العداء والكراهية لأمريكا بصورة عامة ولرئيسها جورج دبليو بوش بصورة خاصة، وحتى المعارضة الأمريكية للحرب على الإرهاب،  يعتقدون أن العالم اليوم وبالأخص الغرب، أكثر تعرضاً لخطر الإرهاب مما كان عليه قبل تحرير أفغانستان والعراق، ودليلهم على ذلك هو ما حصل من تفجيرات في مدريد في العام الماضي، ولندن هذا العام، وما يجري من تصاعد موجة الإرهاب في العراق وأفغانستان وأماكن أخرى من المعمورة. يحاول هؤلاء إقناعنا والعالم أنه لولا حرب جورج بوش وتوني بلير على الإرهاب وإسقاط نظام البعث في العراق، لكان العالم الآن أكثر أمنا وسلاماً.

لنفرض جدلاً بصحة ادعاءات هؤلاء ولو مؤقتاً. لنرى ماذا كان سيحصل لو لم تتدخل أمريكا في إسقاط النظامين الفاشيين، الإسلامي الطالباني في أفغانستان والبعثي في العراق وملاحقة الإرهابيين في كل مكان من العالم؟ وهل كان هناك دول أخرى بإمكانها القيام بهذه المهمة غير الدولة العظمى؟

فمن نافلة القول أن للإسلاميين الأصوليين في منظمة القاعدة أهدافاً ستراتيجية بعيدة المدى لا تقف عند حد، وقد قسموا العالم إلى فسطاطين لا ثالث لهما وهما: فسطاط كفر وفسطاط إيمان، دار حرب ودار سلام، وإنهما في حالة حرب إلى أن تقوم الخلافة الإسلامية وترفرف الراية الإسلامية على مقر الحكومة البريطانية وقصر بكنغهام في لندن، وبالتالي في كل بقعة من العالم. ووفقاً لهذه الأيديولوجية فجميع الناس من غير المسلمين هم مشاريع قتل وسبي ومصادرة ممتلكاتهم وسبي نسائهم وأطفالهم وبيعهم في أسواق النخاسة كإماء وجواري وعبيد، ما لم يعلنوا إسلامهم ووفق المذهب الذي يؤمن به أعضاء تنظيم القاعدة.

ولم تقف طموحات منظمة (القاعدة) وفروعها عند ضرب المجتمع الغربي فحسب، بل غايتهم إسقاط جميع الحكومات العربية والإسلامية وإقامة أنظمة شبيهة بإمارة طالبان في أفغانستان أو ملحقة بها. وما جرى في الجزائر من مجازر منذ عام 1992 كان من أجل هذه الغاية أي لإقامة النظام الإسلامي وحكم الشريعة، وكذلك المجازر التي تعرضت لها مصر، كلها حصلت قبل 11 سبتمبر 2001، تؤكد أهداف منظمة القاعدة. ولهذا السبب نعتقد أنه لولا التدخل الأمريكي، لحققت (القاعدة) الكثير من أهدافها وربما امتلكت أسلحة الدمار الشامل وعندها لم تستطع أي دولة عربية أو إسلامية الوقوف بوجهها ولتساقطت هذه الدول، الواحدة تلو الأخرى، وصارت جزءً من دولة الخلافة الإسلامية البنلادنية المنتظرة التي تملأ الأرض خراباً. وكلما استقوت هذه الدولة الإرهابية توسعت نشاطاتها وضعفت الدول الأخرى. وبذلك لكان الإرهاب شاملاً بشكل مروِّع لم تستطع أية دولة أخرى الوقوف بوجهه غير الدولة العظمى. لذلك نعتقد أن ما يحصل الآن من إرهاب هو في حده الأدنى مقارنة بما لو لم تتدخل أمريكا ضده.

 

تمويل الإرهاب

من الجدير بالذكر، أن هناك عدد كبير من الأثرياء العرب في الخليج ومناطق أخرى في العالم وحتى بعض الحكومات العربية النفطية، يمولون هذه المنظمات الإرهابية لأسباب مختلفة، منها أيديولوجية ومنها لتفادي شرهم مقابل عدم قيام هذه المنظمات بأعمال إرهابية في بلدانها. ومنها سخرت وسائل إعلامها وفضائياتها لخدمة الإرهاب فصارت بوقاً للإرهابيين ونشر أخبار "غزواتهم" وبياناتهم والترويج لهم وتمجيد الأعمال الانتحارية بأنها أعمال بطولية جهادية إستشهادية في سبيل الله والإسلام ضد الكفار. كذلك ساعدت هذه الجهات بفتح مصارف وحسابات مالية لصالح الإرهاب منتشرة في مختلف أنحاء العالم تمتلك استثمارات هائلة في الشركات الغربية وأسواق البورصة تدر على منظمة القاعدة بالأرباح الخيالية لتمويل جرائمها وإدامة ماكنة إرهابها. لكن هذه السياسة ناتجة عن جهل وقصر نظر وانتهازية، لأن في نهاية المطاف، لا يمكن استرضاء الإرهابيين ولو قدر لهم أن ينتصروا، فإنهم سينقلبون حتى على الذين مدوا لهم يد المساعدة، ما لم يخضعوا لهم بالكامل. إذن، ما هي الجهة التي لها القوة العسكرية والقدرة المالية والخبرة الاستخبارتية والتكنولوجية لملاحقة ومطاردة منظمة القاعدة وفروعها الأخطبوطية ومصارفها المالية المنتشرة في العالم غير أمريكا؟

 

هل فشلت أمريكا في حربها ضد الإرهاب؟

كذلك يروج عدد كبير من الكتاب العرب وغيرهم من خصوم أمريكا الذين تعج بهم الفضائيات والصحف العربية والعالمية أن أمريكا فشلت في حربها ضد الإرهاب كما فشلت في مهمتها في العراق وكأن أمريكا أعلنت استسلامها للإرهابيين وانسحبت من العراق قبل إنجاز المهمة الأساسية ألا وهي بناء دولة عراقية ديمقراطية مستقرة. إن أقل ما يقال عن هؤلاء أنهم يمنون أنفسهم ويرددون أفكاراً رغبوية wishful thinking وما يتمنونه يتصورونه أنه قد حصل فعلاً، والتمني رأسمال المفلس. أنهم لا يدرون أو يتعامون عن قصد أن لا أمريكا انسحبت من العراق ولا الحرب على الإرهاب قد انتهت. فأمريكا تخطط في علاقتها مع العراق على أساس ستراتيجية سياسية وعسكرية بعيدة المدى وكذلك يتفق معظم قادة الدول الغربية أن الحرب على الإرهاب هي مسؤولية الجميع وأن الإرهاب هو دولي وليس هناك دولة في حصانة منه. فالحرب على الإرهاب مستمرة سواء في عهد بوش أو الذي يليه ومن أي حزب كان. فالسياسة الخارجية للدول الديمقراطية وبالأخص أمريكا وبريطانيا لن تتغير بتغير قادتها.

 

11 سبتمبر وبيرل هاربر

نقول، إن للتاريخ حكمته، وفي المحصلة النهائية لا يصح إلا الصحيح ولصالح البشرية. في الحرب العالمية الثانية، كانت أمريكا بعيدة عنها، ولكن غباء القيادة العسكرية اليابانية دفعها إلى ارتكاب حماقة القصف الجوي لبيرل هاربر الأمريكية، الأمر الذي أخرج أمريكا من صمتها وعزلتها، فانطلقت غاضبة بكل جبروتها وشاركت في الحرب بكل ثقلها وألحقت الهزيمة بدول المحور. حماقة العسكرية اليابانية كلفت اليابان هزيمة مذلة وشنيعة وقصف مدنها، هيروشيما ونكازاكي، بالقنابل النووية. ولولا التدخل الأمريكي في تلك الحرب الكونية لكان العالم اليوم محكوم بالنازية الألمانية والفاشية الإيطالية والعسكرية اليابانية. ولكن أمريكا هي التي جعلت أوربا واليابان تنعمان اليوم بالديمقراطية والحرية والازدهار الاقتصادي وألقت الفاشية والنازية في مزبلة التاريخ كما حصل للقيطها البعث الفاشي في العراق. إن ما حصل قبل ستين عاماً في بيرل هاربر وأدى إلى تغيير مجرى التاريخ نحو الأفضل، تكرر يوم 11 سبتمبر 2001 عندما قامت منظمة القاعدة بحماقة ضرب البرجين في نيويرك ومبنى البنتاغون، الكارثة التي أخرجت أمريكا من عزلتها بقوتها العظمى كالنمر الجريح لسحق آفة الإرهاب والحكومات المارقة التي ترعى الإرهاب مثل حكومة طالبان وحكومة البعث في العراق.

وبمثل ما كان قصف بيرل هاربر أخرج أمريكا لتلعب دوراً تاريخياً في دمقرطة اليابان وأوربا وحمايتها من النازية، كذلك لعب الإرهاب الإسلامي دوراً في جر أمريكا لدمقرطة المنطقة العربية. ليفهم المثقفون العرب المدمنون على العداء لأمريكا والغرب وأصيبوا بعمى التعصب أنه لولا أمريكا لكانت الكويت وجميع دول الخليج بما فيها السعودية خاضعة الآن لحكم صدام حسين الفاشي. ولولا أمريكا لكان هناك المزيد من المقابر الجماعية في العراقية.

 

خلاصة القول، إن كارثة 11 سبتمبر 2001، كانت حماقة من نتاج التخلف العربي-الإسلامي وكان رد الفعل الأمريكي في صالح البشرية عامة والعرب بخاصة وخلاص الشعبين، الأفغاني والعراقي من أسوأ الأنظمة الفاشية، وإخراج شعوب منطقة الشرق الأوسط الكبير من ظلام القرون الوسطى واستبداد الحكومات القبلية المتخلفة إلى نور الحداثة والحضارة والديمقراطية.

 

للتعليق على هذا الموضوع