19أغسطس 2006

 

 

 

 

 

طريقة تفكير العربي المقهور

عبدالرحمن الحبيب*

 

مع انتهاء العمليات العدائية وتوقف الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان بعد صدور قرار مجلس الأمن 1701، كان من الطبيعي أن ينشأ حوار ونقاش حول هذه الحرب.. ما جدواها؟ من الخاسر ومن الرابح؟ ما الدروس المستفادة..إلخ ومن الطبيعي والصحي أيضا أن تنشأ مع هذا الحوار خلافات وتفاوتات في وجهات النظر..

الإشكالية أن النقاش تحول إلى حوار طرشان، وذلك على مستويين.. المستوى الأول هو المبالغة في الخوض بموضوع من بدأ الحرب؟ البعض يراها مباشرة بعملية خطف الجنديين الإسرائيليين، بينما البعض يراها أبعد من ذلك، كجزء من معارك لحرب طويلة الأمد بدأتها في الأصل إسرائيل.. ولا غضاضة في هذا الحوار لولا المبالغة الحادة في التمترس في وجهات النظر ودورانه في حلقة مفرغة، على طريقة السؤال الأزلي من الأول البيضة أم الدجاجة؟

أما المستوى الثاني من الإشكالية فهو إلقاء الاتهامات الجزافية على الطرف المحاور الآخر، واتهام المختلف بالعمالة أو الخيانة أو الكفر أو في أحسن الأحوال بالجبن والضعف والخور.. بينما الطرف الآخر يتهم مخالفه بالنفاق وابتزاز الغوغاء والحمق والتهور والجمود.. هنا تتم شخصنة المواضيع.. بحيث يتم تحويل الآخر إلى رمز للشر مقابل الخير الذي لدى الأنا.. وبدلاً من أن نواجه الأزمة أو الخصوم أصبحنا نواجه بعضنا بعضا!

 

هذا النمط من الحوار هو في تقديري ما يمكن أن أطلق عليه طريقة تفكير المقهور سيكولوجياً وأدائيا. إن ما تمر به المنطقة العربية من حروب وأزمات حادة وفشل في مشاريع التنمية والتحديث وانتشار للفقر، جعل من عالمنا المحيط عالماً لا عقلانيا، أنتج من ضمن ما أنتج طريقة في التفكير لا عقلانية.. وحالة متوترة وردود فعل عاطفية وانفعالية.. وكلما زادت الأزمة حدّة، كما يحدث في وقت الحرب تزداد هذه العقلية توترا وتبتعد عن الموضوعية أو ربما تتلاشى موضوعيتها..

ولأن الواقع المحيط أصبح صعباً تحليله منهجيا وفهمه، فهو يتحول في ذهن المقهور سيكولوجيا من واقع معيش إلى واقع تخيلي.. من واقع وجود إلى واقع وجدان.. فيلجأ كثير من المحللين إلى المبالغة في استخدام المصطلحات الوجدانية مثل: الكرامة، والعار، والنخوة، والشهامة، والشجاعة، والبطولة.. والتقليل من المصطلحات الواقعية مثل: المصلحة، والمنفعة، والاقتصاد، والاستراتيجيا والتكتيك.. بمقابل ذلك نرى المحلل في الدول المتقدمة عقلانيا منهجيا بعيدا عن الانفعال العاطفي، لأنه إزاء محيط منظم منسق، يمكنه من استخدام المنهجية الموضوعية بفاعلية..

 

هذه الحوارات المتشنجة تبدأ بأسئلة موضوعية ونقدية، لكن ما أن ينتصف الحوار وتتفاوت وجهات النظر حتى يتحول إلى مشاحنة وتبادل للتهم، رغم أن المطلوب هو الحصول على نتيجة من الحوار نتفق أو نختلف حولها، بهذا القدر أو ذاك.. فليس المطلوب هو الدفاع عن وجهة نظري والهجوم على وجهات نظر الآخرين، ربما هذه من مهمات المسؤول السياسي ولكنها ليست من مهام المفكر ولا المثقف ولا المحلل الموضوعي ولا الفرد العادي الذي يبحث عن مقاربة للحقيقة..

إن من أهم مظاهر سيكولوجية الإنسان المقهور الانكفاء على الأنا (الذاتي)، لأنه غير قادر على فهم الخارج الواقعي (الموضوعي) وغير متقبل له عقلانيا، وهنا تتراكم انفعالاته وتتضخم، لتنفجر في أول خلاف في حوار جدلي أو واقعي.. محيلا المخالف من حالة وجود إنسانية حيوية إلى كيان عدائي ورمز شيطاني يبرر له انفعاله وهجومه عليه واتهامه بشتى التهم..

وحين تهيمن الحالة الانفعالية على المنهج والعاطفة على الموضوع، تتم الإجابة على الأسئلة التي أشرت لها في المقدمة بإجابات غير منطقية ولا عقلانية بل إجابات ترضي الذات المنكفئة على نفسها.. فيتحول نصف النصر إلى نصر مظفر لنا وهزيمة ساحقة ماحقة بالعدو.. أو مثلا يتحول عدم قدرة عدونا على سحقنا بنصر مبين لنا! وقد يكون ذلك صحيحاً وقد يكون غير صحيح، لكن الأساس الذي تم الاستناد عليه لم يكن موضوعيا، بل رغبة عاطفية بالنصر.. ومن منا لا يرغب بالانتصار!؟

 

ولا تقف سيكولوجية الإنسان المقهور عند هذا الحد من الخلل المنهجي والجدل الحواري، بل تتعداه، إلى تبرير العنف، وتبجيله أحيانا، حيث الانكفاء على الذات حين تتضخم يتحول إلى عدوان لفظي على الآخر، ثم لا يلبث أن يتطور إلى عدوان مادي، لكي يتجنب أزمته الذاتية التي يفضحها الآخر.. أو كما ذكر مصطفى حجازي في كتابه سيكولوجية الإنسان المقهور: ".. يصبح العنف هو الوسيلة الأكثر شيوعا لتجنب العدوانية التي تدين الذات الفاشلة بشدة، من خلال توجيه هذه العدوانية إلى الخارج بشكل مستمر، أو دوري، كلما تجاوزت حدود الاحتمال الشخصي. وهكذا، فالعنف قد يكون فوضويا مدمراً يذهب في كل اتجاه.."

 

غاية القول إن المقهور سيكولوجيا منكفئ على ذاتية الفردية أو الجماعية، ناقم على العالم الخارجي، يفرح بالأزمات ويتمنى لها أن تزيد حدة، على طريقة اشتدي يا أزمة تنفرجي، لكن دون أن يكون له دور إيجابي في انفراج الأزمات. فكل ما يريده هو مزيد من الفوضى والبلبلة لعل ذلك يعيد تنظيم الأشياء من جديد بما هو مناسب له.

alhebib@alwatan.com.sa

 

(عن "الوطن" السعودية)

 

 للتعليق على الموضوع