22  يناير 2006

 

 

 

 

الشيخ سعد رمز.. والرموز لا تقصى

المحامي محمد عبد القادر الجاسم

 

 تلقيت العديد من الاتصالات والايميلات حول مقالي الأخير بشأن مدى جواز عزل الشيخ سعد العبدالله من الإمارة، وهي اتصالات وايميلات تركز على السؤال عن الحل الواقعي في حال الأخذ بالفكرة التي طرحتها في ذلك المقال وهي عدم جواز عزل الأمير طبقا للمادة 3 من قانون توارث الإمارة.

 

ومن اجل توضيح الفكرة وبيان المخرج الدستوري للوضع الراهن اكتب هذا المقال لعل يكون فيه الرد الكافي على الاستفسارات.

 

وأود قبل بيان الجانب القانوني في الإشكال الراهن ان امهد بكلمة فأقول ان الشيخ سعد رمز... والرموز لا تقصى... فإما نحافظ عليه رمزاً او نسهل عليه الاعتزال.

 

لقد خسرت الأسرة الحاكمة الكثير من جراء ما حصل وسوف نحصد نتائج مؤسفة مستقبلا لما حدث أيا كانت النتيجة النهائية. ان حل الاشكال الراهن سهل ان حسنت النوايا.

 

اعود الى موضوع المقال واقول انه تجدر الإشارة الى الدستور الكويتي وكذلك قانون توارث الإمارة لم يستعملا كلمتي "عزل" أو "تنحية" الأمير ذلك انه من المفترض في الأنظمة ذات الحكم الوراثي ان الحاكم يستمر في حكمه مدى الحياة.

 

وبناء على هذا الافتراض نظم قانون توارث الإمارة عملية انتقال الحكم بموجب المادة 4 والتي تنص على انه اذا خلا منصب الامير نودي بولي العهد اميرا. وهو الاجراء الذي اتبع بعد وفاة المغفور له الشيخ جابر الأحمد حيث تمت مناداة ولي عهده الشيخ سعد العبدالله اميرا للبلاد. كما واجهت المادة 4 من ذات القانون حالة خلو منصب الامارة قبل تعيين ولي العهد فمنحت مجلس الوزراء جميع اختصاصات رئيس الدولة لحين اختيار الأمير الجديد.

 

واذا كانت الوفاة هي الطريق الطبيعي لخلو منصب الإمارة فإن هناك طريقين "استثنائيين" لخلو المنصب وهما تنحي الأمير طواعية عن الحكم او فقده احد الشروط او القدرة الصحية. ولم ينظم الدستور أو قانون توارث الإمارة حالة تنحي الأمير عن الحكم برغبته، ولكن يرى بعض فقهاء القانون الدستوري ان انه يلزم تصديق مجلس الأمة على التنحي. اما بشأن فقد الأمير أحد الشروط الواجب توافرها فيمن يشغل هذا المنصب او فقده القدرة الصحية فقد عالجتها المادة 3 من قانون توارث الإمارة على النحو الذي ذكرته في المقال السابق ونوجزه في ان الاجراءات تبدأ من مجلس الوزراء بعد التثبت من فقد الأمير القدرة الصحية أو فقده احد الشروط، والتثبت هنا يلزم ان يكون حقيقيا لا صوريا، بمعنى انه اذا كان الأمير قد فقد القدرة الصحية فإن التثبت من ذلك يكون عن طريق لجنة طبية محايدة تتولى فحص الأمير وتقدم تقريرها الى مجلس الوزراء، وليس بوسع مجلس الوزراء ان يتثبت بنفسه او من خلال رئيسه أو بعض الوزراء . واذا تثبت مجلس الوزراء من فقد الأمير القدرة الصحية عرض الأمر على مجلس الأمة في الحال لنظره في جلسة سرية خاصة. فإذا ثبت للمجلس بصورة قاطعة فقدان الشرط او القدرة قرر بأغلبية ثلثي الاعضاء الذين يتألف منهم انتقال ممارسة صلاحيات الأمير الى ولي العهد بصفة مؤقتة او انتقال رئاسة الدولة اليه نهائيا.

 

ومن نص المادة 3 نخلص الى ان قرار مجلس الأمة، بعد تثبته من فقد الأمير القدرة الصحية، هو قرار مقيد ومحدد وهو (انتقال ممارسة صلاحيات الأمير الى ولي العهد مؤقتا او نهائيا) اي ان مجلس الأمة لا يملك اتخاذ قرار (بتنحية) الأمير أو (بعزله) فالدستور وقانون توارث الإمارة لا يعرفان كما اشرت التنحية او العزل.

 

ومن الناحية العملية من غير المتوقع ان يثير تطبيق المادة 3 من قانون توارث الإمارة اشكالا في حالة وجود ولي العهد، فالمجلس يقرر انتقال رئاسة الدولة اليه مؤقتا او نهائيا. غير ان الاشكال يثور في الوضع الحالي وهو ان مجلس الوزراء يريد تفعيل المادة 3 من قانون توارث الإمارة رغم عدم وجود ولي للعهد. وبالتالي فما هو القرار الذي يمكن لمجلس الأمة ان يتخذه؟

 

بالطبع لا يستطيع المجلس اتخاذ قرار بنقل ممارسة صلاحيات الأمير الى ولي العهد لأنه لا وجود لولي عهد، وصلاحيات الأمير لا تنقل الى مجهول او شخص غير موجود، وعلى ذلك ليس في وسع مجلس الأمة اتخاذ القرار المنصوص عليه في المادة 3 من قانون توارث الإمارة. والسؤال المطروح وهو الذي تركزت حوله استفسارات من قرأ المقال السابق هو ما القرار الذي يمكن لمجلس الأمة اتخاذه على فرض انه تثبت من عدم قدرة الشيخ سعد صحيا؟

 

هناك من يتصور ان بإمكان المجلس ان يتخذ قرارا (بعزل) الشيخ سعد ومن ثم يكون منصب الامارة قد خلا قبل تعيين ولي العهد فتنتقل السلطة الى مجلس الوزراء حسب المادة 4 من قانون توارث الإمارة. ولكن هذا القول غير صحيح اذ ليس من صلاحيات مجلس الأمة (عزل) الأمير ولو قلنا ان بإمكان مجلس الأمة اتخاذ قرار آخر غير المنصوص عليه في المادة 3 من قانون توارث الإمارة فهذا يعني ان لمجلس الأمة ان يعزل الأمير دون أن ينقل صلاحياته الى ولي العهد ان كان موجودا! وفي هذا القول خروج صارخ على نص المادة 3.

 

وقد يقال ان بإمكان مجلس الامة بعد ان يتثبت من عدم قدرة الشيخ سعد ان يصدر قرارا (بخلو منصب الإمارة) وانه في هذه الحالة تطبق المادة 4 من نفس القانون التي تعالج حالة خلو منصب الامير قبل تعيين ولي العهد. لكن هذا القول مردود عليه ايضا بأن مجلس الأمة لا يملك صلاحية الخروج على نص المادة 3 واتخاذ قرارا بديلا عما نصت عليه المادة ذاتها.

 

كما قد يقال بأن لمجلس الأمة ان يصدر قرارا بعد التثبت من فقد الشيخ سعد القدرة الصحية (بانتقال السلطة مباشرة الى مجلس الوزراء) وهذا ايضا خروج على مقتضيات النص وحرفيته ولا يرتكز على اي سند دستوري او قانوني.

 

ويبقى السؤال قائما: ما هو المخرج؟

 

ان "المخارج" المتاحة في الحالة الراهنة هي "مخارج" سياسية وليست دستورية، وحين تطغى السياسة على الدستور والقانون يضحى كل شيء مباح. لكن هناك مخرج "مزدوج" اي اساسه سياسي وروحه قانونية وهو "نظرية الضرورة".

 

اعود فأقول ان النوايا الحسنة ووضع مصلحة البلاد في المقدمة هو الكفيل بحل الإشكال الراهن. انني على ثقة بأن اجتماع "الكبار" بعيدا عن "تكتكات الصغار" سوف يقود الى حل يحفظ للأسرة الحاكمة كرامتها ويصون مكانة الشيخ سعد العبدالله السالم.

 

للتعليق على هذا الموضوع