14 سبتمبر 2005

 

 

 

 

الأنصاري: المواريث القمعية هي العمود الفقري لبنية التطرف في الخليج

 

 

 

* الكتاب: الجذور الفكرية للتطرف في الخليج

* المؤلف: الدكتور عبدالحميد الأنصاري

* الناشر: مركز الدراسات الاستراتيجية والمستقبلية - جامعة الكويت 2005

 

هذا الكتاب محاضرة تحدث فيها أستاذ القانون وعميد كلية الشريعة سابقا بجامعة قطر الدكتور الأنصاري عن ظاهرة الإرهاب وجذوره فكريا.

ويشير مدير مركز الدراسات الاستراتيجية والمستقبلية بجامعة الكويت الدكتور شملان العيسى في تقديمه للكتاب إلى ندرة الدراسات والمحاضرات التي تصوب أفكارها ومناهجها ووسائل تقييمها وحكمها على ظاهرة الإرهاب والتطرف بمنطقة الخليج، بطريقة موضوعية مباشرة تحمل الكثير من جراءة الطرح وعمق التحليل، فغالبية الدراسات والبحوث تتناول تلك المواضيع المصيرية لشعوب المنطقة بطريقة إنشائية فيها كثير من اللغة الوعظية والفضحية ومفتقدة للتحليل العلمي والاجتماعي، ولعل المقالات والمحاضرات التي يلقيها الدكتور عبدالحميد الأنصاري من تلك المحاضرات النادرة التي أشرنا إليها في البدء ويأخذ المركز على عاتقه نشرها في متن هذا الكتاب.

إن ظاهرة التطرف والإرهاب وإن كانت من الظواهر الحديثة على المجتمعات الخليجية التي اشتهرت تاريخيا بميلها للتعاطي السلمي في علاقات مواطنيها وشرائحهم البينية، فإنها ينبغي أن تكون محل بحث عميق لتفكيك بنية تيارات الغلط وقاعدة التفكير لديه، فهذا الفكر لم تحصد فيه السنوات الأخيرة شعوب ودول منطقة الخليج سوى المزيد من المرارات والعزلة والتأخر.

 

مؤلف الكتاب يتناول حقائق وتحديات مصيرية ينبغي الالتفات إليها وتسليط الأضواء البحثية بصددها، فهو يشير إلى وجود بعدين (داخلي وخارجي) ساهما على امتداد سنوات طويلة في الاستئثار بمنابر التوجيه والتعليم والتثقيف مما أدى لخلق بيئة التطرف وتعميق الموروث القمعي، كما أنه يركز في سياق محاضرته على العمود الفقري لبنية التطرف وجذوره الفكرية التي ابتليت بها المجتمعات الخليجية، وهي تتلخص في 8 مفاصل مهمة يجدها القارئ في سياق الكتاب، ساعدت ودفعت لتكريس مناخ التطرف في منطقة لم تألفه بهذه الصورة من قبل.

 

يقول المؤلف إن ما يجري على الساحة الخليجية من انتكاسات غير حضارية - الآن - يدفعنا إلى طرح تساؤلات مشروعة:

ما الذي جرى للمجتمع الخليجي مع أنه الأكثر انفتاحا على العالم، والأكثر تعاملا مع ثقافاته وشعوبه، والأعلى استجابة لمتغيراته ومعطياته؟

 

لماذا أصبح بعض شبابنا كارهين للحياة والأحياء، ناقمين علينا، متوجسين من الحضارة المعاصرة؟ لماذا تحولوا إلى قنابل موقوتة ضد أنفسهم ومجتمعاتهم وضد الآخرين؟ لماذا أصبح أبناؤنا الشباب وراء كل عملية تفجيرية في كثير من المجتمعات؟ لماذا أصبح الخليج مصدر توتر وقلق للعالم كله؟

 

أتصور أن المجتمع الخليجي يقذف الآن أسوأ ما في أحشائه من مواريث قمعية مكبوتة لا تستطيع مسايرة المتغيرات ولا تتكيف مع استحقاقات الإصلاح ومطالبه.

 

وهذه المواريث القمعية تم زرعها في البنية المجتمعية على امتداد سنوات طويلة بتأثير من تيارين فكريين: داخلي وخارجي مُكنا واستأثرا بمنابر التوجيه والتربية والتعليم والتوعية والتثقيف زمنا طويلا.

 

أما العمل الداخلي فتمثل في انتشار الفكر السلفي التكفيري وترويجه عبر المنابر والمؤسسات، وهو فكر إقصائي قمعي يشكك في معتقدات أغلبية المسلمين ويتهمهم بالضلالة والابتداع والانحراف، ويرى في استخدام العنف وسيلة مشروعة في فرض آرائه ووصايته على المجتمع ولا يرى في المرأة إلا وسيلة لمتعة الرجل وإنجاب أولاده.

 

وأما العامل الخارجي فهو فكر الإسلام السياسي الذي هو إفراز للصراع على السلطة السياسية في بعض الدول العربية، نشأ هناك ووفد إلى الخليج ليحدث توترا سياسيا بين أهل الخليج بعد أن فشل في مواجهة السلطة هناك. وهو فكر، بنيته الأساسية تقوم على أيديولوجية الصراع مع الغرب وتحميله مسؤولية تخلف الأوضاع العربية واتهام الأنظمة السياسية الخليجية بالتبعية وتخوين المثقفين المدافعين عن قيم الحداثة والتنوير والديموقراطية والعقلانية والذين يتبنون منهجا للتاريخ والحضارة والتراث والأوضاع السائدة واتهامهم بأنهم عملاء الغرب وأمريكا.

 

لقد تحالف هذان التياران ضد المنادين بالعقلانية والمنهج النقدي وثقافة المراجعة، الأول "يكفر" والثاني "يخون" في ادعاء شمولي يحتكر الدين والوطنية ويقصي المخالفين.

 

لقد أثمر زرع أصحاب هذين التيارين بفعل ترويج أفكارهم ونشر كتبهم وفتاواهم وأشرطتهم وأناشيدهم، وها هي المجتمعات الخليجية تحصد تلك الثمار المرة: تشددا وغلوا وعنفا وإرهابا وكآبة وبؤسا.

 

وخلص المؤلف في النهاية إلى أنه لا يمكن للمجتمع الخليجي أن يواجه المد المتصاعد للتشدد إلا بثقافة المراجعة وبإعادة النظر في المنظومة الثقافية العامة برمتها، وعبر تبني منهج النقد والمحاكمة للمفاصل المجتمعية الحاكمة: تربية وتعليما وتوعية دينية وثقافية وإعلامية وتشريعية.

(الوطن- أنور ياسين)

 

للتعليق على هذا الموضوع