20 أبريل 2005

 

إما الطغيان أو خسارة الأوطان: هل ثمة مناص؟

د. عبد الرزاق عيد

 

لقد نضجت العوامل الموضوعية للتغيير في سوريا الى الحد الذي يتجاوز النضج باتجاه الاحتراق ("الشواط) إن كان النضج يستعار هنا مجازيا- للطبخ، وبلوغ حد الشيخوخة الطاعنة إن لم نقل الاحتضار الطويل في غرفة الانعاش حيث ما يشبه الموت السريري - إن كان النضج هنا يستعار بمعنى أعمار الناس- إن لم نقل تحوّل كيان الجسد الاجتماعي الى جثة فاحت رائحتها لتصل أنوف العالم الذي يتداعى الآن لمواراتها، بعد اقتطاع أحد أضلاعها الحية، (لبنان) قبل أن يتآكله التفسخ.

 

لست اقتصاديا لأقيّم الوضع الاقتصادي، لكني أعرف أن تقوّض الطبقة الوسطى أدى الى استقطاب فاحش على مستوى التمايز الاجتماعي، ولا أسميه الطبقي، لأن حالة الاستقطاب في سوريا لا تتم على أساس اقتصادي طبقي، بل على أساس تسلطي (بلطجي): أدوات الانتاج فيه البارودة والدبابة والمدفع، حيث وسائل الانتاج هذه تقتطع حوالي ثلثي الموازنة العامة: 34 % للأمن القومي و29% للجيش وفق بعض الاحصائيات، مما أدى الى حالة استقطاب عبودي، حيث 5% من السادة الأوليغارشية يستحوذون على 95 % من الدخل الوطني العبودي، مقابل 95 % من العبيد لايحصلون على أكثر من 5 % مما يتفضل به السادة.

 

كما أعرف كأي مواطن أن الأموال المنهوبة من البلاد هي أعلى نسبة أموال نازحة في العالم، وهي تعادل عشرات أضعاف الموازنة العامة سنويا، حيث تبلغ وفق اعترافات رسمية لوزير الاقتصاد بين 100 و125 مليار دولار. ولا أعرف متى ستقرر الأمم المتحدة وضع اليد عليها باسم الشعب السوري، لَتُعادَ اليه حين يستعيد زمام إرادته وحريته. كما أعرف بتجربتي الشخصية والمعاشية بأن قطاعات واسعة تعيش دون خط الفقر، وحياتها كلها "عام الرمادة" وليس عاما واحدا فقط الذي كان يرفض فيه عمر بن الخطاب أن يذوق فيه مرق اللحم إذا ما لم يذقه المسلمون. أعرف بشرا "ليس بالمعنى العضوي فحسب بل الروحي والأخلاقي الرفيع الذي لا تجد أمثالهم نبلا وعفة بين فئة 5%، هؤلاء البشر نسوا طعم المرق، وكرامتهم البشرية تتعالى في داخلهم عن القبول بالصدقات (ضحايا عيد الأضحى)، أو أن يذوقوا مرق الدجاج من خلال شراء (رقاب ورؤوس الدجاج وأوراكها) وهو أمر شائع في أسواق الدجاج في سوريا...!

 

الحراك الاجتماعي معطل، بسبب تفعيل قانون الولاء السياسي والحزبي بل والأمني، حيث مئات آلاف الشباب بدون أي حلم بتغيير أوضاعهم المعاشية ومراتبهم الاجتماعية، التي كانت متاحة مع وجود الطبقة الوسطى التي تشكل عادة - سلما مجتمعيا للحراك الاجتماعي.

 

مما أدى الى عملية إفقار روحي ومعنوي وانطفاء الحماس الوطني والقومي لدى كل شرائح المجتمع العبودي بما فيها حتى على مستوى الرياضة. لم يعد جيل الشباب الرياضي يرفع رأسه وطنيا على هذا المستوى، فالانحطاط يطال كل حيزات المجتمع على مبدأ الأواني المستطرقة أو لعبة العلب المتداخلة الروسية، بسبب سياسات المحاباة والإنتفاع على أساس (الواسطة والدعم) على حساب الكفاءة. والأمر نفسه على المستوى الفني: السينما والتلفزيون، رغم أنه شهد تطورا لافتا يشير الى مدى غنى الحياة الثقافية والروحية للمجتمع السوري العصيّة على التدمير، حيث يحق للدراما السورية وكتابها وممثليها ومخرجيها تحية وطنية خاصة.

 

ناهيك عن الخراب الذي حاق بالتعليم بدءا من التعليم الابتدائي انتهاءا بالتنعليم العالي، وفضيحة أن غالبية أساتذة الجامعة اليوم، هم من الذين أوفدوا على أساس مواهبهم (المظلية والأمنية) أشهر من أن نعود إلى سردها مع استمرار مَنح ما سميناه من قبل بالعلامات النضالية للقبول في الجامعات.

 

والقضاء لم يبق منه سوى قضاء الله وقدره، والقانون لم يبق منه سوى قانون الغاب، أي الأحكام العرفية الممثلة بدور الأجهزة الأمنية المخابرتية، التي انحطت بالدولة الى مستوى السلطة الغاشمة، التي لم تعد تقرر السياسات الداخلية الكابوسية على حياة الناس فحسب، بل والسياسات الخارجية التي قادتنا الى هذه العزلة العالمية، عربيا ودوليا. مما يعني أن هذه السلطة الغاشمة لم تعد خطرا على مستقبل الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية، بل خطرا على الأمن الوطني بسبب طيش ورعونة سياساتها الخارجية التي لا يمكن لها إلا وأن تعرض سيادتنا الوطنية للإنتهاك، انطلاقا من المبدأ القائل أن الطغاة هم الذين يفتحون أبواب الأوطان للغزاة، حيث لا خيار أمام سياساتهم: إما الطغيان أو خسارة الأوطان.!

 

هذا التوصيف المكثف يشير الى مدى نضج أسباب عوامل التغيير على المستوى الموضوعي في سوريا.

 

لكن العامل الذاتي هو نقطة ضعف التغيير، بل هو سبب تأجيله الذي أوصلنا الى حالة الخراب التي أشرنا اليها.

 

بيد أن النظام الذي فقد أوراق لعبة الديمومة والبقاء عبر فن إداة الأزمات الإقليمية (الورقة الفلسطينية واللبنانية) أصبح ظهره إلى حيط المجتمع الذي كان قد دمره من قبل، أي أنه يستند اليوم إلى حائط مجتمع شعبي مدمر في سلبيته ودرجة انسحابه من دائرة الشأن العام، رغم رفضه لنظامه، لكنه الرفض المضمر والصامت المكبوت والخائف (المضبوع)!

عالمنا يتسارع ايقاع حركته باتجاه مزيد من التوحد والتكامل بل والإندماج، حيث يصعب أن نرى أنساقا للداخل تجاور أنساقا للخارج دون تداخل وتفاعل. فمنذ المرحلة الكولونيالية الإستعمارية الأولى والعالم (يتعولم) وقد بلغ ذروة عولمته هذه بجوانبها السلبية والإيجابية ذروة الإندماج الكوني مع ثورة الاتصالات والمعلومات اليوم، مما غدا من الصعب الحديث عن داخل منكفيء على داخليته أو قادر على الإنكفاء حتى لدى الدولة الأقوى في العالم.

 

فحتى الولايات المتحدة لم يعد لها داخل يستعصي على الإختراق، إذ لم تعد تحميها حواجزها الجغرافية القارية التي كانت تراهن على منعتها الطبيعية ضد أي هجوم خارجي للجيوش في كل حروبها السابقة. فإذا اليوم بسبب التقدم التكنولوجي التي تشكل هي أحد أهم قلاعه يغزوها مجموعة من الشباب فيقوضوا الأمان الأمريكي بمجموعه بهجوم 11 أيلول الشهير.

 

فإذا كانت الدولة العظمى الأكبر في العالم لم تعد قادرة على الانطواء على داخلها، فكيف بالبلدان التي لم تقم أي جهاز مناعي أمني وطني وقومي اقتصاديا وسياسيا ومن ثم عسكريا، سوى ما قامت به من بناء القوة على مستوى جبهة الداخل فحسب، أي على مستوى جبهة المجتمع والشعب، بعد أن تكشفت شعارات التوازن الاستراتيجي عن واقعة وحيدة مفادها: أن هذه الشعارات لم تتحقق إلا على مستوى مواجهة مجتمعاتها وشعوبها، أي تحقيق التوازن الاستراتيجي مع المجتمع والشعب...!

 

فعلى هذا فقد كانت العبرة الوحيدة التي خرجت بها الولايات المتحدة الأمريكية بعد 11 أيلول، أنها يستحيل عليها أن تحل مشكلاتها في الداخل دون أن تحل مشكلاتها مع الخارج، ليكون شعارها اليوم إن أمنها الداخلي يكمن في أمن العالم بمجموعه، وأنه يستحيل عليها أن تؤمن أمنها الداخلي، إذا كان العالم مسكونا بالفوضى والعنف وإفتقاد الأمن.

 

إن جاهزية المعارضة سياسيا لعملية التغيير جاهزية عالية من حيث توحد مشترك الحقل الدلالي التداولي لمفردات البرنامج السياسي الديموقراطي لدى كل أطياف الحركة الديموقراطية المعارضة، لولا ثقالات الوعي القوموي التقليدي الراكد المحافظ المترع بثوابت ايمانية لدى الجهات الأضعف على مستوى التركيبة النوعية الفكرية المشكلة للمعارضة. إذ تجد نفسها بسبب تقليدويتها ومحافظتها وعقلها الثوابتي تلتقي بنقطة واحدة مع النظام، هي نقطة فحواها: تصور بائس وساذج في أحسن حالاته عن ممكنات المقاومة الوطنية لنظام متهالك على أطماعه ومطامحه السفلى، بدون المشاركة الديموقراطية للمجتمع والشعب، إذ لم يستفيدوا أبدا من درس العراق الذي مفاده أن قد تم اختراق كل أوهام ثوابته الوطنية والقومية بسبب استبداديته وشموليته الديكتاتورية التي عزلته عن شعبه ومجتمعه، بعد أن غَيَّبَت هذا الشعب عن نفسه ووطنه وكسرت روح الإباء والمقاومة في داخله. هذا الدرس يفترض أنه قد حسم القول في أن الديموقراطية غدت مدخلا لابد منه لحل المسألة الوطنية؟ إذ لا معنى للوطنية مع الاستبداد والشمولية، وأن خروج الشعب والمجتمع من العملية السياسية الوطنية الديموقراطية سيكون مآله بالضرورة الخروج من جبهة المقاومة الوطنية عندما تتهدد الأوطان.

 

لكن مع ذلك - فإن قصورالمعارضة إنما يكمن بافتقادها للجاهزية الشعبية، يعد أن أنهك النظام الشمولي القوى المعارضة سحلا وسجنا وتشريدا من جهة، ومن جهة أخرى فقد أشاع رعبا مرضيا (عصابيا) في أوساط الشارع المجتمعي والشعبي فأعمى بالإستبداد والقمع بصر الأمة وبصيرتها وأفسد أخلاقها ومروءتها على حد تعبير الكواكبي.

 

لكن كُلّنا أمل أن لا نكون بلغنا حدا من العطالة والفساد والاستبداد إلى حالة من التسفل والحضيضية، أن نصبح معها بلادا: حكامها طغاة وجلادون، وشعوبها عبيد مستعبدون غير جديرين بالحرية، فلا نكون أهلا للحرية كما عبر الكواكبي في زمنه عن وضع مجتمعه مع السلطة التركية العثمانية. فعندها تأتي عواصف الخارج لتذهب في كل شيء بددا، وذلك كما حدث مع الموجة الأولى للعواصف التي اجتاحت بلادنا مع الاستعمار الغربي بعد الحرب الأولى واتفاقات سايكس بيكو، أو كما حدث مع جارنا العراق الذي أغلق داخله على حجم أطماع طغمه دون العالم واتجاهات حركة تطوره، فأتاه الخارج العالمي إلى الداخل الذي كان قد تحوّل إلى معتقل للشعب، حال دونه وحقه في الدفاع عن وطنه وسيادته لا عن سيادة أسياده الطغاة.

 

أما الأدوات والوسائل التي نرجو اعتمادها للتغيير انما هي وسائل التغيير الديموقراطي فقط ولا وسائل غيرها، لأن الحركة الديموقراطية في سوريا كما تعكسها العملية السياسية القائمة، على درجة من الانهاك أنها لا تملك سوى وسائلها السلمية. فهي غير قادرة على مواجهة تعسف وطغيان الداخل (النظام) ولا قوة الجيوش والغزو والاحتلال (الخارج)، ومثالنا مثال العراق قبل الاجتياح الأمريكي.

إن مجرد الإحالة من قبل أهل النظام على مستقبل الاصلاح والتغيير من خلال المؤتمر القطري، انما يدل على أن قوى الأمر الواقع وتأبيده لا تريد أي اصلاح وأي تغيير، وانما تريد أن تلعب بأوراقها القديمة لكسب زمن جديد إضافي في الوقت المستقطع حسب لغة الرياضة.

 

إن العملية السياسية في سوريا هي عملية تنفيذية بحتة مناطة بثلاثي: (الرئاسة والأمن والجيش)، في حين أن الحزب طُرِدَ من ساحة الفعل السياسي الحقيقي الى ساحة (البروباغندا) الاعلامية والايديولوجية منذ سبعينات القرن الماضي. فأية إحالة للمستقبل من خلال الإحالة إلى هذا الحزب الهرم المصاب بـ (ألزهايمر) إنما هي إحالة ساخرة إن لم نقل (مسخرة) تلفت الأنظار عن حقيقة صانعي السياسات في سوريا، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، كيف يمكن أن يكون هناك إصلاح دستوري تشريعي خارج السلطة التشريعية (البرلمان)، هذا إذا قبلنا شكلا أن لدينا برلمان، والذي يفترض في أول أولوياته أن يصوت بإرادة السطات الثلاث (الرئاسة والأمن والجيش) الحاكمة فعلا، على الغاء حالة الطوارئ والأحكام العرفية والإستثنائية، والذي يستدعي بالضرورة الغاء البند الثامن من الدستور الذي يشرع لواحدية حكم البعث.

 

لو أن أهل النظام أعلنوا عن جلسة تشريعية للـ (برلمان)، تمهيدا لعقد مؤتمر وطني يجمع كل الأحزاب المعارضة والأطياف السياسية والتجمعات الأهلية، المدنية والثقافية، لصدّقنا نصف الكذبة على الأقل. وذلك لأن أهل النظام غير قادرين على هذا المطلب الذي تطرحه كل أطراف الحراك الديموقراطي، لأن أهل النظام على درجة من استشعار القوة على مجتمعاتهم بلغت بهم حد ( البارانويا). فهم لا يرون سوى أنفسهم ووجوههم في مرآة ذاتهم. أما أن نعوّل على قرارات مؤتمر قادم لحزب شاخ وترهل وتصلبت شرايين دماغه، ولا يستطيع أن يرى أحدا سوى من يحسّن له صورة وجهه القبيح، كالجبهة (الوطنية التقدمية) التي تفسخت بيولوجيا بتفسخ كياناتها ليس الحزبية فحسب بل والبشرية، إنما هي مراهنة أشبه بنكتة سوداء سمجة. ولا أدل على تهافت الإرادة في التغيير أننا لا نسمع حتى اليوم- عن حوارات سوى مع أطراف التفسخ الجبهوي تلك، التي على الأرجح ستنصح بتوسيع جبهة المنتفعين، وتحذر من هذه اللحظة التاريخية التي تلتقي فيها المصلحة الوطنية مع المصلحة الدولية في الدفع باتجاه الديموقراطية، على اعتبار أن ما يحدث ليس إلا مؤامرة امبريالية، سيعبرون عن استعدادهم بـ (روح ودم) الشعب السوري على الصمود والتصدي لأنه لم يبق بينهم من فيه روح ودم وأنهم سيقاتلون جحافل التتار، تماما كما قاتل الأشقاء في العراق...!

 

فالإستبداد لا يريد أن يرحل، لأن السادة (الرعاع) المستبدين الذين لايتجاوزون 5 % من المجتمع، يتصرفون بثروة 95 % من هذا المجتمع المستعبد عن يد وهو صاغر أمام قوة وسائل انتاجهم (البارودة والدبابة والمدفع)! فنادرا- عالميا- أن يتاح لجزء على هذا المستوى من الضآلة، أن يتحكم بالمصائر الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لكل بهذه الضخامة!؟

 

إن عدم رحيل الاستبداد لن يقود إلى مزيد من عزلة المجتمع والشعب عن السياسة فحسب، ولن يؤدي الى مزيد من النهب والسلب لاقتصاد الوطن والشعب، وتقزيم احساس الفرد بمواطنيته، واستشعاره بهامشيته، وقتل احساسه بالحماس للشأن العام وكل ما هو خارج أناه العضوية، وإعدام مقومات وجوده ككائن اجتماعي شريك للكل الاجتماعي بالكل الوطني. بل سيؤدي عدم رحيل الاستبداد ليس إلى كل ذلك الدمار فحسب، بل سيفتح الأبواب مشرعة للتدخل الخارجي، وهذا ما دعوناه بـ"خطر النظام على مستقبل الأمن الوطني السوري"، وذلك بسبب طيشه ورعونته، ومنظوره (الشبحي، البلطجي) القائم على فرض نفسه بالقوة، انطلاقا من فكرة البقاء مهما كان الثمن وبأي ثمن، حتى ولو كان الثمن أمن الوطن والشعب، سيادة الأمة وكرامتها، مستقبل المجتمع وأبنائه وحقه بالأمن والاستقرار له ولأبنائه وأحفاده وأجياله.

البقاء بأي ثمن، حتى ولو كان الثمن مستقبل الوطن والأمة والمجتمع، البقاء في المكان ولو على حساب المكانة، البقاء في السدة ولو على حساب السيادة، البقاء في الموقع ولو على حساب المواقع، الاحتفاظ بموقع الجزء الفردي / الشخصي/ العائلي/ الطائفي ولو على حساب الكل الاجتماعي، المواطنوي، الأمويِِِِّ.

وفي المآل: فإن النتائج المترتبة على الاستبداد، هي تسليم مصائر البلاد والعباد والأوطان الى الخارج ليكون وصيا دوليا على أمرها وتسيير شؤونها وتكييف مسارها ومستقبلها ما دامت عاجزة عن الولاية على نفسها وتسيير أمورها وشؤونها. فعندما يعجز الداخل عن مواجهة مشكلاته، فإن الخارج سيتدخل، بحق أن داخل الآخر مسكون بالقلق والاضطراب ومحكوم بوضع غير آمن، وأن هذا الوضع سيكون سببا في قلق واضطراب وضعه كآخر شريك في هذا العالم الصغير جدا ومن ثم تهديد أمنه الداخلي، وأنه من حقه والأمر كذلك- أن يتدخل في داخل الآخر ما دام داخل الآخر عاجزا عن حل مشكلاته الداخلية التي تسبب المشكلات لداخل الآخرين. وهكذا يغدو خارج الآخر داخلا، وداخل الأنا خارجا، أمام هذا التحول الهائل للحقائق العالمية التي راحت تكتسب بنية شعاعية انتشارية بقوة ثورة الاتصالات، بعد أن كانت تراكمية وتعاقبية، تحتاج إلى شريط أوفر من الزمن لإحداث التراكم الضروري للتوفر على المعلومة ومن ثم درجة تراكمها الكمي على طريق تحولها إلى كيفية نوعية جديدة.

 

إن صورة سوريا المستقبل، هي أن تكون لكل شعبها، أثنيات وأقواما وطوائف، لا فرق لعربي على أعجمي أو لأسود على أبيض إلا بالتقوى: تقوى القيم الروحية والوجدانية والأخلاقية، تقوى القيم الوطنية والاجتماعية والثقافية، قيم: التعدد والتغاير والاعتراف بالآخر، قيم التحابب والتسامح في مواجهة قيم العنف والكراهية، قيم السلم في مواجهة قيم الارهاب، قيم الوحدة الوطنية والقومية الطوعية، في مواجهة الاكراه والتعسف، قيم الاندماج المواطنوي، في مواجهة قيم الدمج بالقوة الغاشمة القوموية (العنصرية)، قيم الاندماج في المواطنة العالمية في مواجهة ثقافة الانكفاء والانطواء والعزلة، قيم ثقافة الحب وإقامة الحق محل قيم ثقافة الكره وإقامة الحد، قيم ثقافة (الأصل هو الإباحة)، في مواجهة قيم ثقافة (الأصل هو التحريم) أي الذهنية التي تتوسل العقل الطليق، في مواجهة الذهنية التي تتوسل عقل التحريم. وفي المآل الاستناد إلى مرجعيّة عقل التنوير في مواجهة عقل التكفير. وذلك لن يتحقق إلا عبر تغيير ديموقراطي شامل، يكون بديلا للشمولية اللاغية للمجتمع والشعب، وذلك من خلال فتح أوسع الأبواب للمشاركة الشعبية عبر اطلاق حرية التعبير والتفكير والاعتقاد والتنظيم السياسي والحزبي والنقابي المدني والأهلي والانتخابات البرلمانية والرئاسية الحرة. ومن ثم فصل السلطات واستقلال القضاء، واحترام حقوق الأقليات وحقوق المرأة، كل ذلك مقدمات أولى لكي يقبلنا العالم في نادي الديموقراطية والتمدن.

 

هذه الصورة التي تبدو حلما، كانت سوريا تعيشها كواقع ممكن في مرحلة الخمسينات ما قبل هبوب رياح سموم الأنظمة الشمولية العسكرية، الفلاحية، الشعبوية ذات عنترية خطاب الطبلة والربابة، التي ما قتلت ذبابة على حد تعبير الروح المدني لبلاد الشام نزار قباني.

 

نحن المثقفين الذين أطلقنا اسم تسمية "لجان إحياء المجتمع المدني" كعنوان لممارسة عليا للسياسة ما بعد الحزبية اليومية، وباتجاه فضاء طليق ومفتوح على المجتمع وعلى كل الحراك الديموقراطي بكل قواه السياسية والاجتماعية، توقفنا مطولا عند مصطلح "الاحياء" وذلك لكي نقول: إن المجتمع المدني ليس حلما مستوردا من مناخ التحولات الديموقراطية العالمية، بل هو واقع كان متحققا وفي طور الصيرورة في مجتمعنا السوري في فترة ما قبل (الشرعيات) الثورية الانقلابية، ومن ثم فان استدعاءنا لمستقبل المجتمع المدني الديموقراطي، مجتمع الحريات وحقوق الانسان المدنية والتعبيرية والسياسية، ليس استدعاء حلميا (طوباويا) وانما هو استدعاء لتجربة متحققة ومعاشة. وعلى هذا فهي دعوة للانتظام في صيرورة مسار متحقق كان قائما، وليست استدعاء لنموذج مستورد غريب يراد له أن يستورد ليتوطن.

 

لقد تمكن آباؤنا وأجدادنا أن يعيشوا تجربة الديموقراطية ويتمثلوها ويمارسوها عبر الانتظام في أحزاب ونقابات، وممارسة للحقوق الانتخابية البرلمانية من خلال التجربة التعددية للأحزاب. لماذا كان متاحا بالأمس القريب، ويبدو ذلك حلما في الحاضر الأريب !؟.

 

 

للتعليق على هذا الموضوع

 

Gonylan99@aol.com 
Date: Thu, 21 Apr 2005 21:28:53 EDT 
I would like to read Dr. Ead articles frequently.He is one of the best arabic int.
Thank you for intoducing Dr.Ead your readers.
Sincerley yours,
mahmood